نفط فنزويلا في صدارة حسابات الولايات المتحدة لحماية هيمنة الدولار


الجريدة العقارية الثلاثاء 06 يناير 2026 | 06:12 مساءً
الدولار والنفط
الدولار والنفط
محمد شوشة

أعاد التحرك الأمريكي الأخير تجاه فنزويلا، عقب اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، فتح باب الجدل مجددًا حول مستقبل ما يُعرف بـ«البترودولار»، في ظل مخاوف متزايدة داخل واشنطن من تراجع النفوذ العالمي للدولار في تجارة الطاقة والنظام المالي الدولي.

ورغم أن الدوافع السياسية والأمنية للاعتقال حاضرة بقوة، فإن مراقبين يرون أن أحد الأسباب غير المعلنة قد يتمثل في قلق البيت الأبيض من التراجع التدريجي لمكانة الدولار كعملة مهيمنة في تسعير النفط عالميًا، خاصة مع تصاعد محاولات دول كبرى تنويع أدوات الدفع والابتعاد عن العملة الأمريكية.

واشنطن تراهن على نفط فنزويلا

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم تُقدّر بنحو 300 مليار برميل، أي ما يعادل 17% من الاحتياطي العالمي، رغم أن إنتاج فنزويلا النفطي لا يتجاوز حاليًا مليون برميل يوميًا، وهو ما يجعلها هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد عبّر بوضوح عن رغبة بلاده في استغلال هذه الإمكانات، مؤكدًا أن شركات الطاقة الأمريكية الكبرى قادرة على إعادة إحياء قطاع النفط الفنزويلي المتعثر، في خطوة من شأنها إبقاء جزء كبير من الإنتاج النفطي المستقبلي تحت النفوذ الأمريكي.

ولا يقتصر تأثير هذه الخطوة المحتملة على أسواق الطاقة فحسب، بل يمتد إلى النظام المالي العالمي، إذ يعني توسيع نطاق التعاملات النفطية المقومة بالدولار ضخ المزيد من الدولارات النفطية، وهي الآلية التي لطالما دعمت الهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة.

صعود وتراجع البترودولار

يعود مصطلح «البترودولار» إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي، حين توصلت الولايات المتحدة والسعودية إلى اتفاق يقضي بتسعير مبيعات النفط عالميًا بالدولار، ما خلق طلبًا مستدامًا على العملة الأمريكية ورسّخ نفوذ واشنطن المالي عالميًا.

وشهد النظام ذروته بين عامي 2002 و2008، حين اقترب سعر النفط من 150 دولارًا للبرميل، وكانت الولايات المتحدة آنذاك أكبر مستورد للنفط الخام، ما سمح للدول المنتجة بتحقيق فوائض ضخمة أُعيد استثمار جانب كبير منها في سندات الخزانة الأمريكية، ضاغطة على العوائد وأسعار الفائدة عالميًا.

غير أن المشهد تغيّر جذريًا بحلول عام 2026، فمع طفرة النفط الصخري تحولت الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط عالميًا، وأصبحت مُصدّرًا صافيًا منذ عام 2021، في حين باتت دول منتجة كبرى تستخدم فوائضها النفطية لسد عجز موازناتها المحلية بدلًا من إعادة تدويرها في الأسواق الأمريكية.

وفي الوقت ذاته، أسهم صعود الصين وتعقّد المشهد الجيوسياسي في تراجع نسبة تجارة النفط المسعّرة بالدولار، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نحو 20% من تجارة النفط العالمية تُسعّر حاليًا بعملات بديلة مثل اليورو واليوان الصيني.

كما تراجعت العلاقة التقليدية بين الدولار وأسعار النفط، حيث تشير تقديرات بنك «جيه بي مورجان» إلى أن تأثير ارتفاع الدولار على أسعار خام برنت أصبح محدودًا مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن، بل شهد العام الماضي تراجع الدولار والنفط معًا، في خروج واضح عن النمط التاريخي.

واشنطن تتحرك لحماية الهيمنة

يرى محللون أن هذه التحولات تعكس تراجعًا تدريجيًا لمكانة الدولار في النظام المالي العالمي، إذ بلغت حصته من احتياطيات النقد الأجنبي أدنى مستوياتها منذ 25 عامًا، رغم احتفاظه بدوره الرئيسي في التجارة العالمية.

غير أن إدارة ترامب تبدو مصممة على مواجهة هذا المسار، فبينما تسعى إلى إضعاف سعر صرف الدولار لدعم الصادرات، فإنها في الوقت نفسه تعمل على حماية هيمنته العالمية، ويُنظر إلى التطورات الأخيرة في فنزويلا باعتبارها جزءًا من هذه الاستراتيجية الأوسع.

وبعد عودة ترامب إلى السلطة قبل نحو عام، تبنت واشنطن نهجًا أكثر تشددًا، شمل الترويج للعملات الرقمية المستقرة المرتبطة بالدولار لتعزيز حضوره في المدفوعات الرقمية، إلى جانب التهديد بفرض رسوم جمركية على الدول التي تسعى لتقويض هيمنة العملة الأمريكية، وعلى رأسها دول مجموعة «بريكس».

ويرجّح مراقبون أن السعي للسيطرة على أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم قد يشكل حلقة أساسية في هذا التوجه، خاصة إذا أسفر عن تقليص نفوذ الصين وروسيا، الحليفتين الرئيسيتين لنظام مادورو.

وقال هونج تران، الزميل غير المقيم في المجلس الأطلسي، إن الدولار لا يزال العملة الأساسية في سوق النفط، وإن الولايات المتحدة تحاول بكل الوسائل الحفاظ على هذا الواقع، بينما يرى ريتشارد ويرنر، أستاذ الاقتصاد المصرفي بجامعة وينشستر، أن التحركات الأمريكية في فنزويلا تهدف في جوهرها إلى دعم نظام البترودولار، محذرًا في الوقت ذاته من أن الإفراط في استخدام القوة قد يسرّع من تراجع هذا النظام إذا ما دفعت دول «الجنوب العالمي» إلى تسريع الابتعاد عن الدولار.