مع دخول الحرب على إيران، التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام الإيراني يومها العاشر، بدأت آثارها الاقتصادية والاجتماعية تظهر بشكل واضح على منطقة الشرق الأوسط وجميع الدول في العالم بسبب ارتفاع أسعار الطاقة التي ظهرت مع واحتمال استمرار العملية العسكرية لفترة طويلة.
لكن الحرب التي بدأتها أمريكا وإسرائيل تعاني من غموض مستمر حول أهدافها، حيث تتغير المواقف والرسائل الأمريكية وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما خلق ارتباكا كبيرا حول نقطتها النهائية.
ولمتابعة تطورات الحرب القائمة وتحليل سياسات واشنطن تجاه إيران والمنطقة، حاورت الجريدة "العقارية" عضو الحزب الجمهوري الأمريكي إيرينا تسوكرمان، للوقوف على الموقف الأمريكي الداخلي والدولي من الحرب، وفهم التحديات التي تواجهها الإدارة في سياساتها، بما في ذلك التناقضات في تصريحات ترامب حول استسلام إيران تحت الضغط، ودوره في دعم الأكراد وعدوله عنه، وسياسته العامة في المنطقة.
كيف ينظر المواطنون الأميركيون إلى حرب إيران التي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة؟
يعكس الرأي العام الأمريكي تجاه الحرب مزيجا من الدعم الاستراتيجي والإحباط الاقتصادي، حيث يقبل العديد من الأمريكيين الحجة القائلة بأن إيران تمثل خصما قديما تهدد أنشطتها الإقليمية حلفاء الولايات المتحدة واستقرارها في الشرق الأوسط.
ويمنح هذا التصور الإدارة الأمريكية مستوى أساسيا من الدعم السياسي للضغوط العسكرية، وفي هذا الإطار، يتم تقديم الحرب باعتبارها محاولة لكبح النفوذ الإيراني وإظهار الردع.
تداعيات الحرب على حياة الأمريكيين
أثر الحرب على الأمريكيين العاديين سرعان ما أصبح التأثير الاقتصادي واضحاً للأمريكين، حيث تعتبر أسعار الطاقة مؤشرا يوميا لعدم الاستقرار في الخليج العربي.
وعندما ترتفع أسعار البنزين والديزل، يربط الأمريكيون أن هذه الزيادات بسبب التوتر في الشرق الأوسط واحتمال استمرار الاشتباك العسكري لفترة طويلة، وبالتالي تصبح التكلفة ملموسة في ميزانيات الأسر وتشكل بشكل مباشر المواقف العامة الأمريكية تجاه الحرب.
العبء المالي للعملية العسكرية
تتطلب العمليات العسكرية تمويلًا لعمليات النشر والخدمات اللوجستية والعمليات الاستخباراتية وأنظمة الأسلحة، وعندما تصل هذه التكاليف إلى مليارات الدولارات، يبدأ المنتقدون في التشكيك في قيمة حملة عسكرية أخرى في الشرق الأوسط، ويتردد صدى هذا القلق بقوة لدى الأمريكيين الذين يتذكرون التكاليف المالية والبشرية الهائلة التي خلفتها الحروب في العراق وأفغانستان.
ولكن يظل الدعم أقوى بين الأمريكيين الذين يعطون الأولوية للأمن القومي والردع، ويعتقد العديد من هؤلاء أن مواجهة إيران عسكريا ترسل إشارة ضرورية للقوة إلى الخصوم والطمأنة إلى الحلفاء. وبالنسبة لهم، فإن التكلفة المالية تمثل ثمن الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي الأمريكي.
أهداف الحرب تتغير باستمرار
ينظر معظم الأمريكيين بشكل عام إلى الحرب بشكل سلبي لأن إدارة ترامب لم تشرح أهدافها أو غاياتها بوضوح، ولأن الأهداف المعلنة تتغير باستمرار. ففي لحظات مختلفة، وُصف الصراع بأنه ردع، أو عقاب، أو ضغط من النظام، أو إجبار على المفاوضات، أو إجبار على الاستسلام.
وأدى غياب تفسير الحرب على إيران إلى خلق حالة من الارتباك والتشكك بين الأمريكيين الذين يعتقدون بشكل متزايد أن الحرب تفتقر إلى هدف أو نقطة نهاية واضحة.
كيف تفسر الفجوة بين تصريحات ترامب حول احتمال استسلام إيران والواقع ؟
إن لغة ترامب بشأن استسلام إيران تعكس رواية زمن الحرب المصممة لإظهار القوة والحتمية. ومن خلال تقديم الصراع باعتباره صراعاً قد تجبر فيه الضغوط طهران على الاستسلام، حاولت الإدارة تصوير العمل العسكري الأميركي باعتباره حاسماً وساحقاً. ويهدف هذا الخطاب إلى إظهار الثقة لكل من الجماهير المحلية والمراقبين الدوليين.
وتعمل القيادة الإيرانية ضمن ثقافة سياسية مبنية على مقاومة الضغوط الخارجية، منذ الثورة الإسلامية، نصب النظام نفسه مدافعًا عن السيادة الإيرانية ضد التدخل الأجنبي، وإن الاستسلام العلني تحت الضغط العسكري الأميركي من شأنه أن يدمر هذه الرواية ويقوض شرعية النظام السياسي.
إيران تستعد للمواجهة مع الولايات المتحدة منذ عقود
كما استعدت إيران للمواجهة مع الولايات المتحدة منذ عقود. لقد استثمرت الدولة في قوات الصواريخ، والمرافق المحصنة، والشبكات الإقليمية الوكيلة التي تسمح لها بمواصلة ممارسة نفوذها حتى في ظل الضغوط العسكرية الشديدة. وتوفر هذه القدرات للقيادة عمقاً استراتيجياً وتجعل الاستسلام السريع أمراً مستبعداً للغاية.
إن النظام الإيراني مصمم للبقاء على قيد الحياة خلال فترات الضغوط الخارجية الشديدة، لان السلطة لا تعتمد على فرد واحد أو دائرة ضيقة من القادة، ويحافظ الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والفصائل السياسية بشكل جماعي على استمرارية النظام.
الفجوة بين الخطاب الأمريكي والواقع الإيراني
ولقد نشأت هذه الخطاب الأمريكي والواقع الإيراني، لأن الرسائل السياسية الأمريكية وصفت انهياراً سريعاً للعزيمة الإيرانية في حين اتبعت القيادة الإيرانية استراتيجية متوقعة من التحمل والتحدي.
ما أسباب تصريحات ترامب المتناقضة في الحرب على إيران؟
تعكس تصريحات ترامب مبالغة واضحة في تقدير الوضع وتعتقد الإدارة الأمريكية أن العرض الدراماتيكي للقوة العسكرية المقترن بإقالة كبار القادة الإيرانيين من شأنه أن يصدم النظام ويجبره على العودة إلى المفاوضات، ويرتكز هذا الاعتقاد على افتراض أن النظام الإيراني أكثر هشاشة مما هو عليه في الواقع.
وكان التوقع داخل واشنطن هو أن القضاء على علي خامنئي وعدد من كبار الشخصيات من شأنه أن يكسر إرادة النظام، وكان الافتراض هو أن إزالة المرشد الأعلى وأجزاء من هيكل القيادة العليا من شأنه أن يخلق حالة من الذعر داخل النظام السياسي، وكانت النتيجة المتوقعة هي أن المسؤولين المتبقين سيسعون إلى إجراء مفاوضات من أجل الحفاظ على النظام.
الإدارة الأمريكية أخطأت في تقديرتها
لقد أساء هذا الافتراض فهم كيفية عمل البنية السياسية الإيرانية، حيث تتوزع السلطة في إيران عبر المؤسسات بما في ذلك الحرس الثوري والسلطات الدينية وشبكة أمنية واسعة، حيث تم تصميم النظام للنجاة من خسائر القيادة والهجمات الخارجية، لإن إزالة الشخصيات البارزة لن يؤدي تلقائيا إلى انهيار الهيكل الحاكم.
كما أخطأت الإدارة الأمريكية في تقدير الأثر النفسي لمثل هذه الإضرابات. ويفسر المسؤولون الإيرانيون الهجمات على قيادتهم على أنها تأكيد للادعاء القائم منذ فترة طويلة بأن إيران تواجه عدواناً أجنبياً. وبدلاً من إثارة الذعر، فإن هذا يميل إلى خلق وحدة داخلية بين الفصائل السياسية التي تتنافس مع بعضها البعض.
قراءة خاطئة من ترامب
ولذلك تحدث ترامب علنا بعد الضربة الأولي حيث ظن أن النظام على وشك الانهيار، ولكن استمرار عمل النظام الإيراني كشف أن هذا التوقع كان مبنيا على قراءة خاطئة لقدرة النظام على الصمود.
لماذا اتسمت إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط بالتناقض وعدم الاتساق؟
كثيراً ما يصف المنتقدون سياسة إدارة ترامب في الشرق الأوسط بأنها متناقضة لأن القرارات المختلفة تبدو وكأنها تتحرك في اتجاهين متعاكسين، لانه في لحظة ما، تؤكد واشنطن على المواجهة مع إيران، وفي لحظة أخرى تعطي الأولوية للعلاقات مع تركيا أو دول الخليج أو الجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى، وهذه التحولات تخلق تصورا بعدم الاتساق.
ولكن الحقيقة أن إدارة ترامب تتعامل مع المنطقة من خلال أولويات متنافسة متعددة ويتم التعامل مع إيران بالاخص باعتبارها خصما استراتيجيا تسعى واشنطن إلى إضعافه، وفي الوقت نفسه، تحافظ الولايات المتحدة على علاقات أمنية مع الدول التي لديها منافساتها وأجنداتها الخاصة، ولهذا السبب تؤدي إدارة هذه العلاقات إلى إنتاج سياسات تتحرك في اتجاهات مختلفة اعتمادًا على الموقف.
أسلوب ترامب يؤثر على السياسة الخارجية
ويساهم أسلوب القيادة الشخصية لترامب أيضًا في إدراك التناقض غالبًا ما ينقل قرارات السياسة الخارجية بشكل مباشر وصريح، وتختلف هذه التصريحات عن اللغة الأكثر حذرا التي يستخدمها الدبلوماسيون والمسؤولون العسكريون.
يكمن عامل آخر في الطبيعة المعاملاتية لنهج ترامب في السياسة الخارجية. فهو يميل إلى التعامل مع العلاقات مع الحكومات الأجنبية من حيث الميزة الاستراتيجية المباشرة، وليس من حيث الالتزامات الأيديولوجية طويلة الأجل.
ونتيجة لذلك، قد تبدو السياسة الأمريكية متناقضة لكنها في الحقيقية تتكيف بسرعة مع الظروف والأولويات المتغيرة في مختلف أنحاء المنطقة.
لماذا عدل ترامب موقفه من دعم الأكراد في العمليات البرية ضد إيران رغم الاتصالات والتقارير الأمريكية؟
يعد استخدام ترامب للقوات الكردية في العراق قرارا تكتيكيا ومؤقتا مرتبطا على وجه التحديد بالعمليات المرتبطة بإيران، حيث توفر الجماعات الكردية في شمال العراق شريكا أرضيًا مناسبا لجمع المعلومات الاستخبارية والعمليات المحدودة ضد الأهداف المتحالفة مع إيران، بسبب موقعهم الجغرافي وعدائهم الطويل الجماعات المدعومة من إيران وهذا ما يجعلهم مفيدين لهذا الغرض.
النهج التكتيكي لأمريكا في أستخدام الجماعات الكردية
وهذا التعاون لا علاقة له بسياسة ترامب في سوريا، حيث تعطي الإدارة الأولوية للتسوية مع تركيا وهيكل الحكم الناشئ أحمد الشرع، لان أنقرة تنظر إلى الجماعات المسلحة الكردية في سوريا باعتبارها تهديدا أمنيا مباشرا، ولقد تعامل ترامب باستمرار مع الحفاظ على العلاقات التركية باعتباره أكثر أهمية من حماية الطموحات السياسية الكردية في سوريا.
وبالتالي فإن الفرق بين العراق وسوريا يعكس حسابا مباشرا، يمكن للجماعات الكردية في العراق أن تساعد في العمليات ضد إيران دون إثارة صراع كبير مع تركيا، وتقع القوات الكردية في سوريا مباشرة داخل المخاوف الأمنية التركية، وبالتالي تتلقى دعماً سياسياً أقل بكثير من واشنطن.
الوحدات الكردية مفيدة لأمريكا مؤقتًا
وينبغي فهم اتصالات ترامب مع الزعماء الأكراد في هذا السياق العملياتي الضيق، وتم التواصل لأن الوحدات الكردية كانت شركاء مفيدين مؤقتًا في الحملة المحددة المتعلقة بإيران، ولا يمثل هذا الاتصال التزاما سياسيا طويل الأمد باستقلال الأكراد أو حكمهم الذاتي.
تعاون قصير الأمد مع الجماعات الكردية
وبمجرد أن تتوقف هذه الجماعات الكردية عن أداء هذه الوظيفة التكتيكية فإن العلاقة سوف تنتهي، لقد استخدمت الولايات المتحدة القوات الكردية مرارا وتكرارا خلال عمليات محددة ثم نأت بنفسها عندما تغيرت الأولويات الاستراتيجية، ويتبع نهج ترامب نفس النمط من التعاون قصير الأمد الذي يعتمد بالكامل على المنفعة الفورية.
ما تعليقك على اتهام ترامب لإيران بقصف مدرسة البنات رغم تقارير عن تورط أمريكا وإسرائيل؟
لم يتم التحقق من صحة التقرير الذي يزعم أن القوات الأمريكية والإسرائيلية قصفت مدرسة البنات عمداً، حيث انتشرت الادعاءات المبكرة بسرعة عبر وسائل الإعلام والقنوات السياسية الإيرانية، إلا أن المعلومات الكامنة وراء تلك الادعاءات ظلت غير كاملة ومتنازع عليها، ولم يؤكد أي تحقيق فني قاطع هذا الاتهام ومازال التحقيق جاري فيها.
لكن الحقيقة أن إيران تحركت بسرعة لإلقاء اللوم على أمريكا وإسرائيل في الضربة لأنها تخدم غرضا سياسيا واضحا، إن تقديم الحادث على أنه هجوم متعمد على مدرسة سمح لطهران بتصوير الحملة الجوية على أنها متهورة وتشويه سمعة العملية العسكرية على المستوى الدولي، كما عززت هذه الرواية رسالة الحكومة الإيرانية الأوسع بأن البلاد تتعرض لهجوم أجنبي غير مبرر.
المواقع العسكرية في إيران تقع قرب المباني المدنية
كان الوضع خلال العملية الأمريكية الإسائيلية على الأرض أكثر تعقيدا، حيث تقع المدرسة بالقرب من منشآت مرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي، وكانت المنطقة المحيطة بها جزءًا من منطقة يتم فيها استهداف البنية التحتية العسكرية، وعندما توجد مواقع عسكرية بالقرب من المباني المدنية، فإن خطر إلحاق الضرر بالمباني القريبة يزداد بشكل كبير أثناء العمليات الجوية.
وأدت التقارير الاستخباراتية الإضافية في وقت لاحق إلى تعقيد الصورة بشكل أكبر، حيث في نفس الوقت تقريبًا الذي وقعت فيه الضربات الأمريكية الإسارئيلية، حاولت وحدات الدفاع الجوي الإيرانية اعتراض التهديدات الواردة، حيث تشير الأدلة الأمريكية إلى أن إحدى محاولات الاعتراض هذه باءت بالفشل وأن الحطام أو المعترض الموجه بشكل خاطئ اصطدم بالمنطقة المجاورة للمدرسة.
وهذا يعني أنه من المحتمل وقوع عدة أحداث في نفس المنطقة خلال نفس الفترة الزمنية، وكانت ضربات التحالف تضرب أهدافا عسكرية قريبة، وكانت الدفاعات الجوية الإيرانية تطلق صواريخ اعتراضية، وفشلت محاولة اعتراض واحدة على الأقل، أدى الجمع بين هذه العوامل إلى خلق حالة من الفوضى أصبح فيها تحديد السبب الدقيق للضرر أمرًا صعبًا للغاية.
ولذلك أصبح الحادث جزءًا من الصراع الإعلامي الأوسع المحيط بالحرب، وروجت إيران لرواية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المتعمد على مدرسة، في حين رفضت واشنطن هذا الادعاء وأشارت إلى تعقيد بيئة ساحة المعركة واحتمال أن تكون النيران الدفاعية الإيرانية قد ساهمت في الدمار.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض