في توقيت مفصلي يمر به الاقتصاد، وبينما يقف القطاع العقاري على أعتاب مرحلة «الفرز الكبري»، يأتي حديث المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري، ليضع النقاط على الحروف ويرسم خارطة طريق واقعية لمستقبل «صناعة الأمل» في مصر، بصفته المسؤول الأول عن تمثيل آلاف المطورين تحت مظلة الغرفة، وبخبرة ميدانية تمتد لعقود، لا يتحدث شكري بلغة الأرقام الصماء فحسب، بل برؤية تحليلية ثاقبة تفرق بوضوح بين «طفرة الخوف» التي شهدها عام 2024 وبين «النمو الصحي» المرتقب في 2025 و2026.
في هذا الحوار، يفتح شكري ملفات شائكة تتصدر اهتمامات الشارع، من أزمات تأخر التسليم وتعثر بعض الشركات، إلى جدلية «العقود الموحدة» وحسابات الضمان التي يطالب بها العملاء، وبمنتهى الشفافية، يقر شكري بوجود فجوة تسببت فيها تقلبات سعر الصرف، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن «سمعة المطور» هي العملة الأغلى، وأن تحميل العميل فروق التكلفة هو خط أحمر يهدد فلسفة الاستثمار العقاري من جذورها.
ينقلنا شكري من تشخيص التحديات إلى استشراف الفرص، حيث يرى في «تصدير العقار» والتحول نحو «الإسكان الفندقي» قاطرة نمو قادرة على جذب مليارات الدولارات، مؤكدًا أن مصر تظل «أرض الفرص» بشهادة المستثمرين الإقليميين، كما يطرح رؤية طموحة لإصلاح منظومة التمويل العقاري، واصفًا إياها بـ «الحل السحري» لضبط إيقاع السوق وتلبية احتياجات الطبقة المتوسطة.. هذا حوار يمزج بين لغة الاستثمار ومسؤولية التنظيم، ويقدم إجابات حاسمة لمن يتساءل: إلى أين يتجه العقار في مصر؟
2026 عام الفرز الطبيعي وكشف المطور الجاد من الكيانات الهشة
أرقام مبيعات القطاع العقاري في 2024 لن تتكرر
80% من الأزمات تتركز في شركتين أو ثلاث فقط.. وأكثر من 15,500 شركة تطوير عقاري تعمل دون أزمات جوهرية
حققنـا تصديـر عقـار بـ 2 مليـار دولار والنمــو الســـكاني يحافظ على الطلـب المســتمر
كيف تقيمون المشهد العام للسوق العقاري المصري خلال عام 2025، خاصة فيما يتعلق بحركة المبيعات واستدامة النمو في ظل ما شهده القطاع من تقلبات استثنائية خلال العامين الماضيين؟
عند قراءة المشهد العقاري في عام 2025، لابد من التحلي بقدر كبير من الموضوعية والتمييز بين السنوات الاستثنائية والسنوات الطبيعية ، من وجهة نظري، لا يمكن بأي حال من الأحوال اتخاذ عام 2024 معياراً للمقارنة أو القياس ، لأنه كان عاماً غير تقليدي بكل المقاييس، وقد شهد هذا العام اندفاعاً واسعاً من المواطنين نحو شراء العقار بدافع الخوف على قيمة العملة، وليس بناءً على قرارات استثمارية مدروسة أو احتياج فعلي، وهو ما أفرز أرقاماً غير قابلة للتكرار أو البناء عليها مستقبلاً.
إن المقارنة العادلة والمنطقية يجب أن تتم مع أعوام مستقرة نسبياً مثل 2021 و2022 و2023. وهنا يمكننا القول بثقة إن السوق العقاري في 2025 يحقق نمواً جيداً ومنطقياً على مستوى المبيعات ، وهذه الرؤية لا تنطلق من زاوية شركة أو شريحة بعينها بل من منظور شامل؛ خاصة أننا في غرفة التطوير العقاري نمثل القطاع رسمياً، إذ يلزم القانون أي مطور عقاري بالقيد داخل الغرفة، بما يعني أننا نضم شركات صغيرة ومتوسطة وكبيرة، ونعكس صورة حقيقية لكامل السوق وليس جزءاً منه.
هل تعتقدون أن الطفرة البيعية في 2024 أثرت سلباً على الطلب في 2025 ؟
من المهم الإشارة إلى أن جزءاً من طفرة 2024 كان بمثابة سحب للطلب المستقبلي، بمعنى أن تجاوز الطاقة البيعية الطبيعية للسوق في عام واحد يؤدي بالضرورة إلى قدر من التشبع النسبي في العام التالي. فإذا كان السوق قادراً بطبيعته على بيع 100 ألف وحدة سنوياً وارتفعت المبيعات إلى 120 ألف وحدة في عام استثنائي، فإن هذه الزيادة تكون قد اقتطعت من طلب الأعوام التالية، وهذا ما يجعل القراءة الحالية للمشهد في 2025 «بعد استبعاد 2024» قراءة مستقرة ومتوازنة ومنطقية.
أما على مستوى القطاع ككل، فأنا أرى أن السوق العقاري المصري قوي بطبيعته ومستقر بعوامل حقيقية وليس استقراراً شكلياً أو مؤقتاً. أول هذه العوامل هو النمو السكاني، حيث يضاف إلى السوق نحو 2 مليون مواطن سنوياً، وهو ما يخلق طلباً حقيقياً ومستمراً على السكن ، أما العامل الثاني فيتمثل في الثقافة المتجذرة لدى المصريين بالارتباط بالعقار سواء كمسكن أو كأداة استثمار، وهي ثقافة أثبتت نجاحها عبر عقود طويلة ، إذ لم يشهد السوق العقاري المصري حالة خسارة حقيقية للمستثمرين في العقار على مدار الـ 30 أو 40 عاماً الماضية.
وماذا عن البعد الإقليمي والدولي للسوق العقاري المصري حالياً؟
هذا هو العامل الثالث وربما الأهم؛ فالسوق العقاري المصري بات سوقاً واعداً على المستوى الإقليمي والدولي، وهو ما يتجلى بوضوح في أرقام تصدير العقار، فبعد أن كنا نتحدث عن 500 مليون دولار فقط، قفزت هذه الأرقام إلى نحو 2 مليار دولار، أي 4 أضعاف في فترة زمنية قصيرة، وهو نمو شديد الدلالة، كما نرى اهتماماً متزايداً من شركات كبرى إماراتية وقطرية بالاستثمار في مصر مع توقعات بتعاقدات جديدة مع دول خليجية أخرى خلال الفترة المقبلة ، كل هذه المؤشرات تؤكد عنواناً واحداً لا خلاف عليه هو أن «مصر هي أرض الفرص الحقيقية للاستثمار العقاري»، والدليل أن هذه القناعة لا تصدر عن أطراف محلية فقط بل عن مستثمرين إقليميين كبار يستندون إلى أرقام وربحيات واضحة تدفعهم للتوسع بثقة.
في ظل تصاعد الجدل حول تعثر بعض المشروعات وتأخر التسليم كيف ترون تأثير هذا الضجيج الإعلامي على سمعة السوق؟ وما رؤيتكم لتصحيح المسار؟
دعني أبدأ من نقطة بالغة الأهمية، وهي أن السوشيال ميديا والإعلام يسلطان الضوء على الحالات الاستثنائية والملفات الساخنة، فتبدو أكبر بكثير من حجمها الحقيقي. نعم هناك مطورون تعثروا وهناك عملاء لم يستلموا وحداتهم، وهؤلاء المتضررون من حقهم الكامل أن يرتفع صوتهم، وأنا شخصياً أكن كل الاحترام لهذه الحالات وأسعى بكل قوة للمساهمة في حلها. لكن من الضروري أن ننظر إلى الصورة الكلية بنسبية وموضوعية؛ فعندما يكون لدينا مئات الآلاف من العملاء الذين تسلموا وحداتهم دون مشكلات، وفي المقابل بضعة آلاف لديهم أزمات، فإن هؤلاء المتضررون يصبحون الأكثر ظهوراً، بينما يظل المشهد الإيجابي الواسع أقل ضجيجاً. وهنا تكمن خطورة التعميم؛ لأن تضخيم بعض الحالات الفردية قد يخلق انطباعاً غير دقيق بأن السوق بأكمله يعاني أزمة هيكلية، وهو أمر غير صحيح.
هل توجد أرقام محددة تعكس حجم هذه الأزمة في السوق؟
أنا متفق تماماً مع فكرة القياس بالنسب. فإذا كنا أمام 1 % أو 2 % فقط من السوق لديهم مشكلات، فحتى هذه النسبة تستحق الاهتمام والمعالجة لأننا نتعامل مع بشر وحقوق، لكن دون الإساءة لسمعة سوق ناجح. وعندما قمنا بتحليل الأزمات المثارة مؤخراً، وجدنا أن ما يقرب من 80 % من هذه المشكلات يتركز في شركتين أو ثلاث شركات فقط. في المقابل، نحن نتحدث عن أكثر من 15,500 شركة تطوير عقاري مسجلة رسمياً داخل الغرفة. وحتى إذا افترضنا جدلاً أن 1 % من هذه الشركات لديها مشكلات، فنحن نتحدث عن نحو 150 شركة، وهو رقم يستوجب الرقابة لكنه لا يعكس صورة السوق بأكمله.
ما هي المحاور الأساسية التي تقترحونها كحل جذري لضبط السوق وحماية المشتري؟
الحل يكمن في محورين أساسيين. المحور الأول هو إنشاء اتحاد المطورين العقاريين، وهو كيان سيكون له دور تنظيمي أوسع من الغرفة؛ حيث سيتولى تصنيف المطورين إلى 7 أو 8 فئات، هذا التصنيف سيمنح العميل شفافية، بحيث يعرف هل يتعامل مع مطور حديث العهد قليل الخبرة في فئة متأخرة ويتحمل مخاطرة أعلى مقابل سعر أقل، أم يتعامل مع مطور من الفئة الأولى لديه سجل طويل وملاءة مالية، والمحور الثاني يتمثل في الصلاحيات الرقابية والعقابية للاتحاد؛ فالمطور الذي يثبت تقصيره لسنوات سيتم تخفيض تصنيفه، وقد يصل الأمر إلى سحب الرخصة. وهناك بعد ثالث هو ربط تخصيص الأراضي بهذا التصنيف؛ فلا يحصل مطور فئة متأخرة على مئات الأفدنة، بل يبدأ بمساحات محدودة وإذا نجح يتم منحه فرصاً أكبر تدريجياً، هذا التدرج يحمي السوق والمطور والعميل، أما المحور الثالث فهو سيناريوهات التعامل مع تعثر المطورين وضمان الحقوق
في حال استمرار تعثر بعض المطورين ما هي المسارات المطروحة للتنسيق مع وزارة الإسكان لضمان حقوق العملاء؟
أي عميل لديه عقد ولم يستلم وحدته له حق كامل لا يقبل الجدل، وهناك ثلاث مسارات للتعامل مع هذا التعثر: المسار الإداري والتنظيمي: مرتبط بدور الحكومة وهيئة المجتمعات العمرانية ، هذه الجهات لديها قواعد تمكنها من التدخل المباشر عند التعثر، وقد يصل الأمر لسحب المشروع وإسناده لمطور آخر أكثر كفاءة ، هذا السيناريو طُبق بالفعل وأسهم في إحداث انفراجة عبر نقل الولاية لمطور حسن السمعة يستكمل المشروع ويلتزم تجاه المشترين ، المسار القانوني: القانون المصري قوي في تعامله مع هذه الملفات جنائياً (للمطور الذي لم يبدأ البناء) ومدنياً (للملتزم بالتنفيذ دون التسليم)، ورغم طول الإجراءات أحياناً، إلا أن هناك أحكاماً منصفة صدرت للعملاء ، مسار السمعة: وهو الأكثر حسماً؛ فسمعة المطور هي رأس ماله ، المطور المتضرر سمعته لن يحصل على أراضٍ جديدة وسيواجه «بلوك» غير معلن من العملاء والمقاولين والبنوك، مما يجعل استمراره في السوق شبه مستحيل. ونحن في حوار مستمر مع رئيس الوزراء ووزارة الإسكان، والوزارة بدأت بالفعل فحص حالات الشركات المتعثرة ووضعت حلولاً عملية لتصحيح المسار.
يطالب العملاء بـ «عقد موحد» و«حساب ضمان» (Escrow Account).. ما مدى إمكانية تطبيق هذه المطالب عملياً؟
فيما يخص العقد الموحد، يجب أن نكون واقعيين؛ فهذا الطرح يبدو نظرياً أكثر منه تطبيقياً ،لا توجد دول تطبق نموذج العقود الموحدة بالمعنى الحرفي، لأن العقود تعكس أوضاعاً مختلفة لكل شركة من حيث مراحل التنفيذ ونمط التمويل ، لا يمكن مساواة شركة ضخمة ذات تاريخ طويل بشركة حديثة العهد وفرض نفس العقد حرفياً. لكن المبدأ الأساسي هو «توازن الحقوق»، فيجب أن يتضمن أي عقد بنوداً جوهرية لا غنى عنها تحفظ حق العميل مثل: توصيف الوحدة، المساحة، جدول التسليم، والجزاءات.
أما حساب الضمان، فنجاحه يرتبط بمنظومة تمويل عقاري متكاملة حيث تمول البنوك المشروع وتراقب التنفيذ هندسياً وتتحمل فجوة التمويل، هذا النموذج لا تتوافر مقوماته الكاملة في مصر حالياً؛ لأن البنوك تدرس كل حالة على حدة وفق تقييم المخاطر، كما أن منظومة التمويل العقاري تعاني من تحديات ارتفاع الفائدة وتعقد الإجراءات، مما يغيب المحرك الأساسي لحسابات الضمان وهو تحويل قرض المطور إلى تمويل مستدام للمشترين.
حدث ارتباك بعد تعديلات أسعار فائدة التمويل العقاري في أكتوبر 2025، ما رأيكم في هذا التعطيل وتأثيره؟
نحن نتحدث هنا عن شريحة ضيقة (التمويل الاجتماعي والمتوسط). المشكلة لم تكن في رفع الفائدة (من 3 % لـ 8 % أو من 8 % لـ 12 %) بل في «عنصر المفاجأة» الذي أربك العملاء. ورغم ذلك، تظل فائدة 8 % أو 12 % أقل بكثير من الفائدة التجارية (25 %) ، المشكلة الأكبر هي جوهر المنظومة ككل؛ فنحن نحتاج إرادة من البنك المركزي لتفعيل التمويل العقاري لأنه الحل الشامل. القضية المحورية في السوق هي «قيمة القسط» وليست السعر الإجمالي؛ فالمطورون لجأوا لأنظمة سداد لـ 12 عاماً لخلق نقطة تلاقي مع قدرة العميل. التمويل العقاري يوفر قسطاً متوازناً للعميل وتدفقاً نقدياً للمطور عند التسليم. لذا اقترحت إطلاق برنامج بـ «فائدة متدرجة» (8 % حتى 100م، %10 حتى 150م، 12 % حتى 200م) لخدمة الفئة المتوسطة ومنع المضاربة.
كيف تقيمون مستقبل القطاع في 2026؟ وهل سيكون عاماً للتحديات أم الفرص؟
عام 2026 هو عام مفصلي وقوي، وسيكون أفضل من 2025 من حيث النضج والاستقرار ، سيشهد هذا العام استكمال مسار «الفرز الطبيعي» ، حيث سيظهر المطور الجاد الملتزم وتنكشف الكيانات الهشة. وعي العميل سيتغير؛ فلن يعتمد على الحملات التسويقية بل على السؤال: «هل هذه الشركة تسلم بالفعل؟». التاريخ التنفيذي للمطور هو الفيصل.
ما هي نصيحتكم للمطورين لتعزيز جاذبية السوق وجذب المستثمر الأجنبي؟
السوق المصري جاذب بطبيعته باستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار وتصدير عقاري بـ 2 مليار دولار. لكن على المطور التركيز على عاملين: الأول هو التنفيذ؛ فلا يجب أن يتحول الأمر لسباق مبيعات فقط. المنهج الصحيح هو التوازن؛ بيع نسبة (20-30 %) ثم البدء في التنفيذ ومراقبة التكلفة خطوة بخطوة، الثاني هو الالتزام بثبات السعر التعاقدي؛ أنا أرفض تحميل العملاء فروق التكلفة بعد تغير سعر الصرف لأن ذلك يهدم أساس الاستثمار العقاري. الشركات التي تحملت خسائر ضخمة حفاظاً على سمعتها هي التي ستجذب المستثمر الذي يبحث عن سوق يحترم تعاقداته.
بخصوص «الإسكان الفندقي» ما هي نصيحتكم لضمان منتج حقيقي؟
المنتج الفندقي يحتاج وعياً؛ فهو إما وحدات مدارة بعلامة فندقية معروفة وتُصمم وفق مواصفات المشغل منذ اللحظة الأولى، أو «سيرفس أبارتمنت» وهو الأخطر إذا غاب عنه المشغل المحترف. نحن في الغرفة نسقنا مع الحكومة لتنظيم «بيوت الإجازات» والسماح بتغيير النشاط لإسكان فندقي دون رسوم لتنظيم النشاط وضمان جودته، لأن تجربة السائح هي سمعة مصر السياحية ولا يمكن التعامل معها كمجرد بيع عقاري.
أخيراً.. أين تكمن المناطق الواعدة في 2026؟
لدينا ثلاثة محاور: الساحل الشمالي الذي يتحول لمنطقة جذب عالمية خاصة للوحدات الفندقية الفاخرة ،غرب القاهرة بفضل المتحف المصري وتطوير منطقة الأهرامات حيث قفزت القيم الإيجارية بشكل ملحوظ. والعاصمة الإدارية الجديدة التي ستكون محط اهتمام كبير في 2026؛ فبعد 10 سنوات من إطلاقها واكتمال البنية التحتية والاتصال بالتجمع الخامس، أصبحت العاصمة مقصدًا حقيقيًا للسكن والعمل ونقطة انطلاق استثمارية لا غنى عنها.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض