في خطوة استراتيجية تعزز التعاون الإقليمي، وقعت مصر وسوريا في الخامس من يناير 2026 مذكرتي تفاهم لتعزيز الشراكة في قطاع الطاقة.
تهدف المذكرة الأولى إلى توريد الغاز الطبيعي المصري إلى سوريا عبر "خط الغاز العربي" لتشغيل محطات توليد الكهرباء، بينما ركزت المذكرة الثانية على تأمين احتياجات دمشق من المنتجات البترولية.
وجاءت هذه التفاهمات خلال مباحثات رفيعة المستوى بين المهندس كريم بدوي، وزير البترول المصري، ووفد سوري بقيادة غياث دياب نائب وزير الطاقة، حيث أبدى الجانب المصري استعداداً كاملاً لنقل الخبرات الفنية وإعادة تأهيل البنية التحتية السورية المتهالكة.
فجوة استهلاكية تتجاوز 20 مليون متر مكعب
رغم التفاؤل الرسمي، يرى مراقبون وخبراء اقتصاد أن الاتفاق يمثل "مسكناً" للأزمة وليس حلاً جذرياً لها. فبالنظر إلى لغة الأرقام، تراجع إنتاج الغاز في سوريا من 30 مليون متر مكعب يومياً قبل عام 2011 إلى نحو 7 ملايين متر مكعب حالياً، في حين يبلغ الطلب الفعلي لتوليد الكهرباء نحو 30 مليون متر مكعب يومياً.
هذه الفجوة التي تتجاوز 20 مليون متر مكعب يومياً هي المتسبب الرئيسي في الانقطاعات المزمنة للتيار الكهربائي، خاصة وأن الغاز يمثل 58% من وقود محطات التوليد السورية.
خط الغاز العربي.. الرهان الفني وجدوى التوريد
يظل "خط الغاز العربي" هو المسار الأكثر جاهزية لتنفيذ هذا الاتفاق، بقدرة تصميمية تصل إلى 15 مليار متر مكعب سنوياً.
وبحسب الخبراء، فإن الغاز المصري سيوجه بشكل أساسي إلى محطات مثل "دير علي"، مما قد يحسن التغذية الكهربائية في دمشق والمنطقة الجنوبية بشكل فوري.
ومع ذلك، تبقى الكميات الفعلية مرهونة بالتمويل؛ حيث يتوقع أن يبدأ الضخ بمليار متر مكعب سنوياً أو أقل في المراحل الأولى، مع احتمالات لزيادة الإمدادات حال تأمين دعم مالي من جهات دولية أو إقليمية لتغطية تكاليف الصيانة والتشغيل.
تحديات الاستدامة.. عقبات تقنية وقيود تمويلية
تواجه آفاق الاستدامة لهذا الاتفاق تحديات معقدة، تبدأ من ضرورة إعادة بناء المنشآت المتضررة في دير الزور والحسكة، وصولاً إلى تعقيدات العقوبات الدولية وصعوبة توفير قطع الغيار.
كما أن زيادة النشاط الاقتصادي وعودة اللاجئين قد يرفعان الطلب إلى 50 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2030، مما يفرض على دمشق ضرورة البحث عن استثمارات طويلة الأجل لتطوير احتياطياتها البحرية الضخمة (المقدرة بـ 1200 مليار متر مكعب) وتحديث شبكات النقل لتقليص الفاقد الفني.
رؤية مستقبلية
يمثل الاتفاق "جسر إمداد" حيوياً قد يخفف من حدة الظلام في المدن السورية على المدى القصير، لكن نجاحه الحقيقي يتوقف على تحويل مذكرات التفاهم إلى عقود ملزمة قانونياً، وتوفير مظلة تمويلية مستقرة، بالتوازي مع خطة سورية مرحلية لتحديث الشبكة الوطنية وجذب الاستثمارات النوعية لقطاع الغاز والبترول.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض