تنطلق اليوم في مدينة تيانجين الساحلية الشمالية في الصين، أكبر قمة في تاريخ منظمة شنغهاي للتعاون، حيث تشهد حضورا بارزا يضم أكثر من 30 زعيما من رؤساء الدول والحكومات، من بينهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان والتركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إضافة إلى مسؤولين من منظمات دولية وإقليمية عدة.
سيترأس الرئيس الصيني شي جين بينغ أعمال القمة واجتماع "شنغهاي للتعاون بلس"، حيث سيلقي كلمات رئيسية من المتوقع أن يتناول فيها سبل تمكين منظمة شنغهاي للتعاون وتعزيز نظام الحوكمة العالمية. كما من المقرر أن تعتمد الدول الأعضاء خلال الاجتماع سلسلة من الوثائق الرامية إلى تعميق التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والثقافية، في خطوة تهدف إلى تعزيز التكامل والتنسيق بين الدول المشاركة.
ومن المتوقع أن ترسم القمة ملامح التنمية المستقبلية للمنظمة، وأن تسهم في تعزيز حيوية الاقتصاد العالمي، وسيسعى المشاركون فيها إلى تأكيد التزامهم القوي بالصداقة والوحدة، وتطوير استراتيجيات لتحقيق المزيد من الأمن والازدهار الإقليمي.
وأشار مراقبون في بكين إلى أن معالجة التحديات الأمنية بشكل أكثر فعالية وتعزيز إنشاء آليات دعم التمويل، مثل بنك التنمية لمنظمة شنغهاي، ستكون من بين بنود جدول الأعمال، وسيوقع القادة المشاركون في القمة إعلانا مشتركا، وسيوافقون على استراتيجية تنمية منظمة شنغهاي للتعاون للأعوام العشرة المقبلة، ويصدرون بيانات بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار في الحرب العالمية الثانية والذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة، ويتبنون سلسلة من الوثائق الختامية بشأن تعزيز الأمن والتعاون الاقتصادي والشعبي والثقافي، ويمثل هذا الحدث المرة الخامسة التي تستضيف فيها الصين قمة لمنظمة شنغهاي للتعاون، وسيكون التجمع الأكبر منذ تأسيس المنظمة.
وقبل يوم من القمة التقى الرئيس الصيني بمدينة تيانجين خمسة من زعماء الدول والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، وقال: إن التعددية والتضامن والتعاون هم الطريق الصحيح لمواجهة التحديات العالمية، ودعا إلى بذل جهود مشتركة لإحياء سلطة وحيوية الأمم المتحدة لتصبح المنصة المركزية لمعالجة الشؤون العالمية.
في سياق القمة، توقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن تضيف القمة زخما جديدا في مسيرة تطور المنظمة، وعبر في مقابلة مكتوبة عشية زيارته للصين لحضور القمة واحتفالات يوم النصر في بكين، عن ثقته بأن قمة تيانجين ستكون محطة مهمة في تاريخ المنظمة، مؤكدا دعم بلاده الكامل للأولويات التي أعلنتها الرئاسة الصينية للقمة، والتي تركز على تعزيز المنظمة، وتوسيع التعاون في جميع المجالات، ودفع دورها على الساحة الدولية. وأشار بوتين إلى أن جاذبية المنظمة تكمن في مبادئها البسيطة والمؤثرة المتمثلة في الالتزام الثابت بفلسفتها المؤسسة، والانفتاح على التعاون المتكافئ، وعدم استهداف الغير، واحترام الخصوصيات والخصائص الوطنية لكل دولة.
ولفت إلى أن المنظمة تساهم بهذه القيم في بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر إنصافا، قائم على القانون الدولي، ويحفظ للأمم المتحدة دورها المركزي في التنسيق العالمي، مضيفا أن "ضمان الأمن المتكافئ وغير القابل للتجزئة في المنطقة الأوراسية يظل أحد العناصر الأساسية لهذه الرؤية العالمية".
وتعد قمة تيانجين، حدثا استثنائيا يعكس الدور المتزايد لمنظمة شنغهاي في تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجالات الأمن والاقتصاد والتنمية المستدامة، وسط توقعات بمناقشات حيوية تسهم في رسم ملامح التعاون المستقبلي بين الدول الأعضاء.
وفي السياق، أعرب وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" في تصريحات سابقة، عن ثقته بأن القمة ستكون حدثا عظيما للصداقة والتضامن والنتائج المثمرة، وقال إن بلاده تهدف من خلال القمة إلى مساعدة منظمة شنغهاي للتعاون على دخول مرحلة جديدة من التنمية عالية الجودة تتميز بمزيد من التضامن والتنسيق والديناميكية والإنتاجية، وتقديم مساهمة أكبر في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية، وأشار إلى أن منظمة شنغهاي عقدت 110 فعاليات مهمة، منذ تولت الصين رئاستها في يوليو من العام الماضي.
وأوضح وانغ أن منظمة شنغهاي، باعتبارها منظمة إقليمية شاملة تضم أكبر عدد سكان في العالم وأوسع تغطية جغرافية وإمكانات هائلة، تكتسب اهتماما متزايدا من المجتمع الدولي، ويمكنها أن تضطلع بدور أكثر أهمية في صون السلام والاستقرار على المستوى الإقليمي مع تعزيز التنمية والنهوض، وأضاف أن المنظمة يمكن أن تسهم أيضا في صياغة نمط جديد من العلاقات الدولية وبناء مجتمع مصير مشترك للبشرية.
وتأتي اجتماعات قمة منظمة شنغهاي قبل أيام من عرض عسكري ضخم سيقام في بكين، الأربعاء المقبل، في الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية. وتحاول الصين من خلال هذا العرض استعراض بعض من أكثر أسلحتها تطورا محليا، بما في ذلك أكثر من 100 طائرة، وعدد كبير من الدبابات والصواريخ. ويتوقع أن يشهد الحدث حضورا رفيع المستوى، يتقدمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، إلى جانب قادة من جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى.
ومنذ تأسيسها في شنغهاي قبل 24 عاما، نمت منظمة شنغهاي للتعاون من ستة أعضاء مؤسسين إلى أسرة تضم 26 دولة تمتد عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، وهي أكبر منظمة إقليمية في العالم من حيث النطاق الجغرافي والسكاني.
تضم المنظمة عشر دول أعضاء رئيسية هي: الصين، روسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان، أوزبكستان، الهند، باكستان، إيران، وبيلاروسيا، بالإضافة إلى ذلك، تشمل دولًا مراقبة وشركاء حوار، مما يجعلها تغطي نحو أربعة وعشرين بالمائة من مساحة الأرض واثنين وأربعين بالمائة من سكان العالم.
تهدف المنظمة إلى تعزيز التعاون في مجالات السياسة، الاقتصاد، الأمن، والثقافة، وتعتبر منصة رئيسية للدول النامية في مواجهة النظام الاقتصادي الغربي، كما تعتبر قوة اقتصادية هائلة، حيث يقدر الناتج المحلي الإجمالي المجمع لأعضائها بنحو أربعة وعشرين تريليون دولار أمريكي وهو ما يعكس قوة المنظمة، ويجعلها أكبر من الاتحاد الأوروبي في بعض المقاييس، حيث يبلغ إجمالي الناتج الأوروبي حوالي ثمانية عشر ونصف تريليون دولار، وتسيطر دول منظمة شنغهاي على عشرين بالمائة من احتياطيات النفط العالمية وأربعة وأربعين بالمائة من الغاز الطبيعي، مما يساعد في مواجهة تقلبات أسعار الطاقة العالمية.