تشهد المدن الحدودية الصينية المتاخمة لروسيا تدفقًا كبيرًا للروبلات الروسية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية، مما أحدث تحولاً اقتصاديًا ملموسًا في مجتمعاتها المحلية، حيث تحول العديد من التجار والموظفين من قطاعات تقليدية كالزراعة إلى قطاع تصدير السيارات المزدهر، مدفوعين بالتقارب الملحوظ بين بكين وموسكو والنمو المتسارع في حركة نقل المركبات عبر الحدود.
وفي مدينة سويفينهي، وهي مدينة حدودية صغيرة شمال شرق الصين، يرى رجال الأعمال المحليون في الحرب الروسية الأوكرانية فرصة تجارية استثنائية لمضاعفة مبيعاتهم وأرباحهم، غير آبهين بالعقوبات الغربية، في وقت تأمل فيه موسكو استمرار هذه العلاقة الودية تزامنًا مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصين.
من جانبها، ترفض الحكومة الصينية العقوبات الغربية وتؤكد عدم توافقها مع القانون الدولي، حيث قدمت سفارة بكين في المملكة المتحدة احتجاجًا شديد اللهجة إلى لندن بشأن العقوبات المفروضة على شركات صينية متهمة بتزويد روسيا بمعدات عسكرية، معلنة أنه لا ينبغي للعقوبات أن تعيق التبادلات الطبيعية بين الشركات الصينية والروسية.
ومنذ بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022 وإعلان الشراكة بلا حدود، تعمقت العلاقات الثنائية وارتفع حجم التبادل التجاري لمستويات قياسية، إذ اشترت بكين ما يزيد عن 316.5 مليار يورو من الوقود الأحفوري الروسي، وسارعت الشركات الصينية لسد النقص الناجم عن انسحاب الشركات الغربية، مما رفع صادرات مقاطعة هيلونججيانج إلى روسيا بنسبة 22% العام الماضي.
واوضح خبراء أن الاعتماد بين الطرفين بات متبادلاً ولكنه غير متكافئ، حيث تستورد الصين نحو 30% من صادرات روسيا، مقابل توجه 3% فقط من الصادرات الصينية إلى روسيا، وفقًا لصحيفة "الجارديان".
ويبرز قطاع السيارات كأحد أكثر المجالات التي تدعم الازدهار الاقتصادي الصيني في مواجهة نقص الطلب المحلي، حيث قفزت حصة العلامات التجارية الصينية في سوق السيارات الروسية من 7% بين عامي 2021 و2024 لتصل إلى قرابة 60%، وصدرت الصين أكثر من مليون سيارة إلى روسيا في عام 2024.
وتتدفق عشرات الآلاف من السيارات الأجنبية المستعملة مثل "بي إم دبليو" وهوندا وفولكس فاجن إلى روسيا سنويًا عبر وكالات صينية كأطراف ثالثة، مستفيدة من فروق الأسعار الكبيرة التي تجعلها صفقة رابحة للطرفين، ليساهم الروبل الروسي في دعم أجزاء واسعة من الاقتصاد الصيني المعتمد على التصدير.
وتمثل مدينة سويفينهي، البالغ عدد سكانها 60 ألف نسمة، نموذجًا مصغرًا لعمق هذه العلاقة، إذ تنتشر اللافتات باللغة السيريلية وتُعلن الأسعار بالروبل الذي يعد عملة قانونية في المدينة، وقد أسهمت سياسة الإعفاء من التأشيرة للسياح الروس المطبقة منذ سبتمبر في زيادة حركة الزوار بنسبة تجاوزت 60% في مقاطعة هيلونججيانج خلال الأشهر الستة الأولى، مما أنعش قطاعات الخدمات كعيادات التجميل والصالونات المخصصة للروس بنسبة 50%.
في المقابل، يواجه القطاع اللوجستي المحلي المعتمد على اليوان والطلب الداخلي صعوبات بالغة جراء ارتفاع أسعار الوقود الناتجة عن حرب الشرق الأوسط وتراجع القدرة الشرائية محليًا.
وتكشف الإحصاءات الرسمية عن مفارقة اقتصادية، حيث سجل الفائض التجاري الصيني رقماً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، وارتفعت الصادرات بنحو 15% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، بينما لم يتجاوز نمو مبيعات التجزئة المحلية 1.7% في مارس.
ورغم اختتام القمة الأمريكية الصينية مع دونالد ترامب وعزم الطرفين تشكيل مجلس تجاري لبحث تخفيضات الرسوم الجمركية، إلا أن بكين تواجه مشكلات هيكلية كشيخوخة السكان وتراجع العقارات تعيق تنفيذ هدفها الاستراتيجي بتوسيع الطلب المحلي، مما يجعل تصدير السلع المدعوم بإمدادات الطاقة الروسية المخفضة الخيار الأسهل اقتصاديًا.
وفي محصلة المشهد الدبلوماسي، تظل بكين ممسكة بزمام الأمور في علاقتها مع موسكو لامتلاكها خيارات تجارية دولية أوسع، حيث تستورد روسيا 90% من التكنولوجيا الخاضعة للعقوبات من الصين.
ومع وجود ترامب في البيت الأبيض، تراجع الضغط على شي جين بينغ بشأن علاقته مع بوتين، ولم تحظى الحرب الأوكرانية باهتمام يذكر في القمة الأمريكية الصينية الأخيرة، مما يكرس النظرة المحلية المتنامية في المدن الحدودية بأن الصين أصبحت بالفعل بمثابة الشقيق الأكبر لروسيا.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض