لا يمكن قراءة أرقام النمو السكاني أو التوسع الحضري بمعزل عن الدينامو المحرك لملف الإسكان الاجتماعي، وهو «صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري»، هذا الكيان الذي انتقل من مرحلة «إدارة المبادرات» إلى مرحلة «النضج المؤسسي»، ليصبح اليوم المٌنفذ لـ 55 % من إجمالي ما نفذته الحكومة المصرية من وحدات سكنية، بإجمالي يتخطى المليون و70 ألف وحدة.
في الحوار الذي خصت به «العقارية » لا تتحدث مي عبد الحميد، الرئيس التنفيذي للصندوق، بلغة التمنيات، بل بلغة الأرقام التي تعكس حجم الضغط وحجم الإنجاز في آن واحد، يضخ الصندوق تمويلات عقارية بلغت ذروتها 101.9 مليار جنيه، لخدمة 695 ألف مستفيد، هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي شهادة ميلاد لقطاع مالي جديد تماماً، حيث تؤكد مي عبد الحميد أن 65 % من مستفيدي الإسكان الاجتماعي لم يكن لديهم تعاملات مصرفية قبل البرنامج، ما يجعل الصندوق أكبر محرك للشمول المالي في تاريخ القطاع العقاري المصري.
التحدي الأكبر الذي واجه المنظومة كان «معادلة الاستدامة» في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية، وهنا تبرز مرونة الصندوق في رفع سقف الدعم النقدي المباشر من 25 ألف جنيه في بدايات البرنامج ليصل اليوم إلى 180 ألف جنيه يخصم من ثمن الوحدة، مع تثبيت الفائدة عند 8 % لمحدودي الدخل، وهنا تقول «عبد الحميد»: نحن ندعم أكثر من 50 إلى 60 % من قيمة الوحدة للمستفيد النهائي، وهي معادلة تطلبت من الصندوق هيكلاً ماليًا صلبًا يعتمد على رأس مال متجدد، وقروض بنكية مدروسة بلغت 50 مليار جنيه، سدد منها 4 مليارات جنيه، مدعومة بتدفقات سنوية لا تقل عن 3.5 مليار جنيه من حصيلة مبيعات الأراضي.
التحول الاستراتيجي الأبرز الذي نكشف عنه في هذا الحوار هو «الانفتاح نحو القطاع الخاص»، فالصندوق لم يعد يكتفي بدور المٌنفذ عبر شركات المقاولات الخاصة، بل يفتح الباب لـ 20 مطورًا عقاريًا عبر تجربة أولية على مساحة (200-250) فدان ، هذه الخطوة تهدف لإنتاج 10 آلاف وحدة سكنية بنموذج اقتصادي مبتكر، يسمح للمطور بهامش ربح عبر أنشطة تجارية ووحدات لشرائح أعلى، مقابل الالتزام بالسقف السعري الذي يحدده الصندوق والبالغ 850 ألف جنيه لوحدة محدودي الدخل.
إننا أمام مؤسسة تدير «محفظة بشرية» قوامها 2.4 مليون متقدم، وتخطط لمليون وحدة أخرى ، مع الانتقال نحو «الإسكان الأخضر» بـ 50 ألف وحدة سكنية جديدة لمواكبة معايير الاستدامة البيئية.
في الحوار التالي، نغوص في تفاصيل «المطبخ التمويلي» والإنشائي، ونكشف عن ملامح الطروحات القادمة وشروطها المالية لعام 2026.
بالنظر إلى النجاح اللافت في إدارة ملف الإسكان الاجتماعي، ما هي المحطات المهنية والأكاديمية التي صقلت خبراتكم في التعامل مع منظومة تمويلية ومجتمعية بهذه الأهمية وهذا التعقيد؟
أشعر دائمًا بالفخر لتكليفي بإدارة هذا البرنامج منذ عام 2010 وحتى الآن، لأنه يمثل مشروعًا وطنيًا يخدم ملايين المواطنين، ، لذلك يعتقد البعض أنني مهندسة بحكم عملي في ملف الإسكان، لكن في الحقيقة تخصصي الدراسي ليس في الهندسة، كما أنني لم أتجه للعمل في المجال السياسي رغم دراستي له بل قادتني الظروف المهنية إلى العمل في القطاع المصرفي، وهو ما كان له تأثير كبير في تشكيل خبرتي في مجال التمويل.
أنا تخرجت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في قسم العلوم السياسية، وبدأت مسيرتي المهنية بعد التخرج مباشرة في بنك «كريدي ليونيه» وهو بنك فرنسي حكومي كان يعمل في مصر آنذاك قبل أن يندمج لاحقًا في بنك «كريدي أجريكول»، وعملت فيه لمدة 3 سنوات اكتسبت خلالها خبرة مهمة في العمل المصرفي، وبعد ذلك انتقلت إلى بنك «أمريكان إكسبرس» حيث قضيت نحو 11 عامًا وكانت تلك الفترة محطة أساسية في تكوين خبرتي في المجال المالي والمصرفي.
وفي عام 2005 اتخذت خطوة مهنية مختلفة تمامًا عندما انتقلت إلى العمل في هيئة التمويل العقاري والتي كانت قد أُنشئت حديثًا في ذلك الوقت، وكان الهدف من تأسيس الهيئة هو تنظيم سوق التمويل العقاري في مصر بعد صدور قانون التمويل العقاري عام 2001 لكن الحقيقة أن السوق في تلك المرحلة كان لا يزال في بداياته بل يمكن القول إنه لم يكن هناك سوق فعلي بالمعنى الكامل، وهو ما جعل المهمة الأساسية أمامنا آنذاك هي بناء هذا السوق من الأساس.
وخلال تلك الفترة عملنا على معالجة عدد كبير من التحديات التنظيمية والتشريعية، فكان علينا تشجيع تأسيس شركات التمويل العقاري، والعمل مع أجهزة الدولة والمدن الجديدة لتفعيل منظومة الرهن العقاري والتنسيق مع البنوك والبنك المركزي لوضع الأسس اللازمة لتمويل طويل الأجل في هذا القطاع، وكان الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار في ذلك الوقت يرى أن التمويل العقاري منتج مصرفي في الأساس، وبالتالي يحتاج إلى خبرات مصرفية للعمل على تطويره.
ومن بين الخطوات المهمة التي قمنا بها في تلك المرحلة تأسيس الشركة المصرية لإعادة التمويل العقاري بالتعاون مع البنك المركزي المصري في عام 2006، وذلك بهدف إنشاء سوق ثانوية للتمويل العقاري لأن هذا النوع من التمويل يعتمد على آجال طويلة تصل إلى 20 عامًا، وبالتالي كان من الضروري وجود جهة تعيد تمويل الشركات العاملة في هذا المجال، كما عملنا بالتنسيق مع وزارة العدل المصرية ومصلحة الشهر العقاري لوضع نماذج موحدة لعقود التمويل العقاري وتنظيم عملية تسجيلها.
واستمر العمل في هذه المرحلة نحو 5 سنوات ركزنا خلالها على وضع النواة الأساسية لسوق التمويل العقاري في مصر، وهو سوق كان لا يزال محدود الحجم في ذلك الوقت، وبعد هذه المرحلة انتقلت إلى العمل في صندوق ضمان ودعم نشاط التمويل العقاري، وهو الصندوق الذي كان يختص بدعم محدودي الدخل للحصول على التمويل العقاري.
كان دور الصندوق آنذاك يتركز في تقديم الدعم المالي للمواطنين وليس بناء الوحدات السكنية حيث كنا نتعاون مع شركات القطاع الخاص لتوفير الوحدات بينما يقوم الصندوق بدعم الفائدة أو جزء من الأقساط، وفي تلك الفترة كان عدد شركات التمويــــل العقاري لا يتجاوز 6 أو 7 شركات فقط، وكان الصندوق يقدم دعمًا للفائدة بنحو 1.5 % في بعض البرامج، بحيث يتم تخفيض تكلفة التمويل على المواطنين المستفيدين من البرنامج القومي للإسكان الذي كان يقدم وحدات بمساحة نحو 63 مترًا.
وقد نجحنا في تلك المرحلة في دعم تمويل ما يقرب من 60 ألف وحدة سكنية بالتنسيق مع البنوك العامة وبعض الجهات التمويلية، حيث كانت البنوك المتخصصة مثل البنك العقاري المصري العربي من بين المؤسسات القليلة التي كانت تقدم هذا النوع من التمويل في تلك الفترة.
وفي عام 2010، ومع تطور رؤية الدولة لقطاع الإسكان، تم تكليفي بإدارة صندوق ضمان ودعم التمويل العقاري، في إطار خطة أوسع لتطوير المنظومة المؤسسية للتمويل العقاري في مصر وفي هذا السياق تم التوصل إلى اتفاق مع البنك الدولي للحصول على تمويل قدره 300 مليون دولار لدعم برامج التمويل العقاري لمحدودي الدخل.
وبالفعل تم توقيع بروتوكول تعاون بين وزير الاستثمار ومحافظ البنك المركزي المصري ووزير الإسكان آنذاك المهندس أحمد المغربي بهدف دعم الفائدة لعملاء البرنامج القومي للإسكان، وقد أتاح هذا التمويل تقديم أنواع متعددة من الدعم للمستفيدين سواء من خلال دعم الفائدة أو تقديم دعم نقدي مباشر للمقدم أو للأقساط الشهرية.
كما حصلت الشركة المصرية لإعادة التمويل العقاري لاحقًا على تمويل إضافي بنحو 214 مليون جنيه لدعم قدرتها على إعادة تمويل شركات التمويل العقاري، بما يسمح لها بتقديم قروض تمتد لمدد طويلة تصل إلى 20 عامًا.
كانت تلك المرحلة بمثابة البداية الحقيقية لبناء منظومة مؤسسية متكاملة لدعم التمويل العقاري في مصر، حيث عملنا على إنشاء الهيكل الإداري للصندوق، وتطوير أنظمة العمل والحوكمة والرقابة، وبناء نظم معلومات حديثة، حتى يصبح لدينا كيان قادر على تنفيذ برامج الإسكان المدعوم بكفاءة، ووضع خطط سنوية واضحة لدعم المواطنين محدودي ومتوسطي الدخل في الحصول على سكن مناسب.
بعد تدشين الأطر المؤسسية للتمويل العقاري كيف انتقلتم للشق التنفيذي ومواجهة التحديات الكثيرة ومنها ارتفاع الفائدة في تلك الفترة الانتقالية؟
قطاع الإسكان مر بفترة صعبة عقب أحداث عام 2011، حيث مرت 3 أعوام تقريبا دون حركة بناء حقيقية أو برامج نشطة يمكن البناء عليها، وعندما تولى المهندس إبراهيم محلب مسؤولية وزارة الإسكان في 2013، عرضت عليه فكرة إعادة تنشيط البرنامج، خاصة أننا كنا نمتلك بالفعل تمويلاً من البنك الدولي يمكن أن نستخدمه لإطلاق برنامج حقيقي لدعم الإسكان لمحدودي الدخل.
وكان التحدي الأكبر وقتها أن أسعار الفائدة في السوق كانت قد ارتفعت إلى مستويات تقارب 18 % وهو رقم مرتفع للغاية بالنسبة لمحدودي الدخل، لذلك بدأنا التفكير في التعاون مع البنك المركزي المصري لإطلاق مبادرة تمويل عقاري تخفف العبء عن المواطنين وتدعم البنوك في الوقت نفسه، وبالفعل تم التنسيق مع محافظ البنك المركزي وقتها الأستاذ هشام رامز، واتفقنا على إطلاق مبادرة يتيح من خلالها البنك المركزي للبنوك تمويلات بقيمة 20 مليار جنيه بفائدة منخفضة وثابتة لمدة تصل إلى 20 عامًا.
وكان البنك المركزي يمنح البنوك هذه التمويلات بفائدة تبلغ نحو 2.5 %، بينما تقوم البنوك بإقراض المواطنين بفائدة 7 % ثابتة لمدة 20 عامًا، وفي ذلك الوقت كانت الفائدة في السوق تقارب %13، وبالتالي كان البنك المركزي يتحمل فارق الفائدة، وفي الوقت نفسه يضمن للبنوك هامش ربح مناسب يشجعها على الدخول في المبادرة.
بدأ تنفيذ المبادرة فعليًا في عام 2014، بالتزامن مع تولي الدكتور مصطفى مدبولي مسؤولية وزارة الإسكان، وفي هذه المرحلة بدأت الوزارة في توفير وحدات سكنية جاهزة يمكن طرحها ضمن البرنامج، وكانت هذه الوحدات في البداية وحدات تنفذها الوزارة نفسها وليست من خلال المطورين العقاريين، إذ كانت هناك مشروعات بدأ تنفيذها بالفعل منذ عام 2012 في عدد من المحافظات وبعض المدن الجديدة لكنها لم تكن قد سُلّمت بعد.
وفي عام 2014 وقعنا أول اتفاقيات مع أربعة بنوك حكومية للمشاركة في المبادرة، وهي البنك الأهلي المصري وبنك مصر وبنك القاهرة وبنك التعمير والإسكان، وكانت هذه البنوك أول من بادر بالعمل معنا وبدأنا معها معالجة التحديات التي ظهرت في بداية التنفيذ.
والطرح الأول للوحدات في عام 2014 كان يقارب 20 ألف وحدة سكنية تقريبًا، وكانت مساحة الوحدة نحو 90 مترًا مكونة من 3 غرف وكان سعر الوحدة في ذلك الوقت حوالي 135 ألف جنيه، وكان نظام التمويل يعتمد على دفع مقدم بنسبة 15 % من قيمة الوحدة، بينما يتم تقسيط باقي المبلغ على مدار 20 عامًا بفائدة ثابتة 7 % ضمن مبادرة البنك المركزي.
فالبداية لم تكن سهلة، لأن عددًا من البنوك كان متحفظًا في البداية على التعامل مع شريحة محدودي الدخل، خاصة أن هذه الفئة لم يكن لها تاريخ طويل في التعامل مع التمويل العقاري، وبالتالي كان هناك قدر من القلق لدى بعض المؤسسات المصرفية.
لكننا عملنا بشكل مكثف مع البنوك لتذليل هذه العقبات وكنا نعقد اجتماعات دورية بشكل أسبوعي أو كل أسبوعين مع جميع البنوك المشاركة لمناقشة أي تحديات تظهر في التطبيق والعمل على حلها فورًا، وهذا التواصل المستمر ساعد على بناء الثقة بين جميع الأطراف، وبدأت المنظومة تتحرك تدريجيًا وتحقق نتائج ملموسة.
ففي البداية كان البرنامج يستهدف شريحة محدودي الدخل فقط، وكان الحد الأقصى للدخل عند إطلاق المبادرة يدور حول 2500 جنيه شهريًا تقريبًا، ومع مرور الوقت وتوسع البرنامج بدأنا نطور المنظومة ونوسع نطاقها تدريجيًا لتشمل شرائح أكبر من المواطنين، وهو ما ساهم في ترسيخ التمويل العقاري كأداة أساسية لتمكين المواطنين من الحصول على سكن مناسب.
مع تبني القيادة السياسية لملف الإسكان الاجتماعي كأولوية قصوى، كيف تم إعادة هيكلة الأهداف الرقمية والزمنية للبرنامج؟
بعد تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة الدولة، كان هناك توجه واضح لإطلاق برنامج وطني واسع يضمن توفير سكن ملائم لكل مواطن من محدودي الدخل تنطبق عليه الشروط، وفي تلك المرحلة أصبح الهدف واضحًا ومحددًا، وهو أن يحصل كل مواطن مستحق على وحدة سكنية مناسبة من خلال برنامج منظم ومستدام.
وبناءًا على ذلك كان مطلوبًا منا في الصندوق أن نضع إطارًا واضحًا للبرنامج سواء من حيث تحديد شروط الاستحقاق أو آليات التنفيذ، وكذلك وضع خطة سنوية تحدد عدد الوحدات التي سيتم تنفيذها وتسليمها كل عام، وفي تلك الفترة أُطلق البرنامج تحت اسم «برنامج المليون وحدة سكنية» في عام 2014، وكان الهدف هو تنفيذ مليون وحدة لمحدودي الدخل.
وبدأنا العمل وفق خطة واضحة تعتمد على تنفيذ عدد محدد من الوحدات سنويًا، بحيث يتم الحفاظ على وتيرة ثابتة في التنفيذ والتسليم، وبالفعل تم تنفيذ البرنامج على مدار 10 سنوات تقريبًا بمعدل يقارب 100 ألف وحدة سكنية سنويًا.
وهذه الوحدات تم تنفيذها بالكامل من خلال منظومة صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري بالتعاون مع الجهات المختلفة سواء من حيث التمويل أو تنفيذ المشروعات أو تسليم الوحدات للمستفيدين، وهو ما ساهم في بناء واحدة من أكبر برامج الإسكان الاجتماعي في العالم واستطاع أن يوفر السكن لمئات الآلاف من الأسر من محدودي الدخل.
ما هي الآليات المالية التي تضمن للصندوق استمرارية الإنشاءات رغم التحديات الاقتصادية وكيف تطورتم نماذج طرح الوحدات؟
آلية التمويل في البرنامج تعتمد بدرجة كبيرة على الموارد التي نحصل عليها من منظومة التمويل العقاري نفسها خاصة من الأقساط والمدفوعات الخاصة بالعملاء الذين حصلوا على الوحدات في المراحل الأولى من البرنامج، فهذه التدفقات المالية يتم إعادة توجيهها لتمويل إنشاء وحدات جديدة، بحيث تصبح المنظومة قادرة على الاستمرار بشكل متجدد من خلال دورة مالية متكاملة.
ونحن نعمل وفق برنامج زمني واضح للتنفيذ، بحيث يتم التخطيط لإنشاء الوحدات وتسليمها بعد نحو 3 سنوات من بدء التنفيذ، وفي السنوات الأولى من البرنامج كان لدينا بالفعل عدد من الوحدات الجاهزة التي بدأ تنفيذها منذ عام 2012، ولذلك بدأنا بطرح هذه الوحدات الجاهزة للمواطنين، ثم بعد ذلك انتقلنا تدريجيًا إلى نماذج أخرى من الطرح تتناسب أكثر مع قدرات المواطنين.
ومع مرور الوقت لاحظنا وجود شكاوى متكررة من بعض المواطنين بسبب صعوبة سداد مقدم الوحدة دفعة واحدة لذلك بدأنا تطوير آلية الطرح بحيث نتيح للعميل تقسيط المقدم على فترة زمنية محددة، وهو ما ساعد على تخفيف العبء المالي عن المتقدمين.
وأصبح لدينا أكثر من نموذج للطرح، فهناك وحدات للتسليم الفوري إلى جانب وحدات أخرى يتم طرحها بنظام تقسيط المقدم على 3 سنوات قبل الاستلام، ثم بعد الاستلام يحصل العميل على تمويل عقاري لتقسيط باقي ثمن الوحدة على المدى الطويل، وبهذه الطريقة يصبح إجمالي مدة السداد بالنسبة للعميل ممتدة لما يقرب من 23 عامًا، وهو ما يحقق قدرًا كبيرًا من المرونة ويساعد شريحة أكبر من المواطنين على الاستفادة من البرنامج.
في ظل التحديات الاقتصادية الحالية ومنها «التضخم»، كم يبلغ السعر الحالي للوحدة، وكيف واكبت الدولة ذلك بزيادة الدعم النقدي؟
وصل سعر الوحدة في آخر إعلان للوحدات السكنية الموجهة لمحدودي الدخل إلى نحو 850 ألف جنيه، وبالتوازي مع ارتفاع تكلفة تنفيذ الوحدات خلال السنوات الماضية، عملت الدولة على زيادة قيمة الدعم المقدم للمواطنين حتى يظل البرنامج قادرًا على خدمة الفئات المستهدفة.
وفي بداية البرنامج كان الدعم المقدم للمواطن يبلغ نحو 25 ألف جنيه فقط، لكن مع تطور البرنامج وارتفاع أسعار التنفيذ ارتفعت قيمة الدعم بشكل كبير، واليوم يصل الحد الأقصى للدعم إلى نحو 180 ألف جنيه يتم خصمها مباشرة من سعر الوحدة، أي أن المواطن يستفيد من هذا المبلغ كدعم مباشر يقلل القيمة الفعلية التي يتحملها من ثمن الوحدة.
إلى جانب ذلك، ما زالت الدولة تقدم دعمًا مهمًا آخر يتمثل في دعم سعر الفائدة على التمويل العقاري، فالفائدة المطبقة على المواطنين تبلغ 8 % ثابتة طوال مدة التمويل التي قد تصل إلى 20 عامًا بينما تتحمل وزارة المالية المصرية فارق الفائدة، وهو ما يضمن استمرار المبادرة ويجعل الأقساط الشهرية في حدود مناسبة لقدرات محدودي الدخل.
كيف تصفين تطور علاقة الصندوق بالقطاع المصرفي من المحدودية والحذر إلى الشراكة الكاملة بـ 22 بنكاً؟
مبادرة التمويل العقاري التي أطلقها البنك المركزي المصري بقيمة 20 مليار جنيه انتهت فعليًا في عام 2019 بعد أن تم توظيف كامل المبلغ المخصص لها بالتعاون مع البنوك المشاركة في المبادرة، وخلال تلك الفترة كان هناك تطورًا ملحوظًا في عدد البنوك التي انضمت إلى البرنامج.
ففي البداية كانت مشاركة البنوك محدودة، حيث بدأنا العمل مع 4 بنوك فقط ثم توسعت المشاركة تدريجيًا حتى وصل العدد في تلك المرحلة إلى أكثر من 12 بنكًا، أما اليوم وفي عام 2026 فقد ارتفع عدد البنوك المشاركة في البرنامج إلى نحو 22 بنكاً و8 شركات تمويل عقاري، وهو ما يعكس تطور ثقة القطاع المصرفي في منظومة التمويل العقاري الخاصة بالإسكان الاجتماعي.
وفي السنوات الأولى كانت هناك حالة من التردد لدى بعض البنوك في التعامل مع هذا النوع من العملاء، لأن شريحة محدودي الدخل لم تكن لديها خبرة سابقة في التعامل مع النظام المصرفي، كما كانت هناك مخاوف لدى بعض المؤسسات المصرفية تتعلق بمدى استقرار الوظائف الخاصة بالمستفيدين وإمكانية التعامل مع حالات التعثر.
لكن مع مرور الوقت، ومع نجاح التجربة على أرض الواقع وتطور آليات العمل داخل صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، أصبحت الصورة أكثر وضوحًا بالنسبة للبنوك، فالصندوق يحصل على مستحقاته بمجرد جاهزية الوحدة وتسليمها، بينما تتولى البنوك إدارة منظومة التمويل مع العملاء وهو ما عزز ثقة المؤسسات المصرفية في البرنامج، واليوم أصبح البرنامج قويًا ومؤسسيًا، وهناك بنوك عديدة تبدي رغبتها في المشاركة والتعامل ضمن منظومة التمويل العقاري للإسكان الاجتماعي.
بالحديث عن الشمول المالي، ما هي النسبة المئوية للعملاء الذين دخلوا النظام البنكي لأول مرة عبر الصندوق؟
برنامج الإسكان الاجتماعي لعب دورًا مهمًا في دعم الشمول المالي من خلال منظومة التمويل العقاري، فعند تحليل بيانات المتقدمين للحصول على الوحدات السكنية تبين أن نحو 65 % من المواطنين الذين تقدموا للاستفادة من البرنامج لم يكن لديهم أي تعاملات مصرفية سابقة قبل دخولهم هذه المنظومة.
وهذا يعني أن البرنامج لم يقتصر دوره على توفير وحدات سكنية فقط بل ساهم أيضًا في إدخال شريحة واسعة من المواطنين إلى القطاع المصرفي للمرة الأولى، فعند حصول المواطن على تمويل عقاري يصبح لديه حساب بنكي ويتعامل مع البنك بصورة منتظمة لسداد الأقساط الشهرية، وهو ما يعزز اندماجه في النظام المالي الرسمي.
ومن هنا يمكن القول إن منظومة صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري لم تحقق فقط هدف توفير السكن الملائم لمحدودي الدخل بل ساهمت كذلك في توسيع قاعدة المتعاملين مع البنوك وتعزيز مفهوم الشمول المالي، وهو أحد الأهداف الاقتصادية المهمة التي تعمل الدولة على تحقيقها بالتعاون مع المؤسسات المصرفية وعلى رأسها البنك المركزي المصري.
مع بلوغنا عام 2026، ما هي الملامح العريضة لخطة «المليون وحدة الثانية»؟
لا يتوقف العمل داخل الصندوق عند مرحلة أو برنامج محدد، لأننا في الأساس لسنا مشروعًا مؤقتًا أو مبادرة محدودة بزمن معين، بل نحن كيان مؤسسي مستمر يهدف إلى تلبية احتياجات المواطنين من الوحدات السكنية خاصة شريحة محدودي ومتوسطي الدخل.
وفلسفة عمل صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري تقوم على الاستمرارية، أي أننا نعمل بشكل دائم على توفير وحدات سكنية جديدة وفق احتياجات السوق وحجم الطلب الفعلي من المواطنين، مع تطوير آليات التمويل والدعم بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية.
وخلال المرحلة المقبلة لدينا خطة طموحة للاستمرار في تنفيذ البرنامج، حيث نستهدف العمل على توفير نحو مليون وحدة سكنية إضافية، بما يضمن استمرار إتاحة السكن الملائم للمواطنين الذين تنطبق عليهم الشروط، ويعزز في الوقت نفسه دور الدولة في دعم الاستقرار الاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة.
هل هناك جدول زمني ثابت للطروحات السنوية، وما هي أرقام طرح عام 2025؟
نحرص داخل الصندوق على طرح إعلانات بشكل منتظم كل عام لتلبية الطلب المتزايد على وحدات الإسكان الاجتماعي وعادة ما نقوم بطرح إعلان واحد أو إعلانين سنويًا، على ألا يقل إجمالي عدد الوحدات المطروحة عن 100 ألف وحدة سكنية سنويًا مخصصة لشريحة محدودي الدخل.
وخلال عام 2025 استمر العمل وفق هذا النهج، حيث تم طرح ثلاثة إعلانات رئيسية وهي سكن لكل المصريين 6، وسكن لكل المصريين 7 والذي تضمن عددًا من كراسات الشروط بالإضافة إلى سكن لكل المصريين8، وتم طرح 130.9 ألف وحدة سكنية، بينما تقدم 194.8 ألف مواطن، واعتمدنا على نفس الإطار العام للبرنامج سواء من حيث الأسعار أو آليات التمويل والدعم، وقد بلغ سعر الوحدة نحو 850 ألف جنيه في آخر طرح مع استمرار تقديم دعم مباشر للمواطن يصل إلى 180 ألف جنيه كحد أقصى يتم خصمه من سعر الوحدة ودعم غير مباشر يتمثل في دعم سعر الأرض وكذلك إيصال المرافق، حيث تتكفل الدولة بهذه المبالغ كاملة عن المواطن لدعم سعر الوحدة السكنية المقدمة له.
كما يستفيد المواطنون من منظومة التمويل العقاري بفائدة مدعومة تبلغ 8 % ثابتة طوال مدة التمويل، وهو ما يتيح سداد قيمة الوحدة على فترات زمنية طويلة بأقساط مناسبة لقدرات محدودي الدخل، في إطار البرنامج الذي يديره صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص.
أثيرت تساؤلات حول مواعيد تسليم إعلان «سكن لكل المصريين 1»، أين تقفون في هذا الملف حالياً؟
لم نشهد تأخيرات كبيرة في وحدات محدودي الدخل باستثناء إعلان واحد فقط جاء في ظروف استثنائية وهو إعلان 2021 المعروف باسم «سكن لكل المصريين 1»، فهذا التأخير جاء نتيجة جائحة كورونا والإجراءات الاحترازية المصاحبة لها، مما أدى إلى تأجيل التسليم لمدة نحو سنة ونصف.
لكننا حاليًا في مرحلة الإنهاء، فقد تم استكمال تسليم أكثر من 60 % من هذا الإعلان، والباقي ما زلنا نتابع مع المستفيدين مباشرة لضمان استلامهم لوحداتهم بالكامل خلال العام الجاري 2026.
كيف تتم إدارة الفائض في أعداد المتقدمين الذي يفوق سقف الـ 100 ألف وحدة سنوياً؟
نحن نقوم بإرسال رسائل لجميع المتقدمين للحصول على وحدة سكنية بموقفهم النهائي ضمن الإعلان الذي تقدموا خلاله، ونطلب منهم سحب مبلغ مقدم جدية الحجز من مكاتب البريد، على أن تكون لهم الأولوية في حال تقدمهم للحصول على وحدة سكنية في الإعلان التالي، وفي بعض الإعلانات، كما حدث في إعلان «سكن لكل المصريين7» نخصص عدد من الوحدات المطروحة للمواطنين السابق تقدمهم في إعلان سابق ولا يمكن لغيرهم التقدم للحصول على تلك الوحدات.
هل طرأت تغييرات على التعريف المالي لـ «محدودي الدخل» والحدود القصوى للأجور؟
حالياً، وصل الحد الأقصى لمحدودي الدخل إلى 15 ألف جنيه للأعزب و19 ألف جنيه للأسرة، فيما تم تحديد الحد الأدنى بـ 4 آلاف جنيه، ونحن نراجع هذه الحدود بشكل دوري ومستمر لضمان ملاءمتها للمتغيرات الاقتصادية الحالية.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحدود كانت سابقاً أعلى، حيث كان الحد الأدنى 5 آلاف جنيه، وبالتالي نعمل الآن على تحديث المعايير بما يتوافق مع الظروف الاقتصادية الحالية.
ما هو حجم تداخل الصندوق مع مشروعات «جنة» و»دار مصر» المخصصة لمتوسطي الدخل؟
نعمل في الصندوق مع شريحة متوسط الدخل، لكن أعدادهم أقل بكثير مقارنة بمحدودي الدخل، وبالنسبة للمشروعات التي تنفذها الوزارة مثل «جنة» و»دار مصر» وغيرها التابعة لهيئة المجتمعات العمرانية، يقتصر دورنا غالبًا على التسويق والتنسيق، وتقديم خدمات التمويل العقاري فقط للشريحة التي نستطيع تغطيتها خصوصًا أننا لدينا علاقات قوية مع البنوك لتسهيل عمليات التمويل.
كيف تصفين دوركم الرقابي والفني في عملية الإنشاء والتصميم بالتعاون مع المكاتب الاستشارية؟
نتعاون مع مهندسين استشاريين لكن بطريقة تشاركية حيث قام الصندوق بإنابة هيئة المجتمعات العمرانية لإجراء عمليات الطرح والإسناد للمقاولين وتعيين المهندسين الاستشاريين نيابة عنهم، فنحن نشارك معهم من خلال اللجان المعنية بتحديد مواقع الأراضي، وإعداد كراسات الشروط، ووضع الاشتراطات، والتصميم العام للوحدة والتشطيبات، لضمان جودة التنفيذ والتوافق مع أهداف الصندوق.
ما هي فلسفة الصندوق في إدارة مرحلة «ما بعد التسليم» والحفاظ على جودة المشروعات؟
لدينا شركة صيانة تأسست بالتعاون بين الصندوق وهيئة المجتمعات العمرانية، وتعمل على ضمان نظافة وصيانة المشروعات التي تم تسليمها للمواطنين، بما يضمن استدامتها.
كما نحرص على ضمان جودة الأعمال، فحين يتسلم العميل الوحدة وإذا وجد أي قصور في التشطيبات الداخلية، يمكنه عدم الاستلام مباشرة وتقديم شكوى عبر موقع الشكاوى الخاص بالصندوق، فالمقاول يكون ملزمًا بالضمان لمدة سنة، وهذا يضمن حقوق العميل ويحفز المقاولين على الالتزام بمعايير الجودة قبل التسليم.
هل هناك رصد لحالات تعثر ائتماني بين المستفيدين، وكيف تقيمون المخاطر الحالية؟
الصندوق لا يتولى تقسيط العملاء مباشرة، فعملية الأقساط تتم بالكامل عبر البنوك المشاركة في البرنامج، وبفضل ذلك لا توجد لدينا حالات تعثر تُذكر، مما يعكس التزام العملاء وإجراءات البنوك الفعالة في إدارة الأقساط.
هذا الوضع يشجع البنوك على التوسع في التعامل مع الصندوق، وهناك أيضًا عدد من البنوك الجديدة التي أبدت رغبتها في الانضمام والمشاركة في برنامج التمويل العقاري.
ما هي المصادر التمويلية التي تشكل «رأس مال» الصندوق وتضمن استدامته المالية؟
رأس المال الفعلي للصندوق يبدأ من الوحدات التي حصلنا عليها في البداية من وزارة الإسكان، وهي أولى المجموعات التي بدأنا بها، كما نتلقى من هيئة المجتمعات العمرانية نسبة 10 % من إيرادات بيعها سنويًا، بحد أدنى 3.67 مليار جنيه سنويًا، ويشكل أساسًا متينًا لدعم برامج التمويل العقاري والمبادرات.
لجأ الصندوق للاقتراض البنكي لتمويل التوسعات أين وصل حجم القروض وما هي آلية السداد؟
الصندوق حصل على موافقة عدد 11 بنك لمنحه تمويل مشترك بقيمة 50 مليار جنيه، سحبنا منهم 20 مليار جنيه فقط حتى تاريخه، تم سداد نحو 4 مليارات جنيه منها حتى الآن، والفائدة على هذه القروض تسددها وزارة المالية بالكامل كجزء من الدعم المخصص للمواطنين المستفيدين ضمن الحزمة الاجتماعية، مما يتيح للصندوق الاستمرار في تنفيذ برامج التمويل العقاري والوحدات السكنية لمحدودي الدخل دون أعباء مالية مباشرة من جانب الصندوق نفسه.
ماذا عن شريحة «الطبقة المتوسطة»؟ هل سيتم زيادة حصتها من الوحدات في المستقبل؟
بالطبع، نحن لا نقتصر على دعم محدودي الدخل فقط بل حرصنا على تلبية احتياجات شريحة الطبقة المتوسطة أيضًا فقد قام الصندوق بتنفيذ برامج سكنية خاصة بهذه الفئة حيث تم توفير حوالي 30 ألف وحدة إسكان لمتوسطي الدخل.
وهذا التوسع يعكس حرصنا على تقديم حلول تمويلية متكاملة وشاملة، تتيح للمتوسطين الحصول على وحدات سكنية مناسبة بأسعار وفوائد معقولة، بما يسهم في تعزيز الشمول المالي وتوفير فرص امتلاك مسكن لقاعدة أكبر من المواطنين.
ما هو سقف الأسعار الحالي لوحدات متوسطي الدخل، وما هي الضوابط المالية لتمويلها؟
عند إطلاق برامج الإسكان المتوسط عام 2020 تراوحت أسعار الوحدات بين 500 ألف و600 ألف جنيه للوحدات التي تتراوح مساحتها بين 100-120 متر، وبعض المشروعات لم تُطرح بعد بشكل كامل، أما آخر طرح للصندوق فقد كان في الغردقة وصل سعر الوحدة الأعلى إلى 1.7 مليون جنيه مع وجود وحدات بأسعار أقل بالطبع لتناسب قدرات الفئات المختلفة ضمن الشريحة.
وبالنسبة للحدود الدخلية، تستهدف هذه الشريحة الأشخاص من ذوي الدخل المتوسط، حيث يبلغ الحد الأقصى للدخل للأعزب حوالي 25 ألف جنيه شهريًا ولللأسرة يصل إلى 30 ألف جنيه، مع مراعاة التوازن بين القدرة الشرائية وحجم الوحدات المقدمة بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من المواطنين.
هل تختلف بنية الدعم (النقدي والفائدة) في شريحة متوسطي الدخل عنها في محدودي الدخل؟
شريحة متوسط الدخل فهي لا تحصل على دعم نقدي كما هو الحال مع محدودي الدخل، وإنما يتم توفير دعم الفائدة فقط، فحاليًا يبلغ معدل الفائدة المدعومة 12 % لفترة تمتد إلى 20 سنة، مع مراعاة ألا يتجاوز القسط الشهري 40 % من صافي الدخل الذي يستلمه المستفيد بعد كافة الاستقطاعات، وهذا النظام يتيح للمستفيدين القدرة على التخطيط المالي بشكل أفضل ويوازن بين دعم الدولة وتحمل الأسرة للالتزامات الشهرية بما يحقق استدامة البرنامج.
كيف تتم مراجعة «تعريفات الدخل» لضمان عدم استبعاد الفئات المستحقة؟
التعريفات يتم تحديدها بناءًا على مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، منها الحد الأدنى للأجور ومعدلات التضخم والتقسيمات العشرية لمستويات الدخل، لكن الأهم بالنسبة لنا هو ضمان أن الشريحة المستهدفة لم تستبعد، فنحن نركز على محدودي الدخل أولًا باعتبارهم الفئة الأكثر احتياجًا لرعاية الدولة، لذلك عند الحاجة يتم تعديل الدعم بحيث يغطي الفجوات مثلما حدث عندما ارتفع سعر الوحدة، حيث زادت قيمة الدعم النقدي من 25 ألف جنيه عند بداية البرنامج إلى 180 ألف جنيه حاليًا ويُخصم هذا الدعم مباشرة من سعر الوحدة لتخفيف العبء المالي على الأسر الأقل دخلًا.
هل هناك توجه لرفع حدود الدخل القصوى لمواكبة المتغيرات الاقتصادية الأخيرة؟
بالفعل اعتمد مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة قرار رفع حدود شريحة محدودي الدخل والمتوسط بما يتناسب مع التطورات الاقتصادية الحالية، فعلى سبيل المثال الحد الأقصى لمحدودي الدخل تم رفعه من 15 ألف جنيه إلى 19 ألف جنيه للأسرة، بينما أصبح الحد الأقصى للدخل الشهري للأعزب 15 ألف جنيه بدلًا من 12 ألف جنيه، وعلى جانب شريحة المتوسط فقد تم رفعها ليصبح الحد الأقصى للدخل الشهري للأعزب 25 ألف جنيه و30 ألف جنيه للأسرة، بما يتيح لشريحة أوسع من المواطنين الاستفادة من برامج التمويل العقاري والدعم الفوائد مع الحفاظ على العدالة والاستدامة في تخصيص الموارد.
هل يمتلك الصندوق مرونة في موازنة الموارد عند استيعاب قاعدة جماهيرية أوسع؟
بالطبع، نحن نركز أولًا على محدودي الدخل لأنهم الأكثر احتياجًا للدعم، وهذا يمثل الرسالة الأساسية للصندوق، وهو الهدف الرئيسي من برامجنا فبالنسبة لشريحة المتوسط فهي مخصصة لتلبية احتياجات الفئات التي تقع فوق محدودي الدخل ولكن ليس بنفس الحجم أو العدد الذي نقدمه للمحدود وذلك لضمان استدامة الدعم وجودة الخدمات بذلك نغطي كافة شرائح الدخل التي تحتاج إلى مساندات مع الحفاظ على قدرة الصندوق على متابعة الطلبات وتنفيذ البرامج بكفاءة دون الضغط على الموارد المتاحة.
ما هي الحصة النسبية لمساهمة الصندوق في إجمالي الإسكان الحكومي المنفذ، وكيف يتم تنظيم ملكية الأراضي؟
وزارة الإسكان أنجزت نحو 2 مليون وحدة سكنية، ونحن كصندوق ساهمنا بحوالي مليون وسبعين ألف وحدة سكنية أي ما يعادل نحو 55 % من إجمالي الإسكان الحكومي المنفذ خلال السنوات الماضية.
وبالنسبة لإدارة الوحدات، تظل ملكيتها للصندوق حتى مرحلة بيعها النهائي للعميل والحصول على قيمة التمويل العقاري من جهة التمويل، سواء كانت الوحدات مخصصة لمحدودي الدخل أو لشريحة المتوسط، وتمويل وإنشاء الوحدات السكنية فتتم إدارته بالكامل من قبل الصندوق، والأرض نتحصل عليها بلا مقابل مما يتيح لنا تقديم وحدات بأسعار مناسبة مع الحفاظ على استدامة البرنامج وكفاءة استخدام الموارد.
كم تبلغ التكلفة الإجمالية للدعم الذي يتحمله الصندوق لتصل الوحدة للمواطن بسعر ميسر؟
المنظومة كلها مدروسة بعناية، وأستطيع أن أقول إننا ندعم أكثر من 50 إلى 60 % من قيمة الوحدة للمستفيد النهائي، وهذا الدعم يشمل دعم الفائدة والدعم النقدي ودعم توصيل المرافق وثمن الأرض بخلاف أي تعويضات أو فروق أسعار مستحقة للمقاولين نتيجة زيادة التكلفة، وأحيانًا جزءًا من سعر الوحدة نفسه بما يضمن قدرة محدودي الدخل على تملك وحدات سكنية مناسبة دون أعباء مالية كبيرة، ويعكس التزام الصندوق بتحقيق الهدف الاجتماعي من البرنامج مع استدامة الموارد المتاحة.
كيف توظفون قوائم الانتظار «Waiting List» كأداة للتخطيط العمراني وضمان ثقة المطورين؟
لا توجد لدنيا قوائم انتظار بالمعنى المعروف، حيث نطلب من المواطنين سحب مقدم جدية الحجز الخاص بهم في حالة وجودهم خارج الأولوية في الإعلان الذي تقدموا عليه، مع منحهم أولوية في الإعلان التالي، وعلى الرغم من أننا نعمل على استيعاب أكبر قدر ممكن من المواطنين المتقدمين وفقًا للشروط، إلا أن الأعداد المتقدمة كبيرة للغاية.
وهذا يتيح لنا تخطيط الطرح السنوي بشكل دقيق وتوزيع الوحدات على المستحقين حسب الأولوية، كما ييسر على المطورين المشاركين في برامجنا ضمان البيع وتحقيق عائدات فعلية منذ البداية، لأن العملاء جاهزون ومستعدون للشراء بمجرد إعلان توفر الوحدات، بالاستعانة بقوائم العملاء من خارج الأولوية ويتيح ذلك منح الصندوق القدرة على ضبط العرض وفق الطلب الفعلي وتقليل المخاطر المرتبطة بالتسويق أو التأخر في المبيعات وتساعد في الحفاظ على استمرارية البرامج بشكل سلس ومنظم.
ما هي ملامح النموذج الجديد للتعاون مع القطاع الخاص، وكيف تم تجاوز «عقبات التكلفة» للمطور؟
نحن بصدد إطلاق مرحلة جديدة من التعاون مع القطاع الخاص ضمن المنظومة الحديثة لوحدات الإسكان الاجتماعي، والخطوات العملية لهذا التعاون بدأت منذ فترة عبر عقد نحو 20 ورشة عمل مع المطورين العقاريين لمناقشة آليات التنفيذ، ومراجعة المعايير، وضمان التوافق بين برامج الصندوق ومتطلبات السوق، وهذه الورش كانت ضرورية لضمان أن يكون كل مطور قادر على تلبية احتياجات المستفيدين مع الالتزام بالأسس المالية والفنية للصندوق، والآن جميع الاتفاقيات والإجراءات في طريقها للاعتماد الرسمي قريبًا.
والوحدة السكنية ضمن آخر طرح في الصندوق طٌرحت بتكلفة بلغت 850 ألف جنيه للوحدات التقليدية و900 ألف جنيه للإسكان الأخضر وهذه التكلفة لا تشمل توصيل المرافق الداخلية وتنسيق الموقع ولا أعباء التمويل، وهو سعر صعب على المطور الخاص أن يقدمه بنفس الشروط، حيث سيتحمل تكلفة شراء الأرض وتوصيل المرافق وتنسيق المشروع ودفع تكلفة تمويل للبنوك، لذلك قررنا وضع حدود سعرية وحوافز تضمن أن يكون التعاون ممكنًا دون الإخلال بالمعايير أو جودة التنفيذ، فعلى سبيل المثال بدل أن يقوم المطور بتنفيذ وحدات فاخرة كما كان معتادًا عند استلام أراضي كبيرة، سيتم تخصيص الجزء المخصص للوحدات الفاخرة لصالح أنشطة تجارية داخل المشروع لتعويض التكاليف المالية ما يتيح للمطور تنفيذ المشروع ضمن حدود سعرية مقبولة.
كما سيتم منح المطورين إمكانية تقديم وحدات متنوعة تستهدف شرائح أعلى من العملاء، بحيث يختار التصميم والموقع والمساحة وفق طلبات السوق، وبالتالي قد يصل سعر الوحدة لديهم إلى نحو 1.2 مليون جنيه، وسيكون البيع متضمن حصة في الأرض، وهذا يسمح بالمرونة مع الحفاظ على استدامة المشروع وجاذبيته الاقتصادية.
أما بالنسبة للأراضي، فسيتم توفيرها من خلال الهيئة في مواقع مميزة ضمن المدن الجديدة المتاحة للإسكان الاجتماعي مثل أكتوبر وحدائق العاصمة والعبور والعاشر من رمضان، مع تحديد سعر بيع المتر للمطورين وتكلفة توصيل المرافق والتي تتراوح بين 1200 و1300 جنيه للمتر، وهذه الآلية تضمن أن المطور الخاص يستطيع العمل ضمن مشروع مربح بينما يستفيد المواطن من وحدات عالية الجودة وبأسعار معقولة مقارنة بالسوق، وسيتم منح المشترين دعم نقدي مناسب لمستويات دخلهم بذات النظام المتبع مع عملاء الصندوق وكذا تمويل عقاري مدعوم بذات الشروط.
وبهذه الطريقة يخلق الصندوق نموذجًا متوازنًا للتعاون بين القطاع العام والخاص، يتيح توسيع نطاق الوحدات السكنية ويحفز مشاركة المطورين في برامج الإسكان الاجتماعي، مع الحفاظ على الرسالة الأساسية للصندوق، وهي توفير سكن مناسب لمحدودي ومتوسطي الدخل ضمن بيئة مدروسة ومستدامة.
في ظل التحول نحو «العمران التشاركي»، ما هي الحوافز الاقتصادية والمزايا التنافسية التي يقدمها الصندوق للمطور العقاري لضمان ربحية مشروعه ضمن فئة الإسكان الاجتماعي؟
المطور يحصل على عدة عناصر تضمن له تحقيق عائد واضح ومضمون من المشروع، أولًا الجزء التجاري المخصص له ضمن الأرض يُشكل تعويضًا ماليًا مباشرًا عن أي فروق تكلفة، ويتيح له استثمار جزء من المشروع بأنشطة تحقق ربحًا أعلى من الوحدات السكنية نفسها.
ثانيًا، نحن كصندوق نوفر له قاعدة جاهزة من العملاء أي أن الطلب مضمون بالفعل، فالعملاء خارج الأولوية ضمن برامجنا يمكن أن يتحولوا إلى مشترين للوحدات التي ينفذها المطور، وهذا يقلل المخاطر المرتبطة بالبيع ويجعل دورة المشروع أسرع وأكثر أمانًا، بمعنى آخر المطور لا يبدأ من الصفر بل يعمل ضمن منظومة متكاملة تضمن له قدرة على تحقيق مبيعات فعليًا منذ البداية، وبالتالي يحقق الربحية من دون تحمل مخاطر السوق التقليدية أو الانتظار الطويل لجذب العملاء.
وبهذه الآلية يحقق التعاون مع صندوق الإسكان الاجتماعي توازنًا واضحًا بين مصالح الدولة والمطور، ويحفز القطاع الخاص على المشاركة بشكل أكبر في برامج الإسكان الاجتماعي مع ضمان الاستمرارية والجودة والالتزام بأسعار مناسبة للمستفيد النهائي.
بالانتقال إلى الأرقام التشغيلية لهذا النموذج، ما هي المستهدفات الكمية والمساحات الأرضية التي تم رصدها كـ «مرحلة تجريبية» لباكورة التعاون مع القطاع الخاص؟
نحن بصدد إطلاق تجربة أولية بالتعاون مع مطوري القطاع الخاص على أراضي تابعة للصندوق، ونخطط لتجربة 350 فدان في 8 مدن جديدة بشكل أولي، فالحد الأدنى للمساحة التي سيستلمها كل مطور سيكون 10 أفدنة بينما الحد الأقصى يصل إلى 25 فدانًا، وهذه التجربة تهدف لإنشاء ما بين 15 إلى 20 ألف وحدة سكنية كنموذج تجريبي لاستبيان قدرة المطورين على العمل ضمن الضوابط السعرية والفنية التي يضعها الصندوق.
وعلى سبيل المثال، كل قطعة أرض بمساحة 10 أفدنة ستؤدي إلى تنفيذ حوالي 500 وحدة سكنية، أما الأراضي الأكبر التي تبلغ 20 فدانًا فستتمكن من استيعاب نحو 1000 وحدة تقريبًا، مع مراعاة تخطيط شامل يشمل المرافق والخدمات والبنية التحتية، والهدف من هذه التجربة هو تقييم قدرة القطاع الخاص على تلبية احتياجات السوق ضمن الأطر التنظيمية للصندوق، وضمان استمرارية تقديم وحدات سكنية بأسعار مناسبة للمواطنين مع الحفاظ على جودة التنفيذ وكفاءة استخدام الأراضي.
فيما يخص الدورة البيعية وقواعد التخصيص، كيف يتم التنسيق بين «حرية التسويق» لدى المطور وبين «معايير الاستحقاق» الصارمة التي يفرضها الصندوق؟
المطور هو من يبيع الوحدات للعملاء ويختارهم، لكن كل عملية بيع تحتاج لموافقة الصندوق قبل الشروع فيها، فنحن ندرس كل حالة بدقة للتأكد من أن العملاء المستفيدين من المستحقين وفقًا للشروط المعمول بها في إعلانات الصندوق، وهذه الشروط تشمل مستوى الدخل، وألا يكون العميل قد استفاد سابقًا من أي برامج إسكان حكومية أو من البرنامج القومي للإسكان أو من التعاونيات أو من أي قطعة أرض أو دعم سكني سابق، فبهذه الطريقة نضمن استهداف المستحقين بالفعل مع الحفاظ على نزاهة الإجراءات وعدم تكرار الاستفادة لأي شخص سبق له الحصول على دعم، بما يحقق العدالة وتوزيع الفرص على المستحقين الحقيقيين.
شهدت ورش العمل التحضيرية إقبالاً من «عمالقة العقار» في مصر، هل يمكننا تسليط الضوء على حجم ونوعية الشركات التي أبدت رغبتها في دخول هذه المنظومة؟
لقد عقدنا ورش العمل مع عدد كبير من مطوري القطاع الخاص، ويصل العدد تقريبًا إلى 50 مطورًا عقاريًا، جميعهم من الفئة الممتازة بما في ذلك الشركات الكبيرة التي عملت سابقًا في المشروع القومي مثل «أوراسكوم» و«مدينة مصر» وباقي المطورين الذين شاركوا في البرنامج القديم وأجيال جديدة تدخل السوق لأول مرة، ولا يوجد مانع من التعاون مع مطور جديد تمامًا لكن يجب التأكد من وجود ملاءة مالية قوية، لأننا لا نريد الدخول في شراكات مع جهات قد تتعثر فالأولوية دائمًا لضمان نجاح المشروعات وحماية حقوق المستفيدين من برامج الصندوق.
هل تتضمن رؤيتكم للمجتمعات العمرانية الجديدة دمج «المناطق الخدمية والصناعية الميكرو» لتوفير فرص عمل مباشرة للسكان في محيط سكنهم؟
جربنا فكرة بالتنسيق مع هيئة المجتمعات العمرانية في مدينة بدر، ونجحنا في إقامة برامج ورش صناعية محدودة تستهدف صناعات غير ملوثة للبيئة، فهذا النموذج التجريبي يمكن أن نتوسع فيه لاحقًا ليشمل المزيد من المناطق.
فبالطبع الخدمات التجارية لا تشملها هذه المبادرات مباشرة لكن يمكن دعمها من خلال برامج التمويل الخاصة بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة التابعة للصندوق أو عبر البنوك الشريكة معنا، حيث نتيح تمويلات ميسرة لتشجيع المستفيدين على إقامة هذه المشروعات والاستفادة من خبراتهم.
«الإسكان الأخضر» بات توجهاً عالمياً، كيف قام الصندوق بترجمة هذا المفهوم تقنياً ومالياً في طروحاته الأخيرة، وما هو حجم الإقبال عليه؟
الإسكان الأخضر بالنسبة لنا يعني وحدات سكنية توفر استهلاك الطاقة بشكل ملحوظ من خلال استخدام تقنيات مثل الطاقة الشمسية والعزل الحراري للوحدات، والدهانات الصديقة للبيئة والطوب الخاص اللي بيقلل من الحاجة للتكييف، كل يجعل العميل يشعر براحة داخل شقته وفي نفس الوقت يقلل فاتورة الكهرباء والمياه والطاقة.
ونحن بالفعل طرحنا 50 ألف وحدة سكنية ضمن فئة الإسكان الأخضر، ونخطط للتوسع فيها نظرًا للطلب الكبير عليها، وبالنسبة للسعر فإن آخر إعلان كان بسعر أعلى بحوالي 50 ألف جنيه عن الوحدات العادية، لكنها مصممة بطريقة تجعل هذه الزيادة غير مؤثرة على الأقساط الشهرية عند السداد على مدى 20 سنة، وفي المقابل تحقق توفيرًا ملموسًا في فواتير الطاقة للساكنين.
وخــــــلال الفتــرة الماضيـــة، حصــدنا جائـــزة EDGE ADVANCED من مؤسسة التمويل الدولية التابعة لمجموعة البنك الدولي، وذلك هامش حفل احتفالية «10 سنوات من الإنجازات» التي نظمها الصندوق بحضور رئيس مجلس الوزراء وعدد من المسئولين في مجموعة البنك الدولي وكذلك عدد من الوزراء وكبار الشخصيات من داخل مصر وخارجها.
وحصـد الصـندوق تلك الجائـزة بعــد أن نجح في اعتماد 599 عمارة بواقع 14376 وحدة سكنية ضمن مبادرة «الإســــــكان الاجتماعــــــــي الأخضــــــر» بتصـــنيف EDGE ADVANCED الدولي، في سابقة هي الأولى من نوعها، حيث يجب للحصول على شهادة تصنيف EDGE أن يحقق المشروع وفرًا في استخدام الطاقة والمياه وانبعاثات الكربون بنسبة لا تقل عن 20 % من عمليات البناء التقليدية وهو ما تحقق بالفعل في وحدات مبادرة «الإسكان الاجتماعي الأخضر»، ونسعى لاعتماد 30 ألف وحدة أخرى خلال الفترة المقبلة.
بعد سنوات من العمل الدؤوب، هل استطاعت الدولة المصرية عبر» الصندوق» ردم «فجوة الإسكان» التاريخية وتجفيف منابع العشوائيات؟
عندما بدأنا برنامج الإسكان لمحدودي الدخل، كانت التقديرات تشير إلى وجود فجوة كبيرة في السوق تصل إلى نحو مليون وحدة سكنية، فقام الصندوق بتنفيذ هذه المليون وحدة، بالإضافة إلى تنفيذ وزارة الإسكان لمليون وحدة أخرى، وبذلك يمكن القول إن الفجوة قد تم تغطيتها جزئيًا وأن جزءًا كبيرًا من الطلب قد تم تلبيته.
ويمكن ملاحظة أثر هذا على الواقع العملي، حيث تراجع حجم التعديات على الأراضي الزراعية بشكل ملحوظ كما انخفضت معدلات إنشاء العشوائيات الجديدة، وهذا التحسن يظهر أيضًا من خلال المتابعات المستمرة التي يجريها الصندوق، بالإضافة إلى متابعة تنفيذ المشاريع نفسها ما يعكس تحسنًا ملموسًا في وضع الإسكان في البلاد.
لغة الأرقام هي الأصدق دائماً.. ما هو «كشف الحساب» الختامي لإنجازات الصندوق منذ التأسيس وحتى اللحظة من حيث القيمة التمويلية، أعداد المستفيدين، وحجم الدعم المباشر؟
منذ انطلاق منظومة التمويل العقاري، تمكن الصندوق من صرف تمويلات تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 103 مليار جنيه لصالح حوالي 695 ألف عميل بتمويلات تمتد على فترة 20 سنة، وذلك عبر البنوك المشاركة في البرنامج وللتوضيح عندما بدأنا البرنامج كان حجم التمويلات محدودًا للغاية لا يتجاوز 5 مليار جنيه على مستوى كل البنوك وشركات التمويل العقاري.
أما فيما يتعلق بالدعم النقدي، فقد بلغ إجمالي ما تم تقديمه للعملاء حوالي 10.4 مليار جنيه بحد أقصى يصل إلى 180 ألف جنيه لكل عميل، وهو الدعم المخصص لتسهيل اقتناء الوحدات السكنية لمحدودي الدخل.
أما أعداد المتقدمين للاستفادة من البرنامج، فقد بلغ 1.5 مليون شخص في البداية ووصل العدد بعد الإعلان الأخير إلى نحو 2.4 مليون، حيث لا تزال بيانات هذا الإعلان تتكامل وتحدث، وتم إرســـال ما يقــرب من 773.6 ألف عميل إلى البنوك لبدء إجراءات التمويل.
وفيما يخص الوحدات الســـكنية، فقد تم تخصيص نحو 717 ألف وحدة سكنية من بينها تم تسليم 695 ألف وحدة بالفعل للعملاء، فيما لا يزال بعض العملاء في طور استكمال العقود والإجراءات مع البنوك ليكتمل التسليم خلال الفترة المقبلة، وهذه الأرقام تعكس حجم الجهد المبذول منذ 2014 وحتى الآن، وما حققه الصندوق من تقدم ملموس في توفير وحدات سكنية لمحدودي الدخل.
من واقع خبرتكم العميقة، ما هي «الوصفة المثالية» لتطوير مثلث التمويل العقاري (البنك - المطور - المواطن) لضمان استقرار السوق وحمايته من الفقاعات الائتمانية؟
أنا أرى أن المطور العقاري يجب أن يعمل وفق منظومة واضحة تم وضعها من قبل البنك المركزي، والتي تهدف إلى فصل مراحل التمويل بطريقة منظمة وآمنة، فالتمويل يبدأ من مقدم العميل، بينما يتولى البنك تمويل الفرق خلال فترة الإنشاء ثم يقوم البنك بعد ذلك بتقديم التمويل العقاري للمواطن.
ومن الضروري أيضًا أن تتم دراسة العملاء بشكل دقيق من البداية بالتعاون بين المطور والبنك، لضمان القدرة على الالتزام بالسداد والحد من المخاطر المالية، وأي محاولة من المطور لتمويل عملاء مرفوضين من قبل النظام المصرفي يجب أن تبقى مسؤوليته الخاصة، بينما البنك هو الجهة التي تضمن التحقق من الجدارة الائتمانية للعميل والتأكد من عدم تجاوز أعباء التمويل 40 % من دخله الشهري الصافي.
وبهذه الطريقة نحمي المنظومة من الأزمات المالية الكبيرة، ونخلق توازنًا يحقق استدامة التمويل العقاري ويحافظ على مصالح جميع الأطراف من الدولة والمطور والبنك والمواطن، ومن واقع تجربتي ومتابعتي للبرنامج هذه الآلية أثبتت جدواها في دعم الأمان المجتمعي وتعزيز قدرة المواطنين على تملك وحداتهم، وهي أيضًا تجسيد لرؤية سيادة الرئيس في توفير سكن مناسب ومستدام للمواطنين.
هل يمتد دور الصندوق ليكون طرفاً فاعلاً في ملف «الإيجار القديم» عبر توفير بدائل سكنية عاجلة وراقية للمواطنين المتأثرين بأي تشريعات جديدة؟
نعم، من المخطط أن يقوم المواطنين بتسجيل بياناتهم ونحن كصندوق سنقوم بتوفير البدائل السكنية المناسبة لهم، مع ذلك أود التأكيد أن البدائل التي سنوفرها ليست ضمن برنامج الإسكان الاجتماعي التقليدي، بل ستكون بدائل مناسبة ضمن نفس المحافظة وبشروط مماثلة للشقق التي كانوا يقيمون فيها سابقًا، وأكثر من 80 ألف مواطن سجلوا عبر منظومة حصرالكترونية من خلال استكمال استمارة السكن البديل.
ولا يقتصر الأمر على وحدات الصندوق فقط بل يمكن أن تشمل الوحدات المبنية حديثًا أو التي تمتلكها جهات حكومية مختلفة، مثل صندوق التنمية الحضرية وهيئة المجتمعات العمرانية وغيرها من الهيئات، لذلك دورنا يتمثل في دراسة العملاء بعناية وتوفير وحدات بديلة تلبي احتياجاتهم مع إمكانية الاستعانة بمطوري القطاع الخاص لضمان تنوع الخيارات وجودة البدائل.
ما أهمية حصول مشروع الإسكان الاجتماعي الأخضر على شهادة EDGE ADVANCED، وما الذي يعكسه هذا الإنجاز من تطور في توجهات صندوق الإسكان الاجتماعي نحو الاستدامة؟
يمثل حصول صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري على شهادة EDGE ADVANCED المبدئية خطوة نوعية تعكس التزامنا الواضح بتبني مفاهيم البناء الأخضر والاستدامة في مشروعات الإسكان الاجتماعي خاصة في مشروع الإسكان الاجتماعي الأخضر منخفض التكلفة الذي يضم 14376 وحدة سكنية.
وهذا الإنجاز لا يقتصر فقط على كونه اعتمادًا دوليًا بل يؤكد نجاحنا في تطبيق معايير بيئية متقدمة تسهم في تحسين جودة الحياة للمواطنين، حيث حقق المشروع معدلات متميزة في كفاءة استخدام الموارد، شملت توفير نحو 40 % في استهلاك الطاقة و43 % في استهلاك المياه إلى جانب خفض الطاقة الكامنة في مواد البناء بنسبة 33 %، وهو ما يعكس توجهًا حقيقيًا نحو تقليل البصمة الكربونية للمشروعات.
كما أن المؤشرات الخاصة بالانبعاثات تؤكد الأثر الإيجابي للمشروع، إذ تبلغ الانبعاثات التشغيلية نحو 2.14 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة سنويًا، مع تحقيق وفر سنوي يُقدر بنحو 16,587.3 طن من الانبعاثات، وهو ما يعكس حجم العائد البيئي الكبير لهذه النوعية من المشروعات.
ونؤكد أن هذا الاعتماد الصادر عن جهة دولية معتمدة مثل Sintali يمثل شهادة ثقة في جودة ما نقدمه، ويعزز من توجه الدولة نحو التوسع في الإسكان الأخضر، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة ويواكب أفضل الممارسات العالمية في قطاع التشييد والبناء.
ختاماً، ما هي فلسفتكم في تحويل «السكن الاجتماعي» من مجرد مأوى إلى مجتمعات حيوية نابضة تليق بطموحات الشباب المصري؟
خلال الـ 10 سنوات الماضية، نجحنا في إحداث تغيير ملموس في برامج الإسكان لمحدودي الدخل، ولم تعد الشقق مجرد وحدات متناثرة في الصحراء كما كان في البرامج القديمة بل أصبحت جزءًا من منظومة متكاملة داخل المدن، فنحن نحرص على أن تكون هذه الوحدات في مواقع استراتيجية تحيط بها الخدمات الأساسية وفرص العمل وأماكن الترفيه، بحيث يشعر المواطن بأن بيته جزء من مجتمع حيوي متكامل.
وشركاء النجاح في هذا المجال كثر، مثل هيئة المجتمعات العمرانية ومجموعة البنك الدولي والقطاع المصرفي والجهات الحكومية والمؤسسات الدولية المختلفة، ونعمل جاهدين على توسيع نطاق المشروعات لتشمل كافة الاحتياجات الحياتية للشباب، والطموح لا يقتصر على توفير مسكن فقط بل يمتد ليشمل تمكين الشباب من الحياة الكريمة، عبر خلق فرص العمل وتوفير الخدمات وضمان بيئة مناسبة للنمو الاجتماعي والاقتصادي.
ومن وجهة نظري، السوق ما زال يحتاج إلى دعم مستمر من الدولة والمطورين، خصوصًا فيما يتعلق بتوفير شقق ملائمة بأسعار مناسبة مع جودة تنفيذ عالية، ودمجها داخل مجتمعات مكتملة الخدمات، ودور الصندوق هنا يتمثل في التأكد من تلبية هذه الاحتياجات وتقديم الدعم المالي والتسهيلات اللازمة لضمان استفادة الشباب من هذه الفرص بشكل فعّال ومستدام.
في كلمة أخيرة، ما هو عهدكم للعملاء الحاليين والمنتظرين، وما هي نصيحتكم لهم للحفاظ على هذه «الثروة العقارية» المدعومة؟
أولاً، أود أن أؤكد على أهمية المحافظة على الوحدة السكنية الممنوحة لكل عميل، وهذه الوحدات مدعومة بشكل كبير، حيث يصل الدعم إلى ما بين 50 و60 % من قيمتها، وهي تقدم للمواطنين لتلبية احتياجاتهم الحقيقية لذا من الضروري تقدير هذا الدعم والحفاظ على الوحدة باعتبارها حقًا ملكيًا ودولة ترغب في أن يكون المواطن حاملاً لممتلكاته في بلده.
أما بالنسبة للعملاء الذين لم يستلموا وحداتهم بعد أطمئنهم تمامًا بأن جميع الوحدات ستُسلم خلال العام الحالي، فالتأخير الذي حدث كان نتيجة ظروف استثنائية معينة، ولكن الآن كل الإجراءات أصبحت واضحة ومنظمة لضمان أن يستلم الجميع وحداتهم في الوقت المحدد.
والرسالة الأهم هي الثقة في منظومة الصندوق والاستفادة من قيمة الدعم المقدم الذي يعد منحة لا ترد من الدولة لتسهيل تملك المواطن المستحق والتفهم بأن هذه البرامج مصممة لخدمة المواطنين وفق أولوياتهم الحقيقية، والمحافظة على الوحدة والاستفادة الكاملة من الدعم المقدم هي مسؤولية مشتركة بين المواطن والدولة لضمان استدامة هذه البرامج وإتاحة الفرص للأجيال القادمة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض