واصلت أسعار الذهب تسجيل مستويات قياسية غير مسبوقة منذ مطلع العام الجاري، بعد أن صعدت بنحو 18% لتتجاوز حاجز 5100 دولار للأونصة، في استمرار لموجة صعود قوية بدأت خلال السنوات الأخيرة، بينما كان المعدن الأصفر قد حقق في عام 2025 وحده ارتفاعًا لافتًا بلغ نحو 65%، مسجلًا أسرع وتيرة نمو سنوية له منذ عام 1979، عندما قفزت أسعاره بأكثر من 127%.
عوامل متشابكة تدفع الذهب لمستويات قياسية
وبحسب وحدة التحليل المالي في صحيفة «الاقتصادية»، جاءت هذه القفزات مدفوعة بمجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها السياسات الاقتصادية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أسهمت في تعزيز حالة التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين العالمي، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الدولار الأمريكي واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن ترقب الأسواق لمزيد من تخفيضات أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وتضاف هذه العوامل إلى تداعيات عام 2025، الذي شهد فرض رسوم جمركية واسعة النطاق، خاصة في إطار النزاع التجاري مع الصين، إلى جانب الإغلاق الحكومي الأمريكي، فضلًا عن وصول أسواق الأسهم العالمية، ولا سيما الأمريكية، إلى مستويات قياسية ترجح احتمالات حدوث موجة تصحيح قادمة.
مشتريات قياسية من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار
ودفعت هذه التطورات مجتمعة البنوك المركزية حول العالم، إلى جانب صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب، إلى تنفيذ مشتريات قياسية من المعدن الأصفر، في وقت أسهمت فيه مراجعة البنوك الاستثمارية الكبرى لتوقعاتها بشأن أسعار الذهب في تعزيز شهية المستثمرين لمواصلة الشراء، باعتبار الذهب أحد أبرز أدوات التحوط في فترات الاضطراب.
موجة صعود ممتدة منذ 2022
وتأتي الارتفاعات الأخيرة امتدادًا لموجة صعود طويلة الأمد بدأت منذ نهاية عام 2022، حيث ارتفعت أسعار الأونصة بنحو 180% خلال هذه الفترة، كما تضاعفت قيمتها أكثر من أربع مرات خلال العقد الأخير، في حين تشير البيانات التاريخية إلى أن أسعار الذهب تضاعفت بنحو 250 مرة على مدار القرن الماضي، ما يعكس تحولا جذريًا في مكانته داخل النظام المالي العالمي.
الذهب يتحول من مخزن للقيمة إلى أصل استثماري
وأسهمت هذه المكاسب المتتالية في تغيير نظرة شريحة واسعة من المستثمرين إلى الذهب، حيث لم يعد يُنظر إليه فقط كمخزن للقيمة أو ملاذ آمن وقت الأزمات، بل أصبح يُقارن بشكل متزايد بالأسهم والسندات وغيرها من الأصول الاستثمارية، في ظل قدرته على تحقيق عوائد مرتفعة على المدى المتوسط والطويل.
سياسات ترمب تدعم صعود الذهب
وكانت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من بين أبرز المحركات لصعود الذهب، بعدما خلقت حالة من عدم اليقين العالمي، دفعت المستثمرين للجوء إلى الملاذات الآمنة، خاصة مع التوجه نحو خفض أسعار الفائدة، وهو ما يضعف عوائد السندات الأمريكية والودائع البنكية التي تنافس الذهب من حيث انخفاض المخاطر.
وتمثلت هذه السياسات، منذ عودة ترامب إلى السلطة مطلع العام الجاري، في تصعيد الحرب التجارية مع عدد من دول العالم، وعلى رأسها الصين، من خلال فرض رسوم جمركية قياسية، قبل التراجع عن بعضها لاحقًا، دون التوصل إلى هدنة شاملة بين الجانبين.
توترات سياسية وجيوسياسية متصاعدة
وشهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا في حدة التوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، على خلفية سعي ترمب لضم جرينلاند، إلى جانب التدخل العسكري في فنزويلا، والتهديد بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وهو ما زاد من قلق الأسواق العالمية، وعزز الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.
استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تحت الضغط
وتفاقمت حالة عدم اليقين مع تزايد الضغوط التي مارسها ترمب على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، مطالبًا بخفض أسعار الفائدة مرارًا، وهو ما أثار مخاوف بشأن استقلالية البنك المركزي، خاصة بعد إقالة أحد أعضاء المجلس وتعيين آخر صوّت لاحقًا لصالح خفض الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس في الاجتماع الأخير.
كما زادت هذه المخاوف بعد تعرض رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول لتحقيقات من قبل وزارة العدل الأمريكية، ما أعاد الجدل حول استقلالية السياسة النقدية الأمريكية إلى الواجهة.
تراجع الدولار يعزز مكاسب المعدن الأصفر
وفي ظل هذه الأجواء، واصل الدولار الأمريكي تراجعه بعد أن انخفض بأكثر من 9% خلال عام 2025، وهو ما شكّل دعمًا مباشرًا لأسعار الذهب، نظرًا للعلاقة العكسية التي تربط بين العملة الأمريكية والمعدن الأصفر، حيث يؤدي ضعف الدولار إلى جعل الذهب أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى.
مخاوف تصحيح في أسواق الأسهم
وفي الوقت نفسه، وصلت الأسهم الأمريكية إلى مستويات قياسية جديدة، ورغم صمودها أمام بعض المفاجآت الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، فإن المخاوف من موجة تصحيح محتملة دفعت المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في الذهب، تحسبًا لأي تراجعات حادة في أسواق المال.
التوترات الجيوسياسية العالمية مستمرة
ولا تزال التوترات الجيوسياسية العالمية تقدم دعمًا إضافيًا لأسعار الذهب، في ظل التصعيد المستمر في منطقة الشرق الأوسط، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية دون أفق واضح للحل، إلى جانب أزمات وتوترات أخرى في مناطق متعددة حول العالم.
خفض الفائدة وتوقعات بمزيد من التيسير النقدي
ومن شأن تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في حال تم، أن يقود إلى مزيد من التيسير النقدي وخفض إضافي لأسعار الفائدة، وهو ما يعزز بدوره جاذبية الذهب، خاصة مع تراجع العوائد المتوقعة على الأدوات الاستثمارية التقليدية.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد خفض أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس خلال عام 2025، في خطوة دعمت أسعار الذهب، وسط توقعات السوق بإجراء خفضين إضافيين خلال العامين المقبلين، ما يوفر دعمًا مستمرًا للمعدن الأصفر.
مشتريات قوية من البنوك المركزية
وأظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي أن البنوك المركزية واصلت مشترياتها القوية من الذهب، حيث بلغت المشتريات 45 طنًا خلال شهر نوفمبر وحده، في حين تواصل صناديق المؤشرات المتداولة المرتبطة بالذهب تسجيل تدفقات قياسية، ما يعكس ثقة متزايدة في المعدن كأداة تحوط طويلة الأجل.
توقعات متباينة لأسعار الذهب في 2026
وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، كانت متوسطات توقعات سبعة بنوك استثمار عالمية كبرى تشير بنهاية العام الماضي إلى شبه استقرار لأسعار الذهب خلال عام 2026 مع ميل طفيف للتراجع، عند مستويات تقارب 4300 دولار للأونصة، من بينها جي بي مورجان، مورجان ستانلي، بنك أوف أمريكا، جولدمان ساكس، باركليز، سيتي جروب، وفيتش.
إلا أن بنك جولدمان ساكس عاد ورفع توقعاته مؤخرًا إلى 5400 دولار للأونصة خلال عام 2026، فيما توقع الخبير الاقتصادي محمد العريان وصول الذهب إلى مستوى 6 آلاف دولار خلال الفترة المقبلة.
مجلس الذهب العالمي: مفاجآت محتملة رغم التوقعات
وأشار مجلس الذهب العالمي إلى أن تحركات الذهب خلال عام 2026 ستظل رهينة حالة الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، متوقعًا بقاء الأسعار ضمن نطاق محدود في حال عدم حدوث تغيرات جوهرية في المشهد العالمي، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الأسواق لا تخلو من مفاجآت قد تدفع الأسعار إلى مسارات غير متوقعة.
العناوين الرئيسية:
الذهب يحقق مكاسب تاريخية ويتضاعف 250 مرة خلال قرن
سياسات ترامب والتوترات الجيوسياسية تدفع المعدن الأصفر لمستويات قياسية
بنوك الاستثمار ترفع توقعاتها وسط استمرار موجة الصعود
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض