الدكتور محمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية:
تحول تاريخي في الميزان النقدي المصري بفائض 25.5 مليار دولار في صافي الأصول الأجنبية
استثمارات القطاع الخاص تقفز لـ %54 من إجمالي النشاط الاقتصادي متجاوزة الاستثمارات العامة
التعرف الإلكتروني (eKYC) يضاعف عدد المستثمرين الجدد في سوق المال لـ 300 ألف سنوياً
ربط رقمي بين 5 جهات رقابية ينهي تعقيدات منظومة التراخيص خلال 30 شهراً كحد أقصى
الدكتور محمود محيي الدين المبعوث الخاص لألمم المتحدة: التحوسل لسوق الكربون الإلزامي يضع مصر على خارطة الاستثمارات العالمية المستدامة
دينا نوار المدير التنفيذي للغرفة الأمريكية بالقاهرة: الغرفة الأمريكية شريك استراتيجي في صياغة ملامح الاقتصاد الأخضر والرقمي
عمر الصاحي المدير العام لشركة أمازون مصر: البنية التحتية الرقمية والسياسات التنبؤية هي الوقود الحقيقي لنمو التجارة الإلكترونية
سالي الجندي المدير العام لشركة مارس إيجيبت: صناديق الاستثمار الصناعي هي جسر العبور نحو حلم الـ 100 مليار دولار صادرات
المهندس طارق توفيق نائب رئيس اتحاد الصناعات المصرية: رفع حصة القطاع الخاص لـ 65% هو الضمانة الوحيدة لاستدامة النمو الاقتصادي
وسط حضور لافت من قادة مجتمع الأعمال والاستثمار وممثلي كبريات الشركات الأمريكية والمصرية، تحول اللقاء السنوي للغرفة التجارية الأمريكية بالقاهرة إلى منصة لرسم خارطة طريق اقتصادية «غير تقليدية»، وخلال اللقاء قدم الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، «مانيفستو» يعتمد على لغة الأرقام والتشريح الفني الدقيق لمعوقات بيئة الأعمال، معلنًا انتهاء عصر «الحلول السحرية» وبدء عصر «الإصلاح التراكمي» الذي ينفذ إلى أدق التفاصيل الهيكلية فيما يعرف بـ (Micro Level).
وشهد اللقاء حضورًا رفيع المستوى تقدمه الدكتور محمود محيي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة، وعمر الصاحي المدير العام لشركة أمازون مصر، وسالي الجندي المدير العام لشركة مارس إيجيبت، إلى جانب لفيف من رؤساء البنوك والشركات المدرجة وممثلي المؤسسات الدولية، وجميعهم قدم رؤى واقعية واحترافية لواقع ومستقل الاقتصاد المصري، مما عكس حجم الاهتمام بالرسائل التي بثها الوزير حول مستقبل الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص. وقد استعرض الوزير «المربع الذهبي» للاستقرار النقدي، كاشفًا عن تحول تاريخي في ميزان الأصول؛ حيث قفزت مصر من عجز في صافي الأصول الأجنبية بلغ 27.2 مليار دولار إلى فائض مريح قدره 25.5 مليار دولار، هذا الرقم، بحسب فريد، ليس مجرد منجز محاسبي، بل هو «صمام الأمان» الذي يسمح اليوم بالحديث عن جذب استثمارات أجنبية مباشرة في بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ.
وبصراحة كاشفة، أعلن الوزير، أن الدولة نجحت في تعديل كفة الاستثمارات؛ فبعد أن كان القطاع الخاص يمثل 35 % فقط من إجمالي الاستثمارات في الفترة (2020-2024)، قفزت مساهمته حالياً لتتراوح بين 53 % و54 %، مؤكداً أن «زيادة مشاركة القطاع الخاص هي المؤشر الوحيد الذي يحدد نجاح سياساتنا حالياً».
وشدد فريد، على أن الوزارة تعمل حالياً على «تفكيك البيروقراطية الباردة» عبر ربط 5 جهات رقابية وتنفيذية رقميًا، لضمان إنهاء منظومة التراخيص بالكامل في غضون عامين إلى عامين ونصف، مع كف يد الدولة تمامًا عن التدخل في «تقييمات الشركات» عند الاندماج أو الاستحواذ، واصفًا ذلك التدخل السابق بأنه كان «عنق زجاجة» لا مبرر له.
من جانبها واستهلت دينا نوار، المدير التنفيذي للغرفة الأمريكية بالقاهرة، لقاء الغرفة السنوى بالترحيب بالضيوف قائلة: «أهلاً بكم جميعًا في هذا اللقاء المتجدد الذي نعتبره في الغرفة الأمريكية أكثر من مجرد لقاء، بل هو منصة سنوية لترسيخ الشراكة بين صُناع القرار ومجتمع الأعمال الدولي، إننا في الغرفة نؤمن بأن اللحظة الحالية التي يمر بها الاقتصاد المصري تتطلب حوارًا شفافًا ومباشرًا، وهو ما جسده الدكتور محمد فريد في طرحه الصريح والمستنير.
وأضافت نوار: «أولوياتنا في الغرفة تتقاطع تمامًا مع رؤية وزارة الاستثمار، خاصة في ملفي «الرقمنة والاستدامة»، والشركات الأمريكية العاملة في مصر، والتي نمثل مصالحها، تضع «القدرة على التنبؤ» بالسياسات والإجراءات كشرط أساسي لضمان استمرارية وتوسع استثماراتها، وما سمعناه اليوم عن ربط 5 جهات رقابية وتسهيل إجراءات الاندماج والاستحواذ هو رسالة طمأنة كنا ننتظرها طويلاً».
وثمنت المدير التنفيذي للغرفة الأمريكية بالقاهرة، الدور الذي تلعبه الدولة في تحويل مصر لمركز إقليمي للطاقة والتكنولوجيا، وسنستمر في الغرفة كجسر استراتيجي لنقل هذه الإصلاحات لدوائر الاستثمار العالمية، إن وصول مصر للمركز الثاني إفريقيًا في جذب تمويل الشركات الناشئة هو مجرد بداية، وطموحنا المشترك مع الحكومة هو تحويل هذه الأرقام إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في صورة فرص عمل ونمو مستدام.
حديث موسع
فيما جاء حديث الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أمام ضيوف الغرفة التجارية الأمريكية بالقاهرة، موسعًا وشاملًا فلم يكن مجرد عرض لسياسات حكومية تقليدية، بل كان إعلانًا عن «تحول راديكالي» في فلسفة إدارة الملف الاقتصادي، لقد وضع الوزير يده على «الألغام» الهيكلية التي طالما أعاقت تدفق رؤوس الأموال، مقدمًا رؤية تعتمد على «التشريح الجزئي» للمشكلات والحلول الرقمية الجذرية، بعيدًا عن بريق الوعود الكلية التي لا تلامس أرض الواقع.
ويرى الدكتور محمد فريد، أن المعضلة الاستثمارية في مصر لم تكن يومًا في نقص الفرص أو الموارد، بل في «آليات التنفيذ» وتفاصيل العمل اليومي، ومن هنا جاء تأكيده المتكرر على العمل بمستوى (Micro-Level) أو «المستوى الجزئي»، هذه الفلسفة تعني ببساطة أن الدولة قررت التوقف عن إطلاق الشعارات الكبرى، والبدء في تشريح كل عائق يواجه المستثمر داخل مكتبه، سواء كان يتعلق بزيادة رأس مال، أو الحصول على ترخيص فني، أو تقييم أصول في صفقة اندماج.
التراكمية مقابل الحلول الصدمية
أوضح الوزير، أن تحسين بيئة الاستثمار يختلف جذريًا عن إدارة السياسات النقدية أو المالية، ففي السياسة النقدية، يمكن لقرار من البنك المركزي بتعديل سعر الصرف أن يغير ملامح السوق في غضون ساعات قليلة، وفي السياسة المالية، يمكن لتعديل ضريبي أو جمركي أن يحدث أثرًا فوريًا في موازنات الشركات، أما «بيئة الاستثمار»، فهي نتاج لتراكم آلاف التفاصيل الصغيرة، والتشريعات المتداخلة، والقناعات البشرية لدى الموظفين العموميين، لذا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يأتي بـ «عصا سحرية» كما يتوقع البعض، بل بسلسلة من النجاحات الصغيرة التي تتراكم لتشكل في النهاية «مناخًا جاذبًا ومستقرًا، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية التراكمية تستهدف إحداث «تحول حقيقي» وليس مجرد «تحسين ظاهري»، إنها عملية إعادة بناء للثقة، تبدأ من فهم الصعوبات التي يواجهها أصغر مستثمر، وصولاً إلى كبرى الشركات العالمية، الوزير يدرك تمامًا أن «البيروقراطية» هي كائن يقاوم التغيير، ولذلك فإن المواجهة لا بد أن تكون فنية، دقيقة، ومستمرة.
المربع الذهبي للاستقرار
لا يمكن بناء ناطحة سحاب استثمارية فوق رمال متحركة اقتصاديًا، لذا، بدأ الوزير استعراضه بالحديث عن «منظومة الاقتصاد الكلي السليمة» كشرط أساسي لأي إصلاح، كاشفًا عن أرقام تعكس حجم المعركة التي خاضتها الدولة لاستعادة التوازن المالي والنقدي وعن ثورة في صافي الأصول الأجنبية، حيث انتقلت مصر من وضعية حرجة تمثلت في عجز بصافي الأصول الأجنبية قدره 27.2 مليار دولار، لتسجل فائضًا بلغ 25.5 مليار دولار، هذا الرقم ليس مجرد إنجاز محاسبي، بل هو «صمام الأمان» الذي يضمن للمستثمر الأجنبي سهولة دخول وخروج الأموال، ويقضي على مخاوف «تجميد الأرباح» التي كانت تلاحق الاستثمارات الأجنبية في الفترات السابقة.
وقال الوزير، إن بقاء الفائض الأولي في المنطقة الإيجابية يوفر للدولة مساحة للمناورة المالية، ويؤكد للمؤسسات الدولية أن مسار الدين العام تحت السيطرة. هذا الاستقرار يوفر منصة صلبة للمستثمرين للعمل في بيئة آمنة وقابلة للتنبؤ، مشيرًا إلى أن تراجع معدلات التضخم هو «كلمة السر» لاستعادة القوة الشرائية وتحفيز الاستهلاك المحلي، والتضخم المنخفض يعني تكاليف إنتاج مستقرة، وهوامش ربحية واضحة، وقدرة أكبر على التخطيط طويل الأمد، وهو ما يبحث عنه أي مستثمر جاد.
التحول الجوهري
وتحدث الوزير، عما وصفه بـ «التحول الجوهري» في جينات الاستثمار المصري، فبعد سنوات من هيمنة الاستثمارات العامة (التي مثلت 65 % في الفترة من 2020 إلى 2024)، نجحت الإصلاحات الهيكلية الأخيرة في قلب هذه النسبة، لتصل استثمارات القطاع الخاص إلى نحو 54 %، هذا التحول يتطلب تغييرًا عميقًا في «القناعات والممارسات»، مؤكدًا أن الدولة المصرية لم تعد تسعى لمنافسة القطاع الخاص، بل لتمكينه، ودور الجهات التنظيمية، مثل الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، يجب أن يتوقف عند حدود «التنظيم والرقابة والمتابعة».
وبصراحة كاشفة، أعلن الوزير، أن التدخل في تقييم الشركات عند الاندماج أو الاستحواذ «ليس من دور الدولة»، هذا التدخل الحكومي التقليدي كان يمثل «عنق زجاجة» يعطل الصفقات الكبرى ويحول عملية الاستثمار إلى مسار من «التعطيل بدلاً من التيسير»، اليوم، تتبنى الوزارة منهجية تترك تقييم الأصول لآليات السوق والمعايير الدولية، مما يوفر وقتًا ثمينًا للشركات ويشجع على خلق كيانات اقتصادية كبرى قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
البيروقراطية الباردة
في تشخيصه الدقيق للعوائق الهيكلية، وصف الوزير «التدخل البشري» بأنه العائق الأبرز الذي يمنع تدفق رؤوس الأموال، ولحل هذه المعضلة، وضعت الوزارة جدولاً زمنيًا يمتد من عامين إلى عامين ونصف لتكون المنظومة الرقمية متكاملة وسلسة بالكامل عبر كافة الجهات الحكومية.
وقال الوزير، إن الوزارة تعمل حاليًا كـ»مايسترو» لربط وتنسيق العمل بين 5 جهات رقابية وتنفيذية رئيسية، تشمل: الهيئة العامة للاستثمار، الهيئة العامة للرقابة المالية، سجل الشركات، جهات إصدار التراخيص (مثل هيئة الدواء، والمجتمعات العمرانية، والتنمية الصناعية)، الجهات الضريبية والجمركية، هذا الربط الرقمي ليس مجرد «أتمتة» للورق، بل هو إعادة هندسة للإجراءات، فالهدف هو إنهاء معاناة المستثمر في الحصول على الأسهم بعد زيادة رأس المال، وتقليص المدد الزمنية لقرارات الجمعيات العمومية والاندماجات، كما أن «الوقت هو المال» في لغة الاستثمار، ولذلك فإن الرقمنة هي السبيل الوحيد للقضاء على ما وصفه بـ «البيروقراطية الباردة» التي لا تدرك قيمة الوقت للمستثمر.
ريادة الأعمال
وأفرد الوزير، حيزًا واسعًا في رؤيته لقطاع ريادة الأعمال، مؤكدًا أن اقتصاد أي دولة متقدمة يعتمد في جوهره على الابتكار والأفكار الجديدة التي تولد داخل الشركات الناشئة، متحدثًا عن مبادرة ثورية تتمثل في إنشاء صندوق استثماري مخصص لرأس المال المخاطر، يشارك كمستثمر مع الصناديق التي تضخ تمويلاً طويل الأجل، هذا الصندوق يستهدف حل مشكلة «عنق الزجاجـــة» في مراحـــل التوســع (Series A, B, C)، حيث كانت الشركات الناشئة المصرية تضطر للهجرة إلى الخارج بحثًا عن «المستثمرين ذوي المسؤولية المحدودة» (LPs) الذين يوفرون السيولة الضخمة للنمو.
سجل خاص ومعايير دولية
كما أعلن الوزير، عن العمل على إنشاء سجل خاص للشركات الناشئة لتسهيل حصولها على التراخيص، مع «الاعتراف بمعايير التقييم الدولية» لهذه الشركات ومن غير المنطقي تقييم شركة تكنولوجية ناشئة بمعايير محاسبية تقليدية تعود لعقود مضت؛ الابتكار يحتاج إلى مرونة في التقييم، وهذا ما تعمل الوزارة على مأسسته حاليًا لضمان بقاء العقول المصرية واستثماراتها داخل البلاد.
الاستدامة وأسواق الكربون
وفي ملف الاستدامة، كشف الوزير، عن استراتيجية طموحة لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجارة الكربون، الخطة تعتمد على الانتقال من «أسواق الكربون الطوعية» إلى «أسواق الامتثال» أو الإلزام.
وأوضح فريد، أن شهادة الكربون التي تباع بنحو 5 دولارات في السوق الطوعي، قد يتضاعف سعرها إلى 15 أو 20 دولارًا عندما يتم تداولها في «سوق امتثال» يلتزم بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (المادتين 6.1 و6.4).
ولتحقيق هذا الهدف، يتم إنشاء سجل لمشروعات الطاقة المتجددة الراغبة في إصدار شهادات (IRX) عبر منصة خاصة، وهذه الخطوة ستوفر لشركات الطاقة الشمسية والرياح في مصر «عامل دعم إضافي» يعزز من ربحيتها ويقلل من فترة استرداد رأس المال، مما يجعل مصر الوجهة الأكثر جاذبية للاستثمارات الخضراء في المنطقة.
استشهد الدكتور فريد، بتجربة سوق المال كنموذج عملي لما يمكن أن تفعله التكنولوجيا في بيئة الأعمال، فبفضل إدخال «التعرف الإلكتروني على العملاء» (eKYC)، والهوية الرقمية، والتعاقد الإلكتروني، أحدث طفرة غير مسبوقة في أعداد المستثمرين.
وأوضح الوزير، أن عدد المستثمرين الجدد في البورصة المصرية كان لا يتجاوز 20 ألفًا سنويًا، ولكن بفضل الرقمنة، وصل العدد إلى 300 ألف مستثمر في عام واحد، ومن المتوقع أن يستمر هذا النمو ليصل إلى 280 ألف مستثمر جديد هذا العام ، مؤكدًا أن هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي دليل على أن التكنولوجيا تتيح «ديمقراطية الاستثمار»، حيث تمكن الشباب والمواطنين البسيط من المشاركة في ملكية الشركات، وهو النهج الذي تعتزم الوزارة تعميمه في كافة قطاعات الاستثمار والتجارة.
التجارة الخارجية
وفي ملف التجارة الخارجية، انتقل الوزير، من سياسات الدعم التقليدية إلى سياسة «الاستهداف الفعال»، وأكد أن الوزارة تتخذ خطوات جادة لتعزيز التواصل مع الشركاء التجاريين العالميين ومع المصدرين المصريين، موضحًا أن الخطة تعتمد على بناء خريطة دقيقة لفهم المستوردين والمنافسين في الأسواق الدولية، وتحليل بيانات التجارة لاستخراج سياسات فعالة، مشيرًا إلى رقمنة خدمات دعم التصدير (المعارض والبعثات التجارية) لتصل إلى كل شركة في مصر، مهما كان حجمها أو موقعها الجغرافي.
صناديق دعم الصناعة
ولأن الصناعة هي المحرك الحقيقي للتجارة، كشف الوزير، عن توجه لإنشاء صناديق استثمارية صناعية بالتعاون مع وزارة المالية، موضحًا أن هذه الصناديق ستوفر التمويل اللازم لنمو القطاع الصناعي وإطلاق الطاقات الإنتاجية للمصانع والمزارع، باعتبارها الركيزة الأساسية لزيادة الصادرات المصرية.
وبصراحة معهودة، لم يغفل الدكتور محمد فريد، الحديث عن التحديات الهيكلية، مشيرًا إلى أن «وعي السوق» هو تحدٍ بحد ذاته؛ ففي كثير من الأحيان، تكون الإصلاحات والأنظمة المتاحة موجودة بالفعل، لكن المستثمرين لا يدركون وجودها أو لا يعرفون كيفية الاستفادة منها.
توطين التنمية
وشدد الوزير، على ضرورة «توطين الاستثمارات» داخل المحافظات المختلفة بهدف خلق تنمية اقتصادية موزعة جغرافيًا، ليشعر المواطن في كل مكان بأن الاقتصاد يتحسن وأن هناك إصلاحات حقيقية تلمس حياته اليومية من خلال توفير فرص عمل محلية وتحسين مستوى المعيشة.
وكرر الوزير، تحذيره من «البيروقراطية الباردة»، مؤكدًا أن تأخير الإجراءات الحكومية يمثل «أزمة كبرى» لرائد الأعمال والمستثمر، لذا، فإن الوزارة تتبنى سياسة «الاعتراف بالمشكلات» كخطوة أولى لحلها، مع التركيز على التنفيذ الفعلي على الأرض بعيدًا عن صياغة السياسات النظرية.
رسالة إلى مجتمع الأعمال
وأوضح الوزير، أن الوزارة تدرك التحديات الإقليمية والدولية المعقدة، لكنها تراهن على صمود الاقتصاد المصري وقدرته على النمو من خلال الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، مشيرًا إلى أن أفضل وسيلة للترويج لمصر عالميًا، هي الوصول لـ»المستثمر الراضي» فالمستثمرون المصريون والأجانب الذين يلمسون تحسنًا حقيقيًا في بيئة الاستثمار سينقلون هذه الصورة الإيجابية إلى مجتمع الأعمال الدولي، مما يغني عن مئات الحملات الإعلانية.
وفي لفتة تعكس ثقة الدولة في مسارها، قال الوزير: «إذا جربنا شيئاً ولم ينجح، سنعترف بذلك وسنحاول مرة أخرى بطريقة أفضل، لأن هذه المرونة هي الضمانة الوحيدة للنجاح في عالم اقتصادي سريع التغير».
التحول لسوق الكربون
وفي ذات السياق قال الدكتور محمود محيي الدين (المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة 2030): «سعيد جدًا بما طرحه الصديق العزيز الدكتور محمد فريد، خاصة فيما يتعلق بالانتقال من ‹أسواق الكربون الطوعية› إلى أسواق الامتثال، هذه الخطوة ليست مجرد التزام بيئي، بل هي ذكاء اقتصادي حاد، لأن صناديق الاستثمار العالمية الكبرى اليوم لم تعد تبحث فقط عن الربح السريع، بل تبحث عن الأصول الخضراء الموثقة دوليًا.
وأضاف محي الدين: عندما نتحدث عن رفع سعر شهادة الكربون المصرية من 5 دولارات إلى 20 دولارًا عبر الالتزام بالمادتين 6.1 و6.4 من اتفاقية باريس، فنحن نتحدث عن خلق تدفقات مالية دولية جديدة للمشروعات المصرية، والعالم لا ينتظر، والمنافسة الإقليمية على جذب رؤوس الأموال الخضراء، شرسة جدًا، لذا فإن سرعة التنفيذ الفني لهذه الأسواق ومنصة (IRX) ستجعل من مصر الوجهة الأكثر جذبًا لتمويلات المناخ في المنطقة.
وأكد محي الدين، أن الرقمنة التي تحدث عنها الوزير هي ‹العمود الفقري› للتمويل المستدام؛ فلا يمكن جذب مستثمر دولي في 2026 دون هوية رقمية ونظام (eKYC) فعال وسلس، وما حققته سوق المال المصرية في مضاعفة أعداد المستثمرين لـ 300 ألف هو نموذج يجب تعميمه في كافة القطاعات الاقتصادية.
التجارة الإلكترونية
ومن جانبه قال عمر الصاحي، المدير العام لشركة أمازون مصر: «بصفتنا شركة عالمية تعمل في قلب التحول الرقمي بمصر، نرى أن السؤال اليوم لم يعد هل تمتلك مصر إمكانات؟، بل كيف نفعل هذه الإمكانات بأقصى سرعة؟، إن قطاع التجارة الإلكترونية واللوجستيات يعتمد بشكل كلي على سرعة دوران البيانات والإجراءات.
وأضاف الصاحي، أن ‹البيروقراطية الباردة› التي أشار إليها الوزير هي أكبر تحدٍ يواجه سلاسل الإمداد؛ فتأخير ترخيص واحد أو إجراء جمركي قد يعطل استثمارات بملايين الدولارات، ونحن في أمازون مصر ندعم بقوة توجه الوزارة لتقليل التدخل البشري في منظومة التراخيص، والرقمنة الشاملة التي تستهدفها الوزارة في غضون عامين ونصف ستؤدي حتمًا لقفزة في نمو قطاعنا بمعدلات تتجاوز 35% سنويًا.
وأشار المدير العام لشركة أمازون مصر، إلى أن المستثمر التكنولوجي يحتاج لبيئة ‹قابلة للقياس›، فعندما أعرف أن زيادة رأس المال أو الاندماج ستتم في غضون أيام وبشكل رقمي، أستطيع التخطيط لتوسعاتي المستقبلية بوضوح، ونحن شركاء في هذه الرحلة، ونرى أن الوضوح الضريبي والجمركي الذي تعمل عليه الوزارة مع وزارة المالية هو حجر الزاوية لتعزيز التنافسية.
صناديق الاستثمار الصناعي
فيما قالت سالي الجندي المدير العام لشركة مارس إيجيبت: «نتحدث دائمًا عن حلم الـ 100 مليار دولار صادرات، ولكن هذا الحلم لن يتحقق إلا بتمكين المصنعين المحليين وتذليل العقبات أمام الشركات الدولية للتصنيع في مصر بغرض التصدير، نحن في ‹مارس إيجيبت› نركز على زيادة المكون المحلي، وهذا يتطلب بيئة استثمارية جزئية (Micro-level) فعالة، كما وصفها الدكتور محمد فريد، والتوجه لإنشاء ‹صناديق استثمار صناعية› متخصصة، بالتعاون مع وزارة المالية، هو قرار طال انتظاره، المصنع يحتاج لتمويل طويل الأجل وبفائدة تنافسية ليتمكن من التوسع في خطوط الإنتاج والمنافسة في الأسواق العالمية، كما أن فكرة ‹الاستهداف الفعال› للأسواق الخارجية بدلاً من الرش العشوائي هي رؤية علمية ستمكننا كمصدرين من معرفة أين تكمن الفرص الحقيقية لمنتجاتنا.
ونحن نثمن شفافية الوزير في الاعتراف بالمشكلات؛ فالاعتراف بأن الإجراءات المؤسسية هي ‹عنق زجاجة› هو أول طريق الحل، وتقليل التدخل التنظيمي في تقييمات الشركات سيسمح لنا بالتحرك بمرونة أكبر في السوق، وسيجعل من مصر قاعدة تصديرية كبرى تخدم المنطقة بالكامل.
رفع حصة القطاع الخاص
ومن جانبه عقب المهندس طارق توفيق نائب رئيس اتحاد الصناعات المصرية، قائلًا: لقد استمعنا لرؤية شاملة من الدكتور محمد فريد، ولكن كممثلين للصناعة المصرية، نؤكد أن العبرة دائماً في ‹التنفيذ›، ووصول نسبة مشاركة القطاع الخاص لـ%54 هي خطوة ممتازة، لكننا نطمح للوصول لنسبة 65 % وأكثر، تماشيًا مع وثيقة سياسة ملكية الدولة.
وأضاف توفيق: تخارج الدولة من بعض القطاعات يجب أن يكون واضحًا وسريعًا لمنح الثقة للمستثمر المحلي قبل الأجنبي، والصناع المصريون لديهم القدرة على قيادة النمو إذا ما تم توفير ‹أرضية متكافئة› للجميع، وربط الجهات الخمس رقميًا سيقضي على ‹تضارب الاختصاصات› الذي كان يستنزف وقت وجهد المستثمر.
ونحن ندعم بقوة إنشاء سجل الشركات الناشئة واعتماد معايير تقييم دولية؛ فالابتكار هو الذي سيقود الصناعة في المرحلة القادمة، ورسالة الوزير اليوم كانت واضحة: «لا توجد عصا سحرية، بل عمل تراكمي شاق›، ونحن في اتحاد الصناعات ومجتمع الأعمال مستعدون تمامًا لهذا العمل بالشراكة مع الوزارة».
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض