في تطور لافت داخل سوق الطاقة العالمي، عاد ملف تماسك تحالف “أوبك+” إلى الواجهة مع تصاعد الحديث عن خروج الإمارات من المنظمة، في خطوة تعكس تحولات أعمق في سياسات إنتاج النفط وإدارة المصالح داخل الكيانات الدولية، ويأتي هذا الطرح في وقت يشهد فيه العالم تقلبات حادة في أسعار الخام، وضغوطًا جيوسياسية متزايدة، ما يضع قرارات الدول المنتجة تحت مجهر التأثيرات الاقتصادية والسياسية معًا.
خروج الإمارات من تحالف أوبك+
وتثير هذه الخطوة تساؤلات واسعة حول مستقبل التحالف النفطي الأكبر في العالم، ومدى قدرته على الاستمرار في ضبط إيقاع الأسواق، خاصة في ظل توجه بعض الدول لتعظيم إنتاجها والاستفادة من طاقاتها الكامنة بعيدًا عن قيود خفض الإنتاج، كما تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين إعادة تشكيل موازين القوى داخل سوق النفط أو استمرار التحالف بصيغ جديدة أكثر مرونة.
أكد المهندس مدحت يوسف، خبير الطاقة، أن خروج الإمارات من منظمة أوبك يحمل في جوهره أبعادًا سياسية بالدرجة الأولى، موضحًا أن المنظمة تمثل تحالفًا قويًا يهدف إلى تحقيق مصالح الدول الأعضاء، من خلال ضبط مستويات الإنتاج والحفاظ على توازن الأسعار في السوق العالمية.
التحكم في حجم المعروض من النفط عالميًا
وأوضح يوسف، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، أن الدور الأساسي لأوبك يتمثل في التحكم في حجم المعروض من النفط عالميًا، بما يمنع حدوث تخمة في الأسواق تؤدي إلى انهيار الأسعار، وهو ما يخدم بشكل مباشر الدول المنتجة والمصدرة للخام.
وأشار إلى أن قرار الانسحاب يعكس رغبة الإمارات في الاستفادة من فائض طاقتها الإنتاجية، حيث لن تكون ملزمة بعد الآن بسياسات خفض الإنتاج التي تفرضها المنظمة، ما يتيح لها زيادة صادراتها النفطية.
تأثير خروج الإمارات من أوبك محدود
وأضاف خبير الطاقة، أن التأثير المباشر لهذا القرار على الأسواق العالمية سيظل محدودًا، نظرًا لأن الكميات الإضافية المتوقع ضخها لا تمثل نسبة كبيرة من إجمالي المعروض العالمي، إلا أنه حذر من احتمالية أن يشجع هذا القرار دولًا أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة.
وشدد خبير الطاقة على أن العامل الأكثر تأثيرًا في استقرار سوق النفط يظل موقف الدول الكبرى داخل أوبك، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، مؤكدًا أن أي تغير في سياساتها قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار.
تعطل الملاحة في مضيق هرمز
وفيما يتعلق بتوقعات الأسعار، أشار يوسف إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية، خاصة مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، يدفع نحو مزيد من الارتفاعات، لافتًا إلى أن الأسعار قد تتجاوز حاجز 120 دولارًا للبرميل، مع احتمالات وصولها إلى مستويات أعلى حال استمرار الأزمة، مؤكدًا على أن أسواق الطاقة تمر بمرحلة شديدة الحساسية، تتداخل فيها العوامل السياسية والاقتصادية، ما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأسعار على المدى القريب.
ومن جانبها أكدت الدكتورة منال متولي، استشاري تكرير البترول وعضو المجلس الأعلى لشعبة البترول، أن انسحاب الإمارات من منظمة أوبك+ ليس سابقة، مشيرة إلى أن عددًا من الدول سبق وأن اتخذت الخطوة ذاتها مثل قطر وأنجولا والإكوادور، دون أن يؤدي ذلك إلى تأثيرات حادة على استقرار سوق الطاقة العالمي.
السعودية على رأس الدولة المؤثرة في منظمة أوبك
وأوضحت متولي، في تصريحات خاصة لـ «العقارية» أن الدول الأساسية المؤثرة داخل أوبك، وعلى رأسها السعودية والعراق وإيران والكويت وفنزويلا، ما زالت قائمة بدورها داخل المنظمة، لكنها لفتت إلى أن كل دولة أصبحت تتحرك وفق حساباتها ومصالحها الوطنية، وهو ما يعكس طبيعة التحولات في سوق الطاقة العالمي.
وأضافت أن القرار من وجهة نظر الإمارات قد يكون إيجابيًا، إلا أنها ترى أن انعكاساته العامة قد تحمل جوانب سلبية، خاصة في ظل تراجع قدرة أوبك على التحكم الكامل في الأسعار أو التأثير على السياسات النفطية العالمية، في ظل متغيرات سياسية واقتصادية معقدة.
التأثير المباشر سيظل محدودًا
وأشارت إلى أن خروج بعض الدول من المنظمة لن يكون له تأثير كبير على الأسواق العالمية، موضحة أن التأثير المباشر سيظل محدودًا، خاصة على الدول المستوردة، لكنه قد يفتح الباب أمام تغيرات في موازين العرض والطلب على المدى المتوسط.
وفيما يتعلق بأسعار النفط، أكدت متولي أن استمرار التوترات الجيوسياسية، خاصة مع احتمالات تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، يمثل عاملًا رئيسيًا في ارتفاع الأسعار، مشددة على أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي إلى زيادات متتالية في أسعار الخام.
وأوضحت استشاري تكرير البترول، أن التوقعات بشأن أسعار النفط تظل مرهونة بتطورات الأوضاع السياسية، مؤكدة صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار في ظل استمرار الأزمات، لافتة إلى أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترات طويلة قد يقود إلى أزمة طاقة عالمية حقيقية، مؤكدة على أن المشهد الحالي شديد التعقيد، وأن حجم الخسائر الفعلية لن يتضح إلا بعد انتهاء الأزمة، خاصة مع اختلاف التأثيرات بين الدول وفقًا لمستوى اعتمادها على الطاقة وحجم احتياطاتها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض