في منعطف تاريخي يشهده سوق المعادن النفيسة، يبدو أن الذهب قد قرر التمرد على كافة التوقعات التقليدية، ليدخل عام 2026 محمولاً على طفرات قياسية لم تشهدها الأسواق من قبل، فبعد أن ودعنا عام 2025 بوصفه «العام الذهبي» الذي سجل فيه المعدن الأصفر زيادة سنوية غير مسبوقة بلغت 70 %، واقتربت فيه الأوقية من حاجز الـ 4500 دولار، يفتح الغموض الجيوسياسي والاضطراب الاقتصادي العالمي الباب على مصراعيه أمام تساؤلات مشروعة: هل اقتربنا من نهاية رحلة الصعود أم أن القمة لا تزال بعيدة؟
وسط هذا المشهد الضبابي، يطل علينا هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، برؤية تحليلية كاشفة، واضعاً النقاط على الحروف حول مستقبل الاستثمار الآمن في مصر، لم يعد الحديث مجرد رصد لأسعار الجرامات، بل امتد ليشمل تحول الذهب إلى «عملة عالمية» وقوة ناعمة تعزز الاقتصاد القومي، خاصة مع توجه الدولة لإنشاء «بنك الذهب» وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتكرير وتداول المعدن الأصفر في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن المفاجأة الكبرى في تصريحات «ميلاد» لم تكن في لغة الأرقام الصاعدة فحسب، بل في «ثورة المفاهيم» الاجتماعية التي يطرحها ، حيث يقدم الألماس -سواء الطبيعي أو المختبري- كبديل عصري واقتصادي لـ «الشبكة» التقليدية التي باتت عبئاً على كاهل الشباب، بين نصائح الشراء في فترات «التصحيح السعري»، والتحذير من فخاخ الذهب المغشوش عبر منصات التواصل، وبين استشراف مستقبل الادخار بعد تراجع عوائد الشهادات البنكية..
تصريحات رئيس شعبة الذهب بالغرفة التجارية تأخذنا للبحث عن إجابة السؤال الأصعب: كيف يحمي المصريون مدخراتهم في عام «لا سقف فيه للأسعار»؟
2025 شهد ارتفاعات قياسية لأسعار الذهب.. ما هي توقعاتك في 2026 هل سيكمل رحلة الصعود؟
2025 العام الذهبي للمعدن الأصفر، وحقق الذهب 70 % زيادة سنوية وهي طفرة جديدة، ورقم قياسي لم يتحقق من قبل ووصلت ذروته إلى 4540 دولارا للأوقية، وهو ما أثر على جميع الأسواق في السوق المحلي، وسجل عيار 21 الأكثر شهرة في مصر حوالي 2200 جنيه زيادة في سعره.
السوق المحلي مرتبط بنسبة أكثر من 95 % بالسعر العالمي، والعوامل التي أثرت في سعر الذهب في 2025 ما زالت قائمة وسيكون لها اليد العليا والمؤثر القوي في استمرار تحقيق الذهب أرقام قياسية في 2026، ودائما لدي مقولة «الذهب مالوش سقف في سعره»، فمن الممكن أن يحقق 10 آلاف دولار، والفارق في التوقيت والظروف التي يمكن تحقيق الأرقام فيها، فالجميع يعلمون أن الذهب يتأثر بكل العوامل السياسية والجيوسياسية والتجارية والاقتصادية، وبالتالي حالة الصراع القائمة حاليا والأحوال الاقتصادية العالمية مؤشر قوي يدفع الذهب إلى الارتفاع، إلا أنه لا يمكن تحديد السعر الذي سيصل له الذهب أو التوقيت بالضبط.
مع استقرار سعر صرف الدولار.. ما هو توقعك لسعر الذهب في السوق المحلي؟
سعر الذهب مقاوم في البورصة العالمية بالدولار، وبالتالي سعر الدولار في البنك المركزي المصري مؤثر بشكل قوي على المعدن الأصفر، فاستمرار اعتدال سعر الدولار سينعكس بشكل إيجابي على الذهب، وفي حالة ثبات الدولار في الوقت الحالي ستكون الزيادة في سعر جرام الـ21 من 300 إلى 500 جنيه.
في الوقت الحالي حدثت عملية تصحيح في الذهب عالميًا وهو ما انعكس محليا والبعض يوصى بعدم شراء الذهب أثناء فترة التصحيح.. ما تعليقكم؟
أرى العكس.. فكل فرصة يحدث فيها انخفاض في سعر الذهب أو تصحيح في مساره تعد نقطة يجب عندها التحلي بالصبر والتأني، انتظارا للوصول إلى التوقيت المناسب للشراء، إذ قد يعاود الذهب الارتفاع مرة أخرى، وتعد الحركة التصحيحية أمرا طبيعيا وواردا ومتعارفا عليه في البورصات، حيث ترتفع الأسعار بشكل تدريجي، ثم تعقبها عملية تصحيح، يعمد خلالها البعض إلى جني الأرباح.
وتوجد مؤسسات تتحكم في توقيتات البيع والشراء، إلا أن الخطورة الحقيقية تكمن لدى الأفراد في التأثر العاطفي بانخفاض أسعار الذهب، ما يدفعهم إلى البيع رغم عدم حاجتهم الفعلية للأموال، ومع عودة الأسعار للارتفاع، يفقد هؤلاء فرصة مهمة للاستثمار في الذهب.
الذهب مخزن للقيمة طوال تاريخه ويعتبر زينة وخزين و»فلوسه فيه»، وهو في المقام الأول إدخار «حصالة»، فيمكن توجيه أي مبلغ في الذهب بدلا من تركه نقدا، وأنصح بعدم وضع الأموال في الدولار ولكن التوجه إلى شراء الذهب، وتعد هذه الثقافة راسخة لدى المصريين منذ القدم، باعتبار الذهب ملاذا آمنا للحفاظ على قيمة المدخرات.
الذهب شهد إقبالا كبيرا من المصريين في فترة التضخم وأزمة الدولار في 2022 و2023.. هل الإقبال استمر رغم الظروف الاقتصادية الصعبة ؟
عام 2023 شهد أحداثا مغايرة، تمثلت في معدلات التضخم المرتفعة وسجل الذهب أرقاما قياسية وحقق ارتفاعات، تزامنت مع وجود سيولة مادية لدى المواطنين، وذهبت معظم هذه السيولة إلى الذهب.
ودفع الإقبال الكبير على شراء الذهب لدى المصريين، الشعبة للتقدم بطلب إلى مجلس الوزراء ووزير التموين بإتاحة الفرحة أمام المصريين بالخارج بالعودة بالذهب لأنه في فترة من الفترات سيكون مصدرا للدخل وبالتالي تقوية الاقتصاد، وحال تصديره أو بيعه سيعود بعائد دولاري، والفكرة تم تطبيقها ونجحت وحققت مميزات كثيرة.
وأتوقع في 2026 ومع انخفاض الفائدة على عائد الشهادات في البنك المركزي المصري، التوجه إلى الاستثمار في الذهب والذي أصبح خيارا مناسبا وفرصة قوية في ظل الركود في الحقبة العقارية أو الاستثمار العقاري.
كم بلغ حجم مشتريات المصريين من الذهب خلال العام الماضي؟
حجم مشتريات المصريين من الذهب بلغ نحو 32.5 طن خلال أول 9 أشهر من 2025، منقسمة إلى 11.1 طن بالربع الأول من 2025 وكان للمشغولات الذهبية نصيب الأسد من مبيعات السوق المحلية من المعدن الأصفر لتحصد 6.4 طن من إجمالي حجم تداول وبيع الذهب بالربع الأول بينما سجلت مبيعات السبائك والعملات الذهبية نحو 4.7 طن بالربع ذاته، وبالربع الثاني من 2025 اشترى المصريين 11.5 طن من الذهب خلال 3 أشهر فقط، منهم 5.7 طن للمشغولات الذهبية و5.9 طن من العملات والسبائك الذهبية.
ووصولًا إلى الربع الثالث من 2025 ورغم الزيادات الملحوظة بأسعار الذهب عالميًا ومحليًا نجد أن المصريين استطاعوا أن يشتروا 9.9 طن من الذهب حتى سبتمبر 2025 ولكن حصدت السبائك والعملات الذهبية النصيب الأكبر من تلك المشتريات لتسجل نحو 5.6 طن، بينما وصلت مبيعات المشغولات إلى 4.4 طن خلال الربع نفسه.
ورغم أن المؤشرات والأرقام تعكس تراجع حجم الطلب من قبل المصريين على الذهب مقارنة بعام 2024 الذي سجل إجمالي مشتريات المصريين به نحو 50 طن منهم 26 للمشغولات و24 طن للعملات والسبائك الذهبية، إلا ان أرجع جميع الخبراء ومسؤلو الشعبة العامة للذهب والمجوهرات عند ظهور نتائج الربع الرابع من 2025 سنجد ريمونتادا للذهب وإقبال المصريين عليه بنهاية العام المُنتهي إثر أحداث منطقة الشرق الأوسط والتوترات الجيوسياسية الإقليمية المُحيطة بنا.
ولكن حجم المشتريات في الربع الثالث من 2025 انخفض مقارنه بالربع الثاني .. فما هى لاسباب ؟
وأرجع رئيس شعبة الذهب أسباب انخفاض المشتريات في الربع الثالث من 2025 مقارنة بالربع الثاني من العام نفسه، إلى عاملين أساسيين وهما الهدوء النسبي في الأسعار مما جعل وتيرة الشراء أقل اندفاعًا بالإضافة العامل الموسمي حيث تزامنت هذه الفترة مع موسم المصايف والإجازات، مما وجه القوة الشرائية للمصريين نحو الإنفاق السياحي بدلًا من الادخار.
ومع ذلك عند ظهور نتائج الربع الأخير من عام 2025 كانت هناك زيادة ملحوظة في الإقبال على شراء الذهب، خاصةً بعد تغير الظروف الموسمية وعودة الذهب لصدارة المشهد كوعاء ادخاري آمن وان كافة المُعطيات والتوقعات تُشير إلى أن أسعار الذهب سترتفع في 2026، مؤكدًا أن الذهب أثبت خلال السنوات القليلة الماضية قدرة فائقة على الحفاظ على بريقه كأفضل وعاء ادخاري، متوقعًا أن يستمر في المنافسة بقوة واقتناص جزء كبير من السيولة النقدية المتواجدة في السوق، نظرًا لثقة المصريين التاريخية في المعدن الأصفر كملاذ آمن ضد التقلبات الاقتصادية.
وهل تتوقع أن يزيد الاقبال في عام 2026 ؟
وبشأن توقعات الإقبال الأكثر خلال 2026 كشفا أن الكثير يلجأ للمشغولاته لأنها تجمع ما بين الزينة والخزينة أي أنها تحفظ قيمة الأموال وفي الوقت ذاته تستفاد منه السيدات للتزين، ولكن هناك نوع مُستمر أخر من رجال الأعمال وأيضًا الأفراد المُستثمرين الذين يفضلون السبائك والعملات الذهبية بعيدًا المصنعية، رغم إن السبائك والعملات الذهبية تخضع أيضًا لضريبة الدغمة إلا أن لهم عميلهم الخاص ويُفضل الإقبال عليهم تحت أي ظرف.
وردًا على التساؤلات حول مدى تأثر أسعار الذهب محليًا بكثرة الإقبال وضخ السيولة الناتجة عن فك الشهادات البنكية خلال يناير الحاليّ 2026، أكد ميلاد أن عامل العرض والطلب يؤثرعلى سعر الذهب في السوق المحلي بنسبة لا تتخطى الـ5 % كحد أقصى، مؤكدًا أن المعروض من الذهب في مصر كافٍ لتلبية احتياجات السوق مهما كان حجم الطلب المتوقع خلال الفترة القادمة، أن المحرك الأساسي يظل مرتبطًا بسعر الدولار والبورصة العالمية.
في الفترة السابقة كان الحديث عن الجنيه الذهب والسبائك للاستثمار وليس المشغولات.. ما هي ميزة السبائك والجنيهات عن المشغولات؟
كل الذهب هو ذهب بصرف النظر عن شكله، فالاختلاف بين السبيكة والجنيه والمشغولات هو الشكل فقط، ولكن في الأصل هو ذهب بصرف النظر عن عياره وشكله، الفرق في قيمة التشغيل، فتحويل السبيكة إلى مشغولات ذهبية يضاف له تكلفة التصنيع، وهي التي تفرق بين سعر السبيكة والجنيه والمشغولات.
المشتري للمشغولات الذهبية يستفيد بها بارتدائها للزينة وبالتالي تعتبر المصنيعة قيمة الاستمتاع بالذهب، وللاستثمار فقط أنصح بالتوجه إلى شراء السبائك أو الجنيهات الذهب.
البعض يخشى من بعض أنواع السبائك أو الجنيهات.. كيف يتم معرفة أن السبيكة ذات جودة مرتفعة؟
الأمان يكمن في مصدر الشراء، ويجب الحذر من أي عروض للذهب عبر السوشيال ميديا من أشخاص مجهولين، وأنصح بالابتعاد عنها تماما، فالأفضل هو التعامل مع شركات أو محلات ذات سمعة جيدة، تمتلك بطاقة تجارية وسجلا تجاريا، وتصدر فاتورة عند الشراء، فهذا يمثل الضمان للمشتري، وفي حال حدوث أي مشكلة، يكون للمشتري الحق في المطالبة بحقه واسترداد أمواله أو التعامل مع الجهة المسؤولة.
أما في حالة التعامل مع بائع مجهول، فقد يواجه المشتري العديد من المشاكل، خاصة أن بعض الادعاءات والأغراءات قد تخفي وراءها محاولات نصب أو غش.
ما رأيك في مذكرة التفاهم بين البنك المركزي المصري وبنك الاستيراد والتصدير الإفريقي لإنشاء بنك للذهب في مصر؟ وهل سيرفع من مصر كمركز لتجارة الذهب عالميا؟
القرارات أكثر من رائعة وحكيمة وتعكس فهما للمستقبل، لأن الذهب أصبح له مكانته كعملة عالمية، ومصر بمركزها الإقليمي في الشرق الأوسط يؤهلها لتكون مركزا لتجارة الذهب عالميا، خصوصا وأن إفريقيا مليئة بالمعادن والذهب والمدخرات.
الفرصة جيدة أمام مصر لتقوي اقتصادها القومي بالذهب، في ظل وجود بنوك للذهب في كثير من البلاد، وبالتالي يمكن إقراض الذهب دون بيعه من أجل أن يحافظ على قيمته، فتحول مصر إلى مركز مصفاة يخدم الدول الإفريقية يعد إنجازا رائعا، وحلما كنا نحلم به طويلا.
أسعار الذهب المرفعة وتؤثر على المصريين وحالات الزواج.. ما هي البدائل أمام المصريين؟ هل الفضة أو الألماس البديل؟
المصريون لديهم ثقافة اجتماعية لا تؤهل الفضة لتكون شبكة، الفضة قد تكون حلي أو زينة ولكن القيمة التقليدية في الذهب كهدية من العريس للعروسة، خصوصا وأن مسمى الشبكة له طبيعة خاصة مرتبط بالعادات والتقاليد.
دائما ما نتوارث أن الذهب هو القيمة الأفضل، وارتفاع سعره سبب مشكلة، فالقيمة المادية التي يتقدم بها العريس لشراء شبكة قد تكون صعبة لتحقيق كمية كبير من الذهب، والبعض بدأ في تصنيع مشغولات خفيفة في الوزن من الذهب، في إطار مقاومة ارتفاع الأسعار.
وفي تقديري أن الألماس الطبيعي قد يكون بديلا جيدا للذهب في الشبكة، لأن أسعاره عالميا منخفضة منذ 3 سنوات وبالتالي سعره مناسب، لا سيما مع وجود المنافس وهو الألماس المخبري وهو مطابق للألماس الطبيعي رغم كونه مخلق في المعامل، فهو يأخذ نفس الشكل والكفاءة وسعره مناسب، فالخاتم المصنوع من الألماس الطبيعي أو المخبري أصبح فرصة ليكون شبكة فخمة وشيك ومشرفة ويناسب العروسة العصرية.
ما هو متوسط سعر الخاتم الذهب والألماس؟
الـ100 ألف جنيه تشتري جرامات ذهب لا تتخطى 14 أو 15 جراما وقد تكون أسورة أو خاتما أو دبلة، وبالتالي مع العوامل الاجتماعية الخاصة بالشبكة وقلة الجرامات لا يتحقق الزخم المطلوب، ولكن يمكن بـ50 ألف جنيه أو أقل شراء خاتم سوليتير من الألماس المخبري، أو خاتما من الألماس الطبيعي في حدود 200 ألف جنيه، فالفرصة مواتية في الألماس.
الألماس لا يخسر فهو حافظ للقيمة وليس للاستثمار، فهناك أشياء أسعارها تتضخم مثل الذهب في البورصة العالمية وهو ما يعد استثمارا، أما الألماس يحتفظ بنفس قيمته من المال إضافة إلى كونه شبكة جميلة وهدية راقية يقدمها العريس للعروسة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض