الإجراءات المالية الجديدة في لبنان.. موازنة معقدة بين الشفافية الدولية والواقع المعيشي


الجريدة العقارية الاثنين 05 يناير 2026 | 11:19 صباحاً
مصرف لبنان المركزي
مصرف لبنان المركزي
وكالات

شهدت الشوارع اللبنانية مؤخرا تغيرا في طبيعة الازدحام أمام المؤسسات المالية؛ إذ لم يعد الأمر مرتبطا بنشاط سياحي أو موسمي، بل بقيود رقابية جديدة فرضتها السلطات لضبط حركة النقد ومواجهة التدفقات المالية غير القانونية.

وبموجب هذه القواعد، بات لزاما على المتعاملين الإفصاح عن معلومات تفصيلية تشمل إثبات الهوية، ومصدر الأموال، وطبيعة العمل، وحجم النشاط، مع تقديم مستندات داعمة كإيصالات الضرائب لضمان مشروعية الدخل.

دوافع الرقابة والضغوط الدولية

تأتي هذه الخطوات الإلزامية للمؤسسات المالية في إطار السعي لتقويم الأسواق المتداخلة والالتزام بالمعايير العالمية لمكافحة تبييض الأموال.

ويشير الخبراء إلى أن القرار جاء مدفوعا بتحذيرات رقابية وضغوط أميركية مباشرة تهدف للحد من غسل الأموال، خاصة في ظل اتهامات سابقة بقصور إجراءات المصرف المركزي، ووسط مخاوف من تحول لبنان إلى سوق للتداولات غير المعلنة بالذهب والعملات المشفرة.

كما يرتبط هذا التشديد بإدراج لبنان على "اللائحة الرمادية" لمجموعة العمل المالي، مما جعل الدولة بيئة تتطلب رقابة أدق لمنع استغلال اقتصاد النقد (الكاش) في أنشطة مشبوهة.

التحديات اليومية والمخاطر الاقتصادية

على الجانب الآخر، تسببت هذه الإجراءات في إرهاق المواطنين وتعقيد معاملاتهم اليومية، حيث يشتكي البعض من ضياع الوقت والجهد في توفير الأوراق المطلوبة حتى للمبالغ البسيطة.

ويبرز التحدي الأكبر في احتمال لجوء الأفراد إلى "الصرافين غير المرخصين" هربا من التعقيدات الرسمية، مما قد يعرضهم لغرامات أو مشكلات قانونية.

من الناحية الاقتصادية، يحذر باحثون من أن المبالغة في تقييد حركة الأموال عبر الحدود قد تؤدي إلى:

• تراجع تدفق تحويلات المغتربين، التي تعد شريانا حيويا لتمويل المشاريع الاستثمارية والإنتاجية.

• شح السيولة وإضعاف الدورة الاقتصادية في ظل تراجع النشاط الاستثماري أصلا.

• التأثير على رجال الأعمال والمستثمرين الذين يسعون لتمويل مشاريع محلية، تحت ذريعة الحد من تمويل جهات سياسية معينة مثل حزب الله.

رؤية مستقبلية لمسار الأزمة

تتأرجح التوقعات حول تأثير هذه القيود على السوق النقدية بناء على صرامة تطبيقها؛ فبينما يرى البعض أنها تهدف للامتثال للضغوط الخارجية فقط دون المساس بالاستقرار الحالي، يخشى آخرون من تحولها إلى قيود صارمة تسبب تشوهات في سعر الصرف ونقصا في معروض الدولار.

ويبقى الهدف الأساسي حاليا هو التحول التدريجي نحو المعاملات الإلكترونية لتعزيز الشفافية وتقليل المخاطر القانونية.