غويانا.. دولة بـ850 ألف نسمة وثروة نفطية بـ11 مليار برميل والشعب لا يزال فقيراً


الاحد 31 اغسطس 2025 | 03:20 مساءً
دولة غويانا
دولة غويانا
حسين أنسي

تتوجه غويانا، الدولة الصغيرة في شمال أميركا الجنوبية، إلى الانتخابات الرئاسية وسط جدل واسع حول كيفية إدارة واحدة من أكبر الطفرات النفطية في العالم، في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 850 ألف نسمة، لكنه يمتلك احتياطيات نفطية تقدر بـ11 مليار برميل، ما يجعله الأعلى من حيث احتياطي النفط للفرد على مستوى العالم.

ورغم تسجيل البلاد لمعدل نمو اقتصادي غير مسبوق بلغ 43.6% في عام 2024، وتضاعف ميزانيتها أربع مرات خلال خمس سنوات لتصل إلى 6.7 مليار دولار أميركي في 2025، إلا أن شريحة كبيرة من السكان ما زالت تعاني من الفقر وضعف البنية التحتية الأساسية، في مشهد يعكس مخاوف متجددة من تكرار ما يُعرف بـ"لعنة الموارد"، وهي ظاهرة تعاني فيها الدول الغنية بالموارد الطبيعية من ضعف التنمية وغياب العدالة الاقتصادية.

الرئيس يعد بالازدهار.. والمعارضة تتهم بالفساد

الرئيس الحالي عرفان علي يخوض الانتخابات تحت شعار "غويانا مزدهرة"، متعهداً بتحسين جودة التعليم، وتنويع الاقتصاد، وتحقيق تنمية مستدامة تستند إلى عوائد النفط. إلا أن المرشحين المنافسين يرفعون شعارات أكثر حدة، تتهم الحكومة بإدارة غير عادلة للثروة وتطالب بتوزيع مباشر لها على المواطنين.

وتقول أمانزيا والتون-ديزير، مرشحة المعارضة، إن الإنفاق الحكومي على البنية التحتية لا يواكبه تحسن حقيقي في مستويات المعيشة، مشيرة إلى أن نحو 41 سنتاً من كل دولار يتم إنفاقه على المشروعات العامة يُهدر بسبب الفساد أو سوء الإدارة. 

كما حذّرت من أن سياسة "الاقتصاد بالتنقيط" التي تتبعها الحكومة تساهم في تفاقم التضخم، الذي يُسجَّل رسمياً عند 4%، لكنه يُشعر به السكان بدرجات أعلى، خاصة مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

الواقع على الأرض: طفرة نفطية دون انعكاس اجتماعي

ورغم المشروعات الحكومية الضخمة، والتي تزيد عن 5 آلاف مشروع عام، إلا أن الواقع في العديد من المناطق الشعبية يُظهر فجوة واضحة بين النمو الاقتصادي والمؤشرات الاجتماعية.

في حي "شاتو مارغو" في العاصمة جورجتاون، يعيش شون فيرير، حارس أمن يبلغ من العمر 52 عامًا، في منزل خشبي متداعٍ بلا كهرباء أو مياه جارية، باستثناء لوح شمسي بسيط. ورغم أنه يعمل يوميًا لمدة 12 ساعة، لا يتجاوز دخله الشهري 525 دولارًا أميركيًا، ما لا يكفي لتوفير أبسط مقومات الحياة.

ويقول فيرير: "الحياة قاسية.. من المفترض أن نعيش حياة أفضل مع هذه الثروات، لكن الأغنياء فقط هم من يحصلون على نصيب الأسد".

وعلى الرغم من أن الحكومة رفعت قيمة المساعدات السنوية للأطفال إلى 478 دولارًا لكل طفل، إلا أن هذه المبالغ تظل غير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية في ظل التضخم المتصاعد.

التوسّع النفطي والصندوق السيادي

تخطط غويانا لرفع إنتاجها النفطي من 650 ألف برميل يوميًا حاليًا إلى أكثر من مليون برميل يوميًا بحلول عام 2030، مع الترويج لإدارة عوائد النفط عبر صندوق سيادي، يُفترض أن يضمن استدامة العائدات واستثمارها في مجالات تنموية.

لكن هذه الخطط تواجه تساؤلات من ناشطين وخبراء، على غرار كريس رام، الذي يشير إلى "أولويات إنفاق خاطئة"، مثل بناء مستشفيات بلا تجهيزات أو طواقم طبية، منتقدًا الإنفاق السهل والسريع قائلاً: "أسهل شيء هو إنفاق المال، خصوصًا عندما لا يكون من مالك الشخصي... لدينا مبانٍ جميلة، لكنها غير مؤهلة لخدمة الناس".

بين البنية التحتية والمواطن

في الوقت الذي تشهد فيه شوارع غويانا توسعًا عمرانيًا واضحًا من خلال مشروعات الطرق والبناء، يبدو أن المواطن البسيط ما زال ينتظر نصيبه من الثروة الجديدة. وتضع الانتخابات الرئاسية المقبلة ملف النفط في صدارة النقاشات، وسط تطلعات بأن تكون السنوات القادمة فرصة حقيقية لتحقيق تنمية شاملة، وليس مجرد نمو في المؤشرات الاقتصادية.