غادة إسماعيل: الذكاء الاصطناعي ميسور التكلفة عبر الهواتف يدعم الشمول المالي في الدول النامية


وليد علي مدير عام إدارة الاستدامة في البنك المركزي المصري: الطاقة محور الصراع العالمي وفرصة للدول العربية لتعزيز التمويل الأخضر والتحول للطاقة النظيفة

الجريدة العقارية الاربعاء 29 ابريل 2026 | 06:42 مساءً
غادة إسماعيل
غادة إسماعيل
العقارية

أوضح سعد أن البنك الأهلي المصري أطلق برنامجًا خاصًا لتقنين أوضاع عدد من المناطق الصناعية غير الرسمية، من بينها منطقة “شق الثعبان” بمحافظة القاهرة، حيث تم العمل على إدراج عدد من أصحاب الأراضي والمصانع غير المرخصة ضمن المنظومة الرسمية، من خلال توفير التمويل اللازم لتمليك الأراضي ودعم عمليات التطوير.

وأضاف أن هذه المبادرة ساهمت في دمج العديد من الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية داخل الاقتصاد الرسمي، بما يترتب عليه من آثار إيجابية تشمل زيادة الإيرادات الضريبية الناتجة عن الأرباح، وتعزيز مساهمة هذه الأنشطة في دعم الاقتصاد المصري بشكل عام.

كما أشار إلى أنه يجري حاليًا تطبيق نموذج مماثل في محافظة الجيزة، خاصة في مناطق مثل عرب أبو ساعد والدريز، موضحًا أن هذه المناطق رغم كونها غير معروفة لدى البعض، إلا أنها تضم أنشطة استثمارية وصناعية كبيرة تعمل خارج الإطار الرسمي، ويتم العمل على تقنين أوضاعها تدريجيًا لدمجها في الاقتصاد الرسمي.

وأكد أن هذه الجهود تعكس توجهًا استراتيجيًا للبنك الأهلي المصري نحو دعم الاقتصاد غير الرسمي وتحويله إلى اقتصاد منظم، من خلال استخدام أدوات التمويل والبيانات والتحليل الائتماني، بما يسهم في تحقيق النمو الشامل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.

أكد عبد المنعم درويش، الرئيس التنفيذي لشركة Injaz Tech، أن التحديات المرتبطة بتمويل الفئات الأكثر احتياجًا، خاصة في المناطق الريفية، تفرض على المؤسسات المالية تبني نماذج أكثر مرونة وابتكارًا، تعتمد بشكل أساسي على سرعة اتخاذ القرار والاستفادة من البيانات، بما يضمن تحقيق الشمول المالي بصورة فعالة ومستدامة.

واستهل درويش حديثه خلال كلمته في مؤتمر «من الشمول المالي إلى النمو الشامل: آفاق وسياسات مستقبلية» بعرض نموذج واقعي بسيط يعكس جوهر التحدي، موضحًا أن ابنته الصغيرة تمارس هواية الكروشيه وتحتاج إلى تمويل لشراء أدوات بسيطة لبدء مشروعها، وقد قام بتمويلها بشكل شخصي، لكنه تساءل: ماذا لو انتقلت هذه الفكرة إلى سيدة داخل قرية في صعيد مصر، وكانت تمتلك نفس المهارة لكنها تحتاج إلى مبلغ بسيط لا يتجاوز 1000 جنيه؟ وما هو موقف المؤسسات المالية في هذه الحالة؟ وهل يمكن تقديم الدعم لها بسهولة؟.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة Injaz Tech، أن هذه النماذج تعكس فجوة حقيقية في منظومة التمويل، حيث إن اتخاذ قرار تمويل مثل هذه الحالات يتطلب في كثير من الأحيان سرعة في التقييم، حتى في ظل محدودية البيانات المتاحة عن العميل، وهو ما يمثل تحديًا أمام المؤسسات المالية التي تعتمد على معايير تقليدية في منح الائتمان.

وأشار إلى أن تكلفة دراسة هذه الحالات قد تكون في بعض الأحيان أعلى من قيمة التمويل نفسه، حيث تتطلب عمليات المعاينة الميدانية وتكليف موظفين لإجراء دراسات ائتمانية، وهو ما يخلق عبئًا تشغيليًا يجعل المؤسسات أكثر تحفظًا في تمويل هذه الفئات، رغم أهميتها في تحقيق الشمول المالي.

وأضاف درويش أن تمويل الأفراد الذين لا يمتلكون تاريخًا ائتمانيًا واضحًا يمثل مخاطرة مرتفعة، وهو ما يستدعي ضرورة تطوير أدوات تقييم بديلة تساعد في اختيار العملاء المناسبين للتمويل، مشددًا على أهمية القدرة على تقييم الجدارة الائتمانية بشكل أكثر مرونة ودقة، خاصة في ظل ضعف البيانات التقليدية المتاحة لهذه الفئات.

وأشار إلى أن هناك تجارب ناجحة في عدد من الدول في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تتشابه طبيعة أنظمة التمويل مع العديد من الدول النامية، وقد أثبتت هذه التجارب أن الاعتماد على البيانات الائتمانية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في منظومة التمويل، بما يساعد على تقليل المخاطر وتوسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية.

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاعتماد بشكل أكبر على التكنولوجيا المالية وتحليل البيانات، بما يسهم في تقليل تكلفة التمويل، وتسريع اتخاذ القرار، وتحقيق التوازن بين إدارة المخاطر وتوسيع نطاق الشمول المالي، مشيرًا إلى أن هذه الأدوات تمثل مفتاحًا رئيسيًا لتمكين الفئات غير المخدومة ماليًا ودمجها في الاقتصاد الرسمي.

من جهته، أكد بلال عبد اللطيف، رئيس قطاع التصوير وتطوير المنتجات بشركة «إي سكور»، أن التحدي الحالي ليس في توفير المزيد من البيانات، بل في فهم العميل بشكل أعمق من خلال استخلاص رؤى ومعلومات تساعد البنوك في اتخاذ القرار الصحيح.

وأوضح رئيس قطاع التصوير وتطوير المنتجات بشركة «إي سكور»، أن «إي سكور» تطورت لتصبح شريكًا في ذكاء القرار، مشيرًا إلى أن الشركة تمثل قلب المنظومة المالية في مصر لارتباطها بالجهات الرقابية وكافة البنوك والشركات.

واستعرض عبد اللطيف نجاح الشركة في إطلاق خدمة الاستعلام الرقمي للأفراد القائمة على البيانات البديلة، مثل بيانات بطاقة الرقم القومي، واستهلاكات المرافق، وملكية السيارات، والتاريخ التأميني، مؤكدًا أنها بيانات موثوقة من مصادرها الرسمية G2G، مما يقضي على مشكلات التلاعب بالمسندات الورقية.

أما على مستوى الشركات، كشف عبد اللطيف عن العمل حاليًا على استخدام بيانات التصدير والاستيراد، والربط مع منظومة الفاتورة الإلكترونية التي تتيح للبنك رؤية حجم المشتريات والمبيعات، مما يوفر بديلاً قويًا للبيانات المالية التقليدية التي قد تغيب عن الشركات الناشئة.

وشدد رئيس قطاع تطوير المنتجات بـ «إي سكور» على أن جودة البيانات هي التحدي الأكبر، حيث تتطلب مجهودًا ضخمًا للتأكد من موثوقية كل مصدر بيانات وحوكمته، مشيرًا إلى أن الشركة تعمل على توسيع الرؤية الائتمانية للبنوك لتشمل بيانات من وزارة العدل حول الأحكام القضائية، وبيانات هيكل الإدارة والتزام الشركات بسداد التزاماتها الضريبية والتأمينية.

وأشار بلال عبد اللطيف إلى أن هذه الأدوات المتقدمة تهدف لتمكين البنوك من اتخاذ قرارات ائتمانية أسرع وأكثر دقة، وأن البيانات البديلة ستلعب دورًا محوريًا في المرحلة القادمة لدعم نمو المشروعات الصغيرة والمتوسطة والحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية في السوق المصري.

من جهتها، أكدت رانيا شريف، المدير التنفيذي لقطاع تطوير الأعمال بشركة ضمان مخاطر الائتمان CGC، أن الشركة تلعب دورًا محوريًا كشريك في تحمل المخاطر مع البنوك، مشيرة إلى أن التوجه الحالي يركز على استغلال التكنولوجيا المتقدمة والبيانات الضخمة لتطوير منتجات ائتمانية متخصصة تعتمد على البيانات البديلة.

وأوضحت رانيا شريف، أن الشركة تقوم حاليًا بتقييم الضمانة بناء على مستوى أداء كل بنك، ومعدلات التعثر، وإنتاجية المحافظ لديه، مضيفة: «عندما يقرر البنك إطلاق منتج يعتمد على البيانات البديلة، سنكون معه كعادتنا لتقييم المخاطر بشكل جديد، حيث سنربط بين بيانات i-Score ومنظومة الفاتورة الإلكترونية لتحليل سلوك العميل الائتماني».

وأشارت إلى أن سوق المشروعات الصغيرة والمتوسطة شهد تحولاً كبيرًا منذ عام 2016، فبعد أن كانت فكرة المنتج الائتماني غريبة، أصبح الاتجاه الآن نحو منتج المحافظ الذي يستوعب شرائح كبيرة من العملاء مجمعين، مؤكدة أن الوصول لنسبة شمول مالي بلغت 76.7 % وبلوغ حجم المعاملات 4 تريليونات جنيه كان أمرًا لا يتخيله أحد قبل عام 2020.

وكشفت المدير التنفيذي لتطوير الأعمال أن شركة ضمان مخاطر الائتمان تمتلك محفظة تصل إلى 150 مليار جنيه، تمثل حوالي 35% من إجمالي تمويلات البنوك لهذا القطاع، مضيفة: «نحن في CGC نحتفظ بكافة البيانات التي تصلنا من البنوك لنقوم بتحليلها بطرق مختلفة، ونستعد لاستخدام Machine Learning والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بحالات التعثر وتقديم نصائح استباقية للبنوك حول شروط الائتمان والمخاطر المحتملة».

وشددت «شريف» على أن الشركة تنفذ حاليًا خارطة طريق تكنولوجية تهدف إلى الربط الكامل والديجيتال مع كافة الأطراف في المنظومة الائتمانية، مؤكدة أن هذا التحول سيؤدي إلى خفض التكلفة وتوفير الوقت، وتوفير رؤية شاملة للسوق.

وأكدت أن البنية التحتية للشمول المالي أصبحت جاهزة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد دمجًا أكبر للفئات غير المخدومة مثل المرأة وسكان الأقاليم، مع إمكانية الوصول إلى نماذج تضمن حتى المبالغ الصغيرة جدًا اعتمادًا على تحليل حركات الحسابات (In/Out) والسلوك المالي الرقمي للعملاء.

بدوره، أكد وليد علي، مدير عام إدارة الاستدامة في البنك المركزي المصري، أن التطورات الجيوسياسية الراهنة التي يشهدها العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، تفرض إعادة قراءة شاملة لمستقبل التمويل الأخضر، مشيرًا إلى أن جوهر التحديات الحالية يرتبط بشكل أساسي بملف الطاقة ومصادرها، باعتبارها المحرك الرئيسي للصراعات الاقتصادية والسياسية.

وأوضح علي، خلال كلمته في مؤتمر «من الشمول المالي إلى النمو الشامل: آفاق وسياسات مستقبلية»، أن القراءة الاستراتيجية للوضع الجيوسياسي في المنطقة تشير بوضوح إلى أن محور الصراع يتمحور حول الطاقة، بغض النظر عن تعدد الأسباب أو الروايات المرتبطة بالحروب والتوترات، مؤكدًا أن الطاقة تمثل العصب الرئيسي للاقتصاد العالمي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على توجهات التمويل المستدام والتمويل الأخضر.

وأشار إلى أن الدول العربية، وفي مقدمتها جمهورية مصر العربية، تمتلك إمكانيات هائلة في مجال الطاقة المتجددة، بما يؤهلها للعب دور محوري في التحول نحو الاقتصاد الأخضر، مؤكدًا أن استغلال هذه الإمكانيات يمثل فرصة استراتيجية ليس فقط لتحقيق التنمية المستدامة، ولكن أيضًا لتقليل حدة التوترات الجيوسياسية المرتبطة بمصادر الطاقة التقليدية.

وأضاف أن الأزمات العالمية، سواء كانت حروبًا أو كوارث اقتصادية، غالبًا ما تسفر عن تداعيات سلبية واسعة، لكنها في الوقت ذاته تخلق فرصًا لإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن التحول نحو الطاقة النظيفة يمثل أحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وبالتالي الحد من الصراعات المرتبطة بها.

وأكد أن التمويل الأخضر يلعب دورًا محوريًا في دعم هذا التحول، من خلال توجيه الاستثمارات نحو مشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المستدامة، بما يسهم في تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة، ويعزز من قدرة الدول على مواجهة التحديات المستقبلية.

وأشار إلى أن الدول العربية تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من هذه التحولات العالمية، من خلال تبني استراتيجيات واضحة لدعم التمويل المستدام، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة النظيفة، بما ينعكس إيجابيًا على استقرارها الاقتصادي والسياسي.

وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب تكامل الجهود بين المؤسسات المالية وصناع السياسات لتطوير آليات تمويل مبتكرة تدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتضمن تحقيق شمول مالي أكثر فاعلية، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي.

واختتم علي كلمته بالتأكيد على أن الاستثمار في الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية، مشيرًا إلى أن تعزيز التمويل الأخضر يمثل أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها تحقيق التنمية المستدامة وتقليل التوترات الجيوسياسية، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام الدول العربية لتحقيق نمو اقتصادي أكثر استقرارًا وشمولًا.

أكدت داليا عبد القادر، رئيس قطاع التمويل المستدام في البنك التجاري الدولي مصر ورئيس لجنة التمويل المستدام في اتحاد بنوك مصر، أن مشهد الاقتصاد العالمي الحالي يعكس بوضوح حيوية ومرونة التمويل المستدام، رغم ما يشهده العالم من تحديات متصاعدة وأزمات جيوسياسية واقتصادية متلاحقة، مشيرة إلى أن كل أزمة جديدة تؤكد أن مسار التمويل المستدام يسير في اتجاه نمو متزايد وليس تراجعًا.

وأوضحت عبد القادر، خلال كلمتها في مؤتمر «من الشمول المالي إلى النمو الشامل: آفاق وسياسات مستقبلية»، أن التحديات الراهنة، وعلى رأسها ارتفاع تكلفة الشحن واضطرابات سلاسل الإمداد الناتجة عن التوترات الجيوسياسية مثل الحرب في إيران وأزمة مضيق هرمز، تفرض ضغوطًا إضافية على الأسواق العالمية، لكنها في الوقت نفسه تكشف أهمية استمرار البنوك في دعم التمويل المستدام وعدم تأجيله بحجة أنه غير ملزم بشكل كامل في بعض الأسواق.

وأضافت أن هناك مسارين رئيسيين يحددان مستقبل التمويل المستدام عالميًا؛ المسار الأول يتمثل في وجود تراجع أو إعادة تقييم لبعض سياسات الاستدامة في الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بملف الكربون وتمويل المناخ، في مقابل اتجاه قوي ومتصاعد من جانب الاتحاد الأوروبي وعدد من دول الشرق الأوسط والشرق الأقصى نحو تعزيز الأطر التشريعية والتنظيمية الخاصة بالاستدامة، بما يعكس انقسامًا واضحًا في الرؤى العالمية حول هذا الملف.

وأشارت إلى أن بعض الضغوط السياسية داخل الإدارة الأمريكية دفعت بعض المؤسسات المالية إلى إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بدعم التمويل الكربوني، إلا أن العديد من البنوك العالمية أكدت التزامها المستمر بدعم عملائها في هذا الاتجاه، انطلاقًا من أن الجهات الرقابية والتنظيمية تركز على جودة المحفظة الائتمانية واستقرارها وقدرتها على إدارة المخاطر، بعيدًا عن التجاذبات السياسية.

أما المسار الثاني، فلفتت عبد القادر إلى أنه يتمثل في التراجع التدريجي في حجم المساعدات المالية الحكومية الموجهة للتنمية، حيث انخفضت في عام 2024 إلى نحو 214 مليار دولار، مع توقعات بتراجع إضافي بنسبة تقارب 25 % في عام 2025، واستمرار هذا الاتجاه في عام 2026، وهو ما يعكس تحولًا هيكليًا في مصادر تمويل التنمية عالميًا.

ورغم هذا التراجع في المساعدات الحكومية، أكدت أن استثمارات القطاع الخاص في مجالات التنمية المستدامة، وخاصة الطاقة النظيفة، شهدت نموًا كبيرًا وغير مسبوق، حيث بلغت قيمة الاستثمارات في هذا القطاع نحو 2.2 تريليون دولار أمريكي في عام 2025، مع ارتفاع الأصول المرتبطة بالاستدامة بنسبة 18 % مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في هذا القطاع.

وشددت عبد القادر على أن التجارب العالمية خلال الأزمات الكبرى، سواء جائحة كورونا أو الحرب الروسية الأوكرانية أو غيرها من الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية، أثبتت أن الاستثمار في التنمية المستدامة يظل مستمرًا رغم التحديات، بل ويكتسب زخمًا أكبر مع كل أزمة جديدة، باعتباره أحد أهم المسارات الداعمة لاستقرار الاقتصاد العالمي على المدى الطويل.

وأكدت أن التمويل المستدام لم يعد خيارًا ترفيهيًا أو اتجاهًا ثانويًا، بل أصبح جزءًا أساسيًا من استراتيجيات المؤسسات المالية العالمية، مشيرة إلى أن البنوك باتت تدرك أن دعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر يمثل عنصرًا رئيسيًا في تعزيز قدرتها التنافسية وضمان استدامة محافظها الائتمانية في المستقبل.

أكدت آية علي، مدير الإدارة العامة للتنمية المستدامة في الهيئة العامة للرقابة المالية، أن التمويل المستدام لم يعد خيارًا ثانويًا أو توجهًا تكميليًا داخل الأسواق المالية، بل أصبح أحد الحلول الجوهرية والعملية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية الراهنة، وفي مقدمتها ارتفاع تكلفة الوقود والاضطرابات الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسواق.

وأوضحت علي، خلال مشاركتها في جلسة «مستقبل التمويل الأخضر»، أن الهيئة تبنت رؤية استباقية تهدف إلى توجيه السوق نحو الاستدامة، من خلال وضع سياسات وتشريعات تدعم توجيه الاستثمارات إلى القطاعات الحيوية مثل النقل المستدام، مؤكدة أن الجدوى الاقتصادية (Business Case) للتمويل المستدام أصبحت أكثر وضوحًا وإقناعًا للمؤسسات المالية، نتيجة الطلب المتزايد من السوق، وهو ما قلل الحاجة إلى الجهود التقليدية التي كانت تُبذل لإقناع المستثمرين بأهمية هذا النوع من التمويل.

واستعرضت الجهود التنظيمية التي قامت بها الهيئة، مشيرة إلى إصدار القرارين رقم 107 و108 لسنة 2021، واللذين يلزمان الشركات بالإفصاح عن ممارسات الاستدامة، بالإضافة إلى الآثار المالية المرتبطة بالتغيرات المناخية، وهو ما يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الشفافية داخل السوق المالي المصري.

وأضافت أن الهيئة حرصت على منح الشركات فترة سماح امتدت إلى عام ونصف، بهدف رفع مستوى الوعي وتجهيز البيانات اللازمة للامتثال لهذه المتطلبات، مشيرة إلى تنظيم أكثر من 45 ندوة تدريبية (سيمينار) خلال هذه الفترة، لضمان جاهزية الشركات وقدرتها على تطبيق معايير الإفصاح الجديدة بكفاءة.

وفي سياق متصل، أكدت علي أن إطلاق سوق الكربون الطوعي يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز مصداقية الاستثمارات الخضراء، مشددة على أن وضع تصنيف موحد للأنشطة المستدامة يعد أولوية قصوى، بهدف الحد من ممارسات “الغسل الأخضر” وضمان حماية سمعة السوق، مع ضرورة توافق هذا التصنيف مع المعايير الدولية لضمان جذب الاستثمارات الأجنبية.

وكشفت عن توجه الهيئة خلال المرحلة المقبلة نحو تطوير الإطار التنظيمي الحالي، من خلال تعديل القرارين 107 و108 بما يتماشى مع معايير المجلس الدولي لمعايير الاستدامة، وذلك بالتعاون مع الشركاء الدوليين، بما يعزز من تكامل السوق المصري مع المعايير العالمية.

كما أشارت إلى أهمية الاستثمار في بناء قدرات العاملين في مجال الاستدامة، بما في ذلك المراجعين الخارجيين، لضمان دقة وجودة البيانات المرتبطة بالإفصاحات البيئية والاجتماعية، وهو ما يمثل عنصرًا أساسيًا في تعزيز ثقة المستثمرين.

وأكدت على ضرورة معالجة الفجوة القائمة بين الشركات الكبرى والمشروعات الصغيرة والمتوسطة فيما يتعلق بالجاهزية للتحول نحو الاستدامة، من خلال تبني سياسات مرنة تدعم هذه الفئات وتحفزها على الانخراط في الاقتصاد الأخضر دون تحميلها أعباء إضافية.

واختتمت علي تصريحاتها بالتأكيد على أهمية التكامل بين القطاعين المالي المصرفي وغير المصرفي، مشيرة إلى أن الهيئة تعمل في تنسيق مستمر مع البنك المركزي المصري ووزارة البيئة المصرية، بهدف توحيد السياسات وتهيئة بيئة استثمارية خضراء تتسم بالشفافية والنزاهة، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة في مصر.

أكد مايكل مقار، رئيس مجموعة التخطيط الاستراتيجي والاستدامة في البنك الأهلي المصري، أن المرحلة الراهنة تمثل التوقيت الأمثل لتعزيز التوسع في التمويل المستدام، في ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية التي أعادت تشكيل أولويات الاستثمار، موضحًا أن هذا النوع من التمويل لم يعد يحتاج إلى جهود إقناع كما كان في السابق، بل أصبح يمثل نموذج عمل (Business Case) مربحًا وقادرًا على تحقيق عوائد اقتصادية قوية للمؤسسات المالية والمستثمرين.

وأوضح مقار، خلال مشاركته في الجلسة الرابعة لمؤتمر التمويل المستدام، أن الارتفاعات الكبيرة في أسعار مصادر الطاقة التقليدية ساهمت بشكل مباشر في تعزيز جاذبية الاستثمار في الطاقة المتجددة، مشيرًا إلى أن أسعار البترول ارتفعت بنسبة 79 %، في حين سجلت أسعار الغاز الطبيعي زيادة بنحو 52 % منذ بداية العام، وهو ما جعل الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة خيارًا استراتيجيًا لا يقتصر على الاعتبارات البيئية فقط، بل يمتد ليشمل الجدوى الاقتصادية.

وكشف عن مقارنة واضحة في تكاليف الإنتاج بين مصادر الطاقة المختلفة، حيث تبلغ تكلفة إنتاج الطاقة من محطات الطاقة الشمسية نحو 1.8 سنت، مقابل نحو 10 سنتات للمحطات التي تعتمد على الوقود الأحفوري داخل مصر، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة في التكلفة ويؤكد أن الاستثمار في الطاقة المتجددة أصبح ضرورة اقتصادية ملحة قبل أن يكون توجهًا بيئيًا.

وأشار مقار إلى أن التوترات الجيوسياسية العالمية دفعت المؤسسات المالية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، مع التركيز بشكل متزايد على قضايا الأمن الغذائي والمائي باعتبارها من أبرز التحديات المستقبلية، مؤكدًا أن التمويل المستدام يمثل أداة فعالة لمعالجة هذه القضايا، من خلال دعم الاستثمارات في مجالات الزراعة الذكية، وإدارة المخلفات الزراعية، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالنباتات العطرية، وهي قطاعات تجمع بين العائد الاقتصادي المرتفع والاستدامة البيئية.

ورغم هذه الفرص الواعدة، لفت إلى وجود عدد من التحديات التي لا تزال تواجه القطاع المصرفي، وفي مقدمتها عدم وضوح التصنيف الأخضر بشكل كامل، وهو ما يخلق حالة من التباين في تطبيق المعايير، مشيرًا إلى أن حتى البنوك الأوروبية تواجه صعوبات في الامتثال الكامل لمتطلبات الاتحاد الأوروبي المعقدة في هذا المجال.

كما شدد على أهمية الاستمرار في بناء القدرات المؤسسية داخل البنوك، وتعزيز الوعي بثقافة الاستدامة، بما يمكن المؤسسات المالية من الاستفادة القصوى من الفرص المتاحة في سوق التمويل المستدام، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والاعتبارات البيئية.

وفي ختام كلمته، دعا مقار إلى تعزيز التعاون العربي المشترك وتبادل الخبرات بين الدول، مقترحًا نموذجًا تكامليًا يقوم على الاستفادة من المزايا النسبية لكل دولة، بحيث يتم نقل خبرات دول الخليج في مجالات مثل تحلية المياه إلى مصر، مقابل نقل الخبرات المصرية في مجالات الزراعة الذكية إلى دول المنطقة، وهو ما يسهم في تسريع وتيرة التنمية وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من الموارد المتاحة.