الهند وأوروبا على أعتاب «أم الصفقات» التجارية وسط تحولات اقتصادية عالمية كبرى


الجريدة العقارية السبت 24 يناير 2026 | 05:23 مساءً
زعماء اوروبا
زعماء اوروبا
حسين أنسي

تتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى نيودلهي، حيث يترقب المراقبون ما قد يكون واحدة من أكبر الاتفاقيات التجارية في العالم، مع اجتماع قادة الاتحاد الأوروبي برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في خطوة تعكس رغبة متبادلة بين الجانبين في إعادة رسم ملامح الشراكة الاقتصادية والسياسية، في ظل اضطرابات متزايدة تشهدها منظومة التجارة العالمية. 

وتأمل الهند وأوروبا في إبرام ما وصفه مسؤولون بـ«أم الصفقات»، في إشارة إلى اتفاقية تجارة حرة ضخمة طال انتظارها، من شأنها أن تُحدث تحولًا استراتيجيًا في علاقات الطرفين.

مفاوضات استمرت عقدين واقتربت من لحظة الحسم

تتفاوض الهند والاتحاد الأوروبي منذ ما يقرب من عشرين عامًا على اتفاقية تجارة حرة شاملة، ورغم تعثر المحادثات في فترات سابقة بسبب الخلافات حول الرسوم الجمركية ومعايير الجودة وحماية القطاعات الحساسة، فإن الأجواء الحالية توحي بقرب التوصل إلى اتفاق نهائي. 

وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الجانبين يقفان على أعتاب اتفاقية تجارية تاريخية، تعكس حجم الطموح المشترك لتعزيز التعاون الاقتصادي وفتح أسواق جديدة في مواجهة التحديات العالمية المتصاعدة.

«أم الصفقات»… لماذا تحظى بكل هذا الزخم؟

يمثل إبرام هذه الاتفاقية، التي وصفها وزير التجارة الهندي بيوش غويال بأنها «أم الصفقات»، مكسبًا استراتيجيًا لكل من بروكسل ونيودلهي، في وقت يسعى فيه الطرفان إلى تقليل الاعتماد على الشركاء التقليديين، في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية المتزايدة، والقيود الصينية المفروضة على الصادرات. 

وتأتي هذه التحركات في سياق بحث القوى الاقتصادية الكبرى عن بدائل أكثر استقرارًا ومرونة، بما يضمن استدامة سلاسل الإمداد وتنويع الشراكات التجارية.

قمة سياسية واقتصادية تتجاوز التجارة

ومن المقرر أن تحضر أورسولا فون دير لاين، إلى جانب رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، احتفالات يوم الجمهورية الهندية، قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي والهند، حيث يُنتظر أن تشكل الاتفاقية محورًا رئيسيًا للمباحثات. وفي هذا السياق، أكدت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، أن التقارب بين الاتحاد الأوروبي والهند يأتي في لحظة يتعرض فيها النظام الدولي القائم على القواعد لضغوط غير مسبوقة، نتيجة الحروب، والإكراه السياسي، والتفكك الاقتصادي العالمي.

تحولات جيوسياسية تعيد رسم خريطة الشراكات

ويرى محللون أن الغزو الروسي لأوكرانيا، إلى جانب السياسات التجارية العقابية التي انتهجتها الولايات المتحدة خلال فترات سابقة، أسهما في إعطاء دفعة قوية للعلاقات بين الهند والاتحاد الأوروبي. 

وقال برافين دونثي، من مركز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية، إن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى السوق الهندية بوصفها فرصة استراتيجية، ويسعى في الوقت نفسه إلى توجيه قوة صاعدة مثل الهند بعيدًا عن الاعتماد المفرط على روسيا، بينما تعمل نيودلهي على تنويع شراكاتها الدولية، في إطار استراتيجيتها القائمة على تعدد التحالفات، خاصة في ظل تراجع زخم علاقاتها مع واشنطن في بعض الملفات.

أرقام تعكس إمكانات غير مستغلة

ويُعد الاتحاد الأوروبي والهند معًا كتلة اقتصادية وديموغرافية هائلة، إذ يمثلان نحو ربع سكان العالم وناتجه المحلي الإجمالي. وبلغ حجم التبادل التجاري الثنائي في السلع بين الجانبين نحو 120 مليار يورو في عام 2024، بزيادة تقارب 90% خلال العقد الماضي، وفقًا لإحصاءات الاتحاد الأوروبي، إلى جانب 60 مليار يورو في تجارة الخدمات. 

ورغم هذه الأرقام، لا تزال الهند تمثل نحو 2.5% فقط من إجمالي تجارة الاتحاد الأوروبي في السلع، مقارنة بنحو 15% للصين، وهو ما يعكس، بحسب مسؤولين أوروبيين، حجم الإمكانات غير المستغلة التي يمكن أن تفتحها الاتفاقية المرتقبة.

مكاسب متبادلة وتحديات قائمة

ويرى خبراء أن شركات السيارات والآلات والمواد الكيميائية الأوروبية ستكون من أبرز المستفيدين من خفض الهند لحواجز الدخول إلى السوق، في ظل ما يُعرف عن الاقتصاد الهندي من نزعة حمائية وفرض تعريفات جمركية مرتفعة، حتى على المنتجات التي يتمتع فيها الاتحاد الأوروبي بميزة تنافسية. 

وفي المقابل، يسعى الاتحاد الأوروبي، الذي يواجه تحديات اقتصادية داخلية، إلى تسهيل صادرات النبيذ وتعزيز قوانين الملكية الفكرية، بينما تطمح الهند، بوصفها أسرع الاقتصادات الكبرى نموًا في العالم، إلى توسيع نفاذ منتجاتها، لا سيما المنسوجات والأدوية، إلى الأسواق الأوروبية.

اتفاقيات موازية تشمل الدفاع والتنقل

وبينما لا تزال تفاصيل الاتفاقية طي الكتمان بسبب استمرار المفاوضات، تشير مصادر مطلعة إلى أن قطاع الزراعة، الحساس في كلا الجانبين، سيلعب دورًا محدودًا، مع حرص الهند على حماية قطاعي الألبان والحبوب. كما تتركز النقاشات حول قضايا عالقة، من بينها تأثير ضريبة الكربون الحدودية الأوروبية على صادرات الصلب الهندية، ومعايير السلامة والجودة في قطاعي الأدوية والسيارات. 

وإلى جانب الاتفاقية التجارية، يتضمن جدول الأعمال اتفاقًا للتنقل يهدف إلى تسهيل حركة العمال الموسميين والطلاب والباحثين والمهنيين ذوي المهارات العالية، فضلًا عن اتفاقية أمنية ودفاعية تنص على تعاون أوثق في مجالات الأمن البحري والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب، وقد تُعد شرطًا أساسيًا لفتح الباب أمام الإنتاج المشترك للمعدات العسكرية.