أظهر اقتصاد ألمانيا مؤشرات تعافٍ نسبي خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعًا بانتعاش قطاع التصدير وزيادة الإنفاق الحكومي، في محاولة لكسر حالة الركود الممتدة التي سيطرت على أكبر اقتصاد أوروبي خلال السنوات الأخيرة، وذلك قبل أن تُلقي التطورات الجيوسياسية المرتبطة بحرب إيران بظلالها الثقيلة على آفاق النمو.
وكشفت بيانات مكتب الإحصاء الألماني، الصادرة الجمعة، أن ارتفاع التجارة الخارجية وزيادة الإنفاق الحكومي ساهما في تعويض ضعف الطلب الاستهلاكي وتراجع الاستثمارات، ما أدى إلى تسجيل نمو اقتصادي بنسبة 0.3% خلال الربع الأول من 2026، بما يتوافق مع التقديرات الأولية للناتج المحلي الإجمالي.
وأكدت رئيسة مكتب الإحصاء الألماني، روث براند، أن الاقتصاد الألماني بدأ العام الجديد بإشارات إيجابية، موضحة أن زيادة الصادرات لعبت دورًا رئيسيًا في دعم النشاط الاقتصادي.
وقالت براند إن الاقتصاد الألماني واصل التعافي بعد الارتفاع المحدود المسجل في نهاية عام 2025، مشيرة إلى أن الصادرات سجلت تحسنًا ملحوظًا في بداية العام، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأداء الاقتصادي العام.
متنفس محدود لحكومة ميرتس وسط ضغوط اقتصادية
تمثل هذه النتائج دفعة سياسية محدودة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة لإعادة تنشيط الاقتصاد من خلال حزمة إصلاحات هيكلية واسعة.
ورغم هذا النمو، لا يزال الاقتصاد الألماني يعاني من تباطؤ طويل الأمد، إذ فشل في تحقيق نمو اقتصادي قوي على مدار السنوات الثلاث الماضية، وسط تحديات داخلية وخارجية معقدة، إضافة إلى تزايد الخلافات السياسية داخل الحكومة، ما يجعل تحسين الأداء الاقتصادي أكثر صعوبة.
حرب إيران تعقد تعافي الاقتصاد الألماني
تواجه جهود استعادة الزخم الاقتصادي في ألمانيا مزيدًا من التعقيد مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، في ظل استمرار الضبابية بشأن مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
وتُبقي احتمالات فشل التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين المخاوف قائمة بشأن استمرار إغلاق مضيق هرمز، وهو ما يهدد بإبقاء أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، الأمر الذي يضغط بقوة على الاقتصادات الأوروبية المعتمدة على واردات الطاقة، وفي مقدمتها ألمانيا.
وفي هذا السياق، خفضت وزارة الاقتصاد الألمانية توقعاتها لنمو الاقتصاد خلال عام 2026 إلى 0.5% فقط، أي نصف التقديرات السابقة، ما يعكس حجم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الأكبر في أوروبا.
مخاوف من ركود جديد خلال الربع الحالي
تشير التوقعات الاقتصادية إلى أن أداء الاقتصاد الألماني قد يشهد مزيدًا من الضعف خلال الربع الحالي، حيث يتوقع البنك المركزي الألماني دخول الاقتصاد في مرحلة ركود، بينما طرحت وكالة S&P Global احتمال حدوث انكماش اقتصادي.
وجاءت هذه المخاوف بعد أن أظهرت بيانات مسح الأعمال الشهري تراجع النشاط الاقتصادي للشهر الثاني على التوالي خلال مايو، وهو ما يثير القلق بشأن قدرة الاقتصاد على الحفاظ على الزخم المحدود الذي تحقق مطلع العام.
تباين مواقف الشركات الألمانية بشأن المستقبل الاقتصادي
تعكس مواقف الشركات الألمانية حالة من الانقسام بشأن مستقبل الاقتصاد، إذ تبدي بعض المؤسسات الصناعية الكبرى حذرًا واضحًا تجاه آفاق النمو.
فقد خفضت Thyssenkrupp AG توقعاتها للمبيعات، متوقعة استقرار الإيرادات السنوية بالكاد في أفضل السيناريوهات، في إشارة إلى استمرار الضغوط على قطاع الصناعة.
كما واجهت Volkswagen AG تحديات كبيرة خلال الربع الأول، بعدما تراجع هامشها التشغيلي بفعل الرسوم الجمركية، والمنافسة الصينية المتزايدة، إلى جانب ضعف مستويات الطلب العالمي على السيارات.
في المقابل، تبدو شركات أخرى أكثر تفاؤلًا تجاه المستقبل، إذ تتوقع BMW AG استقرار الطلب في السوق الصينية، مع ترقب تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تهديداته الأخيرة المتعلقة برفع الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية.
كما أعلنت Siemens AG خطة لإعادة شراء أسهم تصل قيمتها إلى 6 مليارات يورو، بعد تسجيل زيادة في حجم الطلبيات، في مؤشر على ثقة بعض الشركات الكبرى بتحسن الظروف الاقتصادية مستقبلًا.
الإنفاق الحكومي يدعم الاقتصاد رغم تراجع الصادرات لأمريكا
لعب الإنفاق الحكومي المكثف على مشروعات البنية التحتية والدفاع دورًا بارزًا في دعم النمو الاقتصادي خلال الربع الأول، في وقت عززت فيه التجارة الخارجية مساهمتها بالنمو نتيجة استقرار الواردات نسبيًا.
لكن في المقابل، تُظهر مؤشرات حديثة استمرار الضغوط على قطاع التصدير الألماني، خاصة بعد صدور بيانات هذا الأسبوع التي كشفت تراجع المبيعات إلى الولايات المتحدة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ما يطرح تساؤلات بشأن قدرة الصادرات على الاستمرار كمحرك رئيسي للنمو خلال الأشهر المقبلة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض