ضغوط عالمية ومحلية تدفع شركات مواد البناء والمقاولات لإعادة حساباتها
خروج «الأموال السخنة» يرفع سعر صرف الدولار %10ويضغط على ميزانيات الشركات
التحديات الراهنة في المنطقة تدفع «دولار الإنشاءات» لـ 52 جنيهاً وتعيد هيكلة أسعار العقار المصري
من المصنع إلى الموقع.. كيف تلتهم زيادة المحروقات %20 هوامش ربح المطورين والمقاولين؟
ارتباك الملاحة الإقليمية يرفع فاتورة «شحن الخامات» بـ 4000 دولار ويضغط على المطورين والمقاولين
سعر طن الفحم يقفز من 90 دولار لـ 140 دولار ويجبر مصانع الأسمنت على إعادة التسعير
زيادات فورية بـ %15 في أسعار «السبراميك والأدوات الصحية» خلال أيام من التوترات
أي زيادة في سعر الدولار أمام الجنيه المصري تترجم في النهاية إلى ارتفاع في تكلفة العديد من مدخلات الإنتاج
الوقود يمثل 70% من تكلفة إنتاج الطوب والحرارات والأسعار تترقب موجة تصحيح
يمر قطاع الإنشاءات والتطوير العقاري في مصر بمرحلة إعادة تقييم شاملة، خلال الربع الأول من عام 2026، متأثراً بالتبعات الاقتصادية للتوترات الإقليمية الراهنة التي ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد وتدفقات رؤوس الأموال، الأرقام الميدانية تشير إلى تحرك سعر صرف الدولار بنسبة تقترب من 10 %، نتيجة خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) بحثاً عن ملاذات آمنة بعيداً عن تقلبات المنطقة ، هذا التحرك في سوق الصرف وضع المطورين والمصنعين أمام حتمية مراجعة التكاليف الإنشائية التي ترتبط لحظياً بالعملة الصعبة.
وتزامنت هذه الضغوط مع قرار تحريك أسعار المحروقات والغاز الطبيعي بنسبة بلغت 20 %، وهو ما أدى لقفزة فورية في تكاليف النقل واللوجستيات التي تمثل عصب العملية الإنشائية، وفي قلب صناعة الأسمنت، ارتفعت أسعار الفحم المستورد – الذي يمثل 66 % من مزيج الطاقة للمصانع – من 90 دولاراً إلى 140 دولاراً للطن، بزيادة قدرها 45 %، مما دفع المنتجين للتخطيط لزيادات سعرية وشيكة لا تقل عن 10 % لامتصاص فوارق التكلفة العالمية المرتفعة نتيجة اضطراب الملاحة.
ولا يتوقف الضغط عند مواد البناء الأساسية، بل يمتد لصناعة الطوب والحراريات التي يشكل الوقود فيها 70 % من هيكل التكلفة النهائي، مما يجعل المنتج المحلي عرضة لتقلبات أسعار الطاقة رغم كونه محلي المكون بنسبة 95 % ، وعلى الجانب التنفيذي، سجلت بنود أعمال التشطيبات، خاصة السيراميك والأدوات الصحية، قفزات سعرية بلغت 15 % خلال أسبوع واحد، مدفوعة بارتفاع تكلفة شحن الحاويات التي سجلت زيادات تراوحت بين 2500 و4000 دولار للحاوية الواحدة نتيجة التحديات الراهنة في الممرات المائية الإقليمية.
المشهد العقاري الكلي الآن يتأهب لزيادة متوقعة في أسعار الوحدات تتراوح بين 10 % و20 %، بينما تسود حالة من الترقب في القوة الشرائية، رغم بقاء العقار الملاذ الأول للادخار في مواجهة التضخم، إن استمرار هذه التحديات لفترة تتجاوز 4 أشهر قد يفرض سيناريوهات أكثر تشدداً في التسعير، مما يضع المطورين أمام تحدي الموازنة بين الحفاظ على وتيرة المبيعات وتغطية التكاليف الإنشائية المتصاعدة التي باتت ترتبط بعوامل جيوسياسية دولية تتخطى حدود السوق المحلية.
المهندس حاتم الشاذلي، مسئول بشركة السويدي للأسمنت، أكد في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، أن القفزة المفاجئة في سعر الدولار بالإضافة إلى أسعار الوقود سيكون لها مردودا وتأثيرا مباشرا على تكلفة إنتاج الأسمنت، موضحا أن صناعة الأسمنت من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وتعتمد بصورة كبيرة على الوقود في مختلف مراحل العملية الإنتاجية، وأضاف أن تحركات سعر الدولار تمثل عاملا ضاغطا آخر على الصناعة، لا سيما أن جزءا من مدخلات الإنتاج يتم استيراده من الخارج، وهو ما يتطلب تدبير العملة الأجنبية لتغطية تكاليف الاستيراد.
وأشار الشاذلي إلى أن شركات الأسمنت تستخدم السولار والمازوت بشكل أساسي في تشغيل المصانع وإدارة العملية الإنتاجية الكاملة، بدءا من تشغيل الأفران ووصولا إلى عمليات النقل والتوزيع، وهو ما يجعل أي تحريك في أسعار الوقود ينعكس بصورة مباشرة على التكلفة التشغيلية للمصانع، لافتا إلى أن أي ارتفاع في سعر الدولار يضيف عبئا إضافيا على الشركات، نظرا لاعتماد عدد من مدخلات الصناعة على الاستيراد من الخارج، سواء فيما يتعلق ببعض الخامات أو قطع الغيار أو المعدات اللازمة لتشغيل خطوط الإنتاج، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة التكلفة الإجمالية لإنتاج طن الأسمنت.
ارتباط وثيق
فيما أكدت الشركة العربية للأسمنت -أسمنت وادي النيل- أن صناعة الأسمنت ترتبط ارتباطا وثيقا بتكلفة الطاقة ومدخلات الإنتاج المستوردة، وهو ما يجعلها من أكثر الصناعات تأثرا بالتقلبات الاقتصادية العالمية، حيث أشار مصطفى كامل، مسئول بالشركة العربية للأسمنت، في تصريحات خاصة لـ «العقارية»، إن أي ارتفاع حادث في أسعار الوقود وإن كان طفيفا سيؤثر لا محالة على أسعار تكلفة إنتاج الأسمنت بالنسبة للمصانع العاملة، مشيرا إلى أن معظم المصانع تعتمد اعتمادا كبيرا ورئيسيا على السولار والمازوت في تشغيل الآلات ومعدات الصناعة.
وأضاف كامل أن تحريك أسعار الوقود ينعكس بشكل مباشر على تكلفة التشغيل داخل المصانع، حيث تمثل الطاقة أحد أهم عناصر التكلفة في صناعة الأسمنت، سواء في تشغيل خطوط الإنتاج أو في عمليات النقل الداخلي والخارجي.
كما أوضح أن الارتفاعات التي شهدها سعر الدولار في الفترة الأخيرة تمثل بدورها عاملا إضافيا يزيد من الضغوط التي تواجهها الشركات، نظرا لاعتماد الصناعة على استيراد بعض المدخلات الأساسية من الخارج.
وعن تأثير ارتفاع أسعار عملة الاستيراد، أشار كامل إلى أن شركات الأسمنت تعتمد جزء من عملية إنتاجها على الفحم، وهو أحد المصادر الرئيسية للطاقة المستخدمة في تشغيل الأفران داخل المصانع، موضحا أن شركات الأسمنت تستورد الفحم بكميات كبيرة من الأسواق الخارجية لتلبية احتياجات الإنتاج.
ولفت إلى أن الفحم يمثل نسبة كبيرة من عناصر تكلفة الإنتاج داخل مصانع الأسمنت، حيث يشكل ما يقرب من 66 % من مصادر الطاقة المستخدمة في العملية الصناعية.
إعادة تقييم
ومن جانبه، أشار حسين الشاذلي، مسئول بشركة مجموعة مصر للأسمنت، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، إن الظروف التي شهدتها الأسواق في مصر مؤخرا والتي تضمنت ارتفاعات في أسعار الوقود، وهي المشغل الأساسي لطاقة مصانع مواد البناء، إلى جانب القفزات التي شهدها سعر الدولار، دفعت أصحاب الصناعة إلى إعادة تسعير منتجات مواد البناء ومنها الأسمنت.
وأوضح أن الوقود يمثل نسبة تتخطى 50 % من عناصر تشغيل المصانع ودوران عجلة الإنتاج، وهو ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج الأسمنت داخل المصانع.
وأضاف أن الشركات العاملة في السوق ستضطر إلى تطبيق زيادات سعرية على منتجاتها خلال الفترة المقبلة، إلا أن هذه الزيادات ستكون مرتبطة بحجم الارتفاعات التي طرأت على أدوات ومدخلات الإنتاج، مشيرا إلى أن الشركات تسعى في الوقت ذاته إلى تحقيق قدر من التوازن بين الحفاظ على استمرارية الإنتاج وعدم تحميل السوق زيادات سعرية مبالغ فيها.
وأكد الشاذلي أن الزيادة المتوقعة في أسعار الأسمنت لن تتعدى في المرحلة الحالية نسبة 10 %، موضحا أن هذه النسبة قد تتغير في حال استمرار حالة التصعيد العسكري في إقليم الشرق الأوسط لفترة زمنية أطول.
مصانع الطوب والتداعيات الأخيرة
وفي هذا السياق، أكد محمد عامر، رئيس مجلس إدارة شركة ثيرمل للمنتجات الخزفية والحرارية والتعدينية، أن الوقود وارتفاع سعر الدولار سيكون لهما تأثير كبير ومباشر على الشركات العاملة في صناعة الحراريات والطوب الطفلي، مشيرا إلى أن هذه التطورات ستدفع بالضرورة إلى حدوث زيادات سعرية في المنتجات خلال الفترة المقبلة.
وقال عامر، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، إن الشركات العاملة في مصانع الحراريات تأثرت بالفعل بنسبة تصل إلى 100 % جراء ارتفاع أسعار الوقود عالميا وانعكاس هذه الارتفاعات على السوق المحلية في مصر، وهو ما يمثل تحديا حقيقيا أمام المصنعين في ظل ارتفاع تكلفة التشغيل.
وأوضح أن صناعة الطوب الأحمر والحراريات في مصر تعد صناعة محلية بدرجة كبيرة تصل إلى نحو 95 % من مدخلات الإنتاج، إلا أن ذلك لا يعني عدم تأثرها بالمتغيرات الاقتصادية، نظرا لاعتماد هذه الصناعة بدرجة كبيرة على الوقود في تشغيل الأفران وخطوط الإنتاج، مشيرا إلى أن مصانع الحراريات تعتمد في صناعتها على الوقود بنسبة تصل إلى 70 % من إجمالي تكلفة المنتج، وهو ما يعني أن ما يقرب من %70 من تكلفة إنتاج الطوب الأحمر والحراريات يرتبط بشكل مباشر بأسعار الطاقة.
وقال هشام عبد الحي، مسئول في شركة الصالح للطوب الطفلي، إن صناعة الطوب الطفلي لابد أن تتأثر بالزيادات السعرية التي حدثت في أسعار الوقود، إلى جانب الارتفاع المفاجئ في سعر الدولار أمام الجنيه.
وأوضح عبد الحي أن صناعة الطوب الطفلي تعد من الصناعات المحلية في مصر، حيث تعتمد بشكل أساسي على خامات متوافرة داخل السوق المحلية، إلا أن تجهيزات المصانع والمعدات المستخدمة في عمليات الإنتاج يتم استيرادها من الخارج، وهو ما يجعل ارتفاع سعر الدولار عاملا مؤثرا في تكلفة التشغيل على المدى المتوسط والطويل.
ومن جانب آخر، أشار ياسر فرج، مسئول في شركة سنجر المتخصصة في صناعة الطوب الطفلي، إلى أن التأثير المباشر لارتفاع سعر الدولار على مصانع الطوب الطفلي لم يظهر بشكل واضح حتى الآن، موضحا أن العامل الأكثر تأثيرا في المرحلة الحالية يتمثل في زيادة أسعار الوقود المستخدم في تشغيل الأفران.
وقال فرج، إن مصانع الطوب الطفلي تعتمد بشكل رئيسي على الوقود في تشغيل الأفران، وهو ما يجعل أي زيادة في أسعار الوقود تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة الإنتاج.
وأوضح أن الدولار لا يمثل عاملا أساسيا في التأثير الفوري على مصانع الطوب الطفلي، خاصة أن الجزء الأكبر من مدخلات الإنتاج محلي، وهو ما يمنح المصانع قدرا من الاستقرار النسبي في مواجهة تقلبات سعر الصرف.
وفي هذا السياق، قال محمد أسامة، مسئول في شركة جولد ميكس للإنشاءات، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، إن التحركات الأخيرة في أسعار الوقود وسعر الدولار في مصر سيكون لها تأثير مباشر ولا محالة على شركات المقاولات والإنشاءات، نظرا لارتباط هذا القطاع بشكل وثيق بأسعار الخامات ومواد البناء ومستلزمات التنفيذ المختلفة.
وأوضح أن شركات المقاولات تعتمد في تنفيذ مشروعاتها على مجموعة واسعة من المواد والخدمات المرتبطة بقطاع التشييد، وهو ما يجعل أي تحرك في أسعار الطاقة أو العملات الأجنبية عاملا مؤثرا في التكلفة الإجمالية للمشروعات.
زيادات ملحوظة
ومن جانبه، قال وليد عبد المجيد، مسئول في شركة سيكتورز للإنشاءات، إن الشركة شهدت بالفعل زيادات ملحوظة في عدد من بنود أعمال التشطيبات خلال الفترة الأخيرة، حيث سجلت أغلب بنود التشطيبات زيادة وصلت إلى نحو 15 % منذ الأسبوع الماضي وحتى الوقت الحالي.
وأوضح أن هذه الزيادات ظهرت بشكل واضح في البنود المتعلقة بالأعمال الصحية والسيراميك، وهي من العناصر الأساسية في مراحل التشطيب داخل المشروعات العقارية.
وأشار عبد المجيد إلى أن شركات المقاولات تعمل في الوقت الحالي في ظل توقعات بأن الزيادات السعرية لم تصل بعد إلى ذروتها، خاصة مع استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود عالميا وانعكاسها على السوق المحلية، إلى جانب الزيادات التي تشهدها أسعار الخامات والمواد المستخدمة في عمليات البناء والتشطيب، لافتا إلى أن استمرار هذه المتغيرات قد يؤدي إلى زيادات إضافية في الأسعار خلال الفترة المقبلة.
أمر متوقع
وقال سامح الخولي، مسئول في شركة ليسيكو لصناعة السيراميك، إن الزيادات السعرية أصبحت أمرا متوقعا في معظم الشركات العاملة في القطاع خلال الفترة المقبلة، نتيجة الارتفاعات التي شهدتها الأسواق في أكثر من اتجاه سواء على المستوى العالمي أو المحلي.
وأوضح، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، أن العامل الأكثر تأثيرا في المرحلة الحالية يتمثل في ارتفاع سعر الدولار، خاصة أن جزءا كبيرا من مدخلات صناعة السيراميك يتم استيراده من الخارج، وهو ما يتطلب تدبير العملة الأجنبية لتوفير الخامات والمكونات اللازمة للإنتاج، مشيرا إلى أن ارتفاع سعر الدولار يؤدي بدوره إلى زيادة التكلفة الإجمالية لهذه المدخلات، الأمر الذي يفرض ضغوطا مالية إضافية على الشركات العاملة في القطاع.
وأضاف الخولي أن صناعة السيراميك تعتمد كذلك على الغاز الطبيعي كمصدر رئيسي للطاقة في تشغيل الأفران والمجففات وخطوط الإنتاج داخل المصانع، لافتا إلى أن سعر الغاز الطبيعي يتم تقييمه في الأساس بالدولار، وهو ما يعني أن أي ارتفاع في سعر العملة الأمريكية ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الطاقة المستخدمة في الصناعة ، موضحا أن هذا الارتباط بين سعر الغاز الطبيعي وسعر الدولار يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه شركات السيراميك في الوقت الحالي.
ومن جانب آخر، أكد منير زكريا، مسئول في شركة ألفا جروب للتنمية الصناعية العاملة في صناعة السيراميك، أن الشركة تأثرت بشكل كامل تقريبا بالتطورات الأخيرة في الأسواق، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار الوقود عالميا كان له تأثير مباشر على تكاليف التشغيل والنقل والشحن، وهو ما انعكس بدوره على أنشطة التصدير الخاصة بالشركة.
وقال زكريا، في تصريحات خاصة لـ«العقارية»، إن ارتفاع أسعار الوقود أدى إلى زيادة ملحوظة في تكاليف النقل والشحن البحري، وهو ما تسبب في ارتفاع تكلفة تصدير منتجات السيراميك إلى الأسواق الخارجية. وأضاف أن هذه الزيادة في تكاليف الشحن البحري فرضت ضغوطا إضافية على الشركات المصدرة، خاصة في ظل التزامات تعاقدية مسبقة مع بعض العملاء في الخارج.
الارتفاع الأخير
أما أيمن سامي، مدير شركة JLL في مصر للاستشارات العقارية، يرى إن الارتفاع الأخير في سعر الدولار قد يترك تأثيرًا على أداء ومبيعات القطاع العقاري خلال نتائج الربع الأول من العام، موضحًا أن هذا التأثير قد يظل في حدود محدودة في المدى القريب، لكنه قد يصبح أكثر وضوحًا وعمقًا في حال استمرار الضغوط على العملة المحلية وارتفاع سعر الدولار إلى مستويات أعلى، وبشكل خاص إذا وصل إلى مستوى 55 جنيهًا للدولار الواحد.
وأشار إلى أن سعر الدولار شهد بالفعل قفزة ملحوظة خلال الأيام الماضية بنسبة تقترب من 10 %، حيث سجل نحو 53 جنيهًا قبل أن يتراجع بنحو جنيه واحد ليصل إلى مستوى 52 جنيهًا، وهو ما يعكس حالة من التقلب النسبي في سوق الصرف قد تمتد آثارها إلى قطاعات اقتصادية متعددة، وفي مقدمتها القطاع العقاري الذي يتأثر بصورة غير مباشرة بتحركات العملة وتكاليف الإنتاج.
قفزة مفاجئة
ويقول عبد الحميد إمام، رئيس قسم البحوث المالية في شركة بايونيرز لتداول الأوراق المالية، إن القفزة الأخيرة في سعر الدولار أمام الجنيه المصري جاءت بشكل مفاجئ ، موضحًا أن هذا التحرك السريع في سوق الصرف يرتبط بشكل أساسي بخروج حجم كبير من الأموال الساخنة من السوق المصرية، وهو ما حدث بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية واندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشار إلى أن هذه التطورات خلقت حالة من الصدمة في الأسواق المالية، وهو ما انعكس بدوره على تحركات الأسعار داخل الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها سعر صرف الدولار أمام الجنيه، حيث اضطرت الأسواق إلى إعادة تسعير العديد من الأصول والسلع في ضوء هذه المتغيرات.
وأوضح إمام أن خروج الاستثمارات الأجنبية قصيرة الأجل من أدوات الدين المحلية عادة ما يؤدي إلى ضغوط على سوق الصرف، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تعتمد بدرجة ما على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، مشيرًا إلى أن ما حدث خلال الفترة الأخيرة يعد نموذجًا واضحًا لهذا التأثير، إذ أدى انسحاب جزء من هذه الأموال إلى زيادة الطلب على الدولار، ومن ثم ارتفاع سعره بصورة سريعة خلال فترة زمنية قصيرة.
انعكاس مباشر
ويقول مصطفى أمين، المحلل المالي في شركة برايم القابضة للاستثمارات المالية، إن الارتفاع الأخير في سعر الدولار، باعتباره العملة الرئيسية المستخدمة في عمليات الاستيراد في مصر، ينعكس بشكل مباشر على مستويات التضخم داخل الاقتصاد، موضحًا أن العلاقة بين تحركات سعر الصرف والتضخم تعد من العلاقات الاقتصادية الوثيقة في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتوفير جانب من احتياجاتها من السلع والمواد الخام.
وأشار إلى أن أي زيادة في سعر الدولار أمام الجنيه المصري تترجم في النهاية إلى ارتفاع في تكلفة العديد من مدخلات الإنتاج، وهو ما يؤدي بدوره إلى انتقال الضغوط التضخمية إلى أسعار السلع والخدمات في السوق المحلية.
وأوضح أمين أن تأثير ارتفاع سعر الدولار لا يتوقف فقط عند حدود السلع الاستهلاكية، بل يمتد كذلك إلى قطاعات إنتاجية رئيسية، وعلى رأسها قطاع مواد البناء، فجزء من مدخلات الطاقة المستخدمة في الصناعة، مثل الغاز الطبيعي، يتم تسعيره أو ربطه بالدولار في العديد من العقود، وهو ما يعني أن زيادة قيمة الدولار تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة هذه المدخلات.
وأشار أمين إلى أن بعض الشركات العقارية تقوم بالفعل بربط تسعير الوحدات العقارية بشكل غير مباشر بالدولار أو بالمؤشرات المرتبطة به، خاصة في ظل التقلبات التي يشهدها سعر الصرف خلال السنوات الأخيرة. كما أن ارتفاع معدلات التضخم يدفع في كثير من الأحيان شريحة من المستثمرين والأفراد إلى زيادة الطلب على العقارات باعتبارها أحد الأصول التي يمكن أن تحافظ على قيمة المدخرات. وبالتالي فإن الجمع بين عاملين، هما ارتفاع سعر الدولار وارتفاع التضخم، قد يؤدي إلى زيادة الطلب النسبي على الوحدات العقارية، الأمر الذي ينعكس بدوره على ارتفاع أسعارها في السوق.
وحول تأثير هذه التطورات على السوق العقارية في مصر، أوضح أمين أن ارتفاع سعر الدولار غالبًا ما يؤدي إلى زيادة الطلب على العقارات، لأن المستثمرين والأفراد ينظرون إلى العقار باعتباره أحد الأصول القادرة على التحوط ضد التضخم وتراجع قيمة العملة، وفي الوقت ذاته، فإن ارتفاع الدولار يرفع تكلفة تنفيذ المشروعات العقارية بالنسبة للمطورين، ما يخلق نوعًا من الضغوط المزدوجة في السوق، تتمثل في زيادة الطلب من جهة، وارتفاع التكاليف من جهة أخرى.
وأشار كذلك إلى أن التكاليف المرتبطة بالنقل واللوجستيات تمثل عنصرًا مهمًا في هيكل تكلفة المشروعات العقارية، إذ تعتمد عمليات البناء على نقل كميات كبيرة من مواد البناء والمعدات إلى مواقع المشروعات. ومع ارتفاع أسعار المحروقات، وزيادة تكلفة تشغيل وسائل النقل والشاحنات المستخدمة في نقل المواد، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة إضافية في تكلفة التطوير العقاري، خاصة في المشروعات الكبيرة التي تتطلب عمليات نقل مستمرة للمواد والمعدات.
وأكد أمين أن حركة الدولار تؤثر بدرجة كبيرة في السوق العقارية، لأن هذا السوق يرتبط بشكل وثيق بتكاليف الإنتاج في السوق المحلية، والتي تتأثر بدورها بتحركات سعر الصرف، وفي الوقت نفسه، فإن التضخم يدفع الكثير من الأفراد إلى التوجه نحو الاستثمار في العقار باعتباره ملاذًا آمنًا نسبيًا للحفاظ على القيمة الشرائية للأموال.
وأوضح أن المطور العقاري يواجه في هذه الظروف تحديًا رئيسيًا يتمثل في إدارة التكاليف، خاصة أن سعر المتر في المشروعات الجديدة قد يتغير مع كل مرحلة من مراحل التطوير، وتزداد هذه التحديات في المشروعات طويلة الأجل مثل المجتمعات السكنية المتكاملة أو الكومباوندات، التي قد تستغرق فترة تنفيذ تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام أو أكثر، وخلال هذه الفترة قد تشهد الأسواق تغيرات كبيرة في أسعار المواد الخام وسعر الصرف ومستويات التضخم، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على المطورين.
وفيما يتعلق بأسعار الطاقة، أشار أمين إلى أن ارتفاع أسعار المواد البترولية والغاز سيؤثر كذلك في تكاليف الإنتاج الصناعي ومواد البناء، ورغم احتمال أن تشهد هذه الأسعار تراجعًا لاحقًا إذا هدأت الأوضاع العالمية، إلا أنه من غير المتوقع أن تعود إلى مستوياتها السابقة بالكامل قبل الزيادات الأخيرة.
كما أوضح أن العديد من البنوك المركزية حول العالم قد تتجه في هذه الظروف إلى تجنب خفض أسعار الفائدة في الوقت الحالي، حتى إذا لم تقم برفعها، وذلك إلى حين اتضاح الرؤية بشأن تطورات التضخم وأسواق الطاقة، ويرتبط ذلك جزئيًا بالمشكلات اللوجستية التي تؤثر على سلاسل الإمداد العالمية، والتي قد تؤدي إلى ضعف المعروض من بعض السلع والمواد الخام، ومن ثم زيادة الطلب عليها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض