دخلت العلاقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبرى المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة مرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعد أن تحولت من شراكة يُفترض أنها قائمة على المصالح المتبادلة إلى صدام سياسي وقانوني مفتوح، تجلّى بوضوح في الدعوى القضائية التي رفعها ترامب ضد بنك «جي بي مورغان» ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، في مؤشر على تعقّد العلاقة بين الإدارة الأمريكية ووول ستريت رغم الوعود السابقة بتخفيف القيود التنظيمية ودعم القطاع المالي.
وفي خطوة وُصفت بأنها الأكثر تصعيدًا تجاه وول ستريت، تقدم ترامب بدعوى قضائية بقيمة 5 مليارات دولار، اتهم فيها أكبر بنك في البلاد بإغلاق عدد من حساباته الشخصية وحسابات شركاته بدوافع سياسية، مؤكدًا أن بنوك وول ستريت سعت خلال السنوات الماضية إلى تهميشه هو وعدد من الشخصيات المحافظة، وهي اتهامات نفتها «جي بي مورغان» وبنوك أمريكية أخرى بشكل قاطع.
صدام سياسي يربك حسابات وول ستريت
تعكس هذه المواجهة واقعًا معقدًا تعيشه المؤسسات المالية الكبرى، التي كانت تُعد من أبرز المستفيدين المتوقعين من أجندة ترامب الواسعة لتخفيف القيود التنظيمية، لكنها وجدت نفسها أمام سياسات متقلبة وغير متوقعة، وصلت في بعض الأحيان إلى مستوى العداء المباشر، وهو ما يهدد سمعتها ويؤثر على استقرار أعمالها، ويدفعها إلى إعادة النظر في استراتيجيات الضغط السياسي داخل واشنطن.
وفي هذا السياق، قال تود بايكر، الزميل البارز بجامعة كولومبيا، إن القطاع المصرفي بات يخسر بقدر ما يكسب في القضايا الكبرى، مشيرًا إلى أن الضغوط المستمرة والطابع العشوائي للتطورات السياسية بدأ يترك أثرًا واضحًا على علاقة البنوك بالإدارة الأمريكية.
سقف الفائدة ومخاوف «الكارثة الاقتصادية»
تزامنت الدعوى القضائية مع تهديدات أطلقها ترامب بفرض سقف لا يتجاوز 10% على أسعار الفائدة الخاصة ببطاقات الائتمان الاستهلاكية، وهو مقترح حذّر جيمي ديمون من أنه قد يمثل «كارثة اقتصادية» تهدد استقرار النظام المالي، خاصة في ظل تحركات منظمين تابعين لإدارة ترامب لتسهيل دخول شركات التكنولوجيا المالية والعملات المشفرة إلى سوق الخدمات المصرفية، بما يسمح لها بمنافسة البنوك التقليدية بشكل مباشر.
وفي المقابل، أكد البيت الأبيض، عبر المتحدث باسمه كوش ديساي، أن إدارة ترامب تفي بتعهداتها من خلال دعم الأسواق المالية وتقليص القيود غير الضرورية، بهدف تسريع النمو الاقتصادي وتعزيز كفاءة النظام المالي الأمريكي.
وامتنع بنك «جي بي مورغان» عن الإدلاء بتعليق موسع، مكتفيًا بالتأكيد على أن الدعوى لا تستند إلى أساس قانوني، مشيرًا إلى احترامه لحق الرئيس في اللجوء إلى القضاء، وحقه في الدفاع عن نفسه، مع التأكيد على أن البنك لا يُغلق الحسابات لأسباب سياسية أو دينية.
اتهامات متكررة وإجراءات قانونية متبادلة
لم يكن «جي بي مورغان» الهدف الوحيد لتصعيد ترامب، إذ شملت تحركاته مؤسسات مصرفية أخرى، حيث رفعت «منظمة ترامب» دعوى قضائية ضد شركة بطاقات الائتمان «كابيتال وان» متهمة إياها بإغلاق حساباتها لأسباب سياسية، كما وجّه ترامب انتقادات حادة إلى الرئيس التنفيذي لبنك «أوف أميركا» براين موينيهان، متهمًا البنك بما وصفه بـ«إلغاء التعامل المصرفي»، ومشيرًا إلى رفضه فتح حساب له في أغسطس 2025.
وتؤكد البنوك الأمريكية الكبرى بشكل متكرر أنها لا تمارس أي تمييز سياسي أو عقائدي في التعامل مع العملاء، وفي السياق نفسه، سبق لترامب أن هاجم الرئيس التنفيذي لبنك «غولدمان ساكس» ديفيد سولومون بسبب موقف البنك المتحفظ من السياسات الجمركية، دون أن تصدر البنوك المعنية ردودًا تفصيلية، إذ امتنعت كل من «أوف أميركا» و«غولدمان ساكس» عن التعليق، فيما لم تقدم «كابيتال وان» ردًا فوريًا.
ويرى نيكولاس أنتوني، محلل السياسات في معهد «كاتو»، أن هذا التصعيد قد يدفع البنوك الكبرى إلى توخي مزيد من الحذر خلال المرحلة المقبلة، مؤكدًا أنها لم تعد تواجه فقط مخاطر الإجراءات التنظيمية الانتقامية، بل باتت عرضة أيضًا لدعاوى قضائية مباشرة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد المالي والسياسي في الولايات المتحدة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض