الذكاء الاصطناعي يرفع التضخم العالمي.. كيف أصبحت مراكز البيانات سببًا في زيادة أسعار الكهرباء والإلكترونيات والمساكن؟


الجريدة العقارية الثلاثاء 28 يوليو 2026 | 07:28 مساءً
الذكاء الاصطناعي يرفع التضخم العالمي.. كيف أصبحت مراكز البيانات سببًا في زيادة أسعار الكهرباء والإلكترونيات والمساكن؟
الذكاء الاصطناعي يرفع التضخم العالمي.. كيف أصبحت مراكز البيانات سببًا في زيادة أسعار الكهرباء والإلكترونيات والمساكن؟
وكالات

رغم الوعود الكبيرة التي يحملها الذكاء الاصطناعي بإحداث طفرة اقتصادية غير مسبوقة عبر رفع الإنتاجية وخلق صناعات وفرص عمل جديدة، فإن موجة الاستثمار الضخمة في هذه التكنولوجيا بدأت تكشف عن آثار جانبية اقتصادية لا تقل أهمية، أبرزها تصاعد الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة المعيشة في عدد من القطاعات الحيوية.

وتشير أحدث البيانات إلى أن الاستثمارات العالمية الضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تقدر بنحو 750 مليار دولار خلال العام الجاري، ساهمت في رفع أسعار العديد من المنتجات والخدمات، نتيجة الطلب المتزايد على البنية التحتية التقنية والطاقة والمكونات الإلكترونية اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.

استثمارات الذكاء الاصطناعي تضيف أعباء جديدة على الأسر

بحسب مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في مؤسسة موديز أناليتكس، فإن التأثير التضخمي للذكاء الاصطناعي بدأ ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات الأسر الأمريكية.

وأوضح أن متوسط ما تنفقه الأسرة الأمريكية ارتفع بنحو 375 دولارًا إضافيًا للحصول على السلع والخدمات نفسها مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، نتيجة الضغوط السعرية المرتبطة بالتوسع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في معدل التضخم العام لا تزال محدودة وتبلغ نحو 0.2 نقطة مئوية، فإن الاقتصاديين يؤكدون أن تأثيره يتركز في قطاعات تشهد زيادات سعرية تفوق متوسط التضخم، وهو ما يثير مخاوف مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي بشأن استمرار الضغوط خلال الفترة المقبلة.

مراكز البيانات ترفع أسعار الكهرباء

تمثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي أحد أكبر مصادر استهلاك الكهرباء والمياه في الوقت الحالي، إذ تتطلب تشغيل آلاف الخوادم المتطورة على مدار الساعة، وهو ما يفرض ضغطًا متزايدًا على شبكات الكهرباء.

وتتوقع شركة تشغيل شبكة الكهرباء الأمريكية "بي جيه إم إنتركونيكشن" أن يتجاوز معدل التوسع في إنشاء مراكز البيانات الجديدة قدرة قطاع الطاقة على إضافة محطات توليد كهرباء جديدة، بمعدل يصل إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف.

وترى بوجا سريرام، الخبيرة الاقتصادية في بنك باركليز، أن مراكز البيانات أصبحت قادرة على دفع أسعار أعلى للحصول على احتياجاتها من الكهرباء، وهو ما يدفع الموردين إلى رفع الأسعار، لتنتقل هذه الزيادات في النهاية إلى المستهلكين.

وتؤكد بيانات مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي أن أسعار الكهرباء المنزلية ارتفعت خلال عام 2025 بما يقارب ضعف متوسط الارتفاع المسجل خلال السنوات السابقة.

كما ارتفعت فواتير الكهرباء بنسبة 4% على أساس سنوي، متجاوزة معدل التضخم الأمريكي البالغ 3.5% خلال يونيو 2026.

الطلب على رقائق الذاكرة يقفز بالأسعار

أدى التوسع الكبير في إنشاء مراكز البيانات إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على رقائق الذاكرة المستخدمة في تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتوضح سريرام أن المشكلة لا تقتصر على زيادة الطلب فقط، وإنما تتمثل أيضًا في محدودية الطاقة الإنتاجية لمصنعي الرقائق، الذين باتوا يوجهون إنتاجهم إلى الرقائق عالية الأداء المطلوبة في مراكز البيانات، نظرًا لهوامش أرباحها المرتفعة.

وأدى هذا التحول إلى تراجع إنتاج الرقائق المستخدمة في الأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، الأمر الذي تسبب في ارتفاع أسعارها.

ووفقًا لبيانات مؤشر أسعار المنتجين، ارتفعت أسعار الجملة لرقائق الذاكرة بنسبة 26% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو ما انعكس على تكلفة أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية والأجهزة اللوحية.

شركات التكنولوجيا تنقل التكاليف إلى المستهلك

لم تتأخر الشركات العالمية في نقل جزء من هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي.

فقد رفعت شركة أبل أسعار عدد من منتجاتها الأكثر مبيعًا بنحو 20%، وأرجعت ذلك إلى ارتفاع تكاليف البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.

كما رفعت شركة سوني أسعار أجهزة الألعاب الخاصة بها خلال العام الجاري، بينما زادت مايكروسوفت أسعار أجهزة إكس بوكس بنحو 25%، مشيرة إلى ارتفاع تكلفة المكونات الإلكترونية اللازمة للإنتاج.

وأكدت مايكروسوفت أن قطاع الإلكترونيات الاستهلاكية بأكمله يواجه ضغوطًا كبيرة نتيجة أزمة المكونات، مع تأثيرات أشد على أجهزة الألعاب.

ورغم أن منهجية احتساب الأسعار في الولايات المتحدة عادة ما تعتبر التطور التقني سببًا لانخفاض السعر الحقيقي للأجهزة الإلكترونية، فإن بيانات النصف الأول من عام 2026 أظهرت ارتفاعًا فعليًا في أسعار أجهزة الكمبيوتر وملحقاتها.

ارتفاع أسعار البرامج بسبب الذكاء الاصطناعي

لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على الأجهزة فقط، بل امتد إلى البرمجيات والخدمات الرقمية.

فقد رفعت مايكروسوفت أسعار الاشتراك الشخصي في أوفيس 365 بنسبة 43% خلال فبراير الماضي، بينما زادت أسعار الباقة العائلية بنسبة 30%، وذلك بعد نحو عشر سنوات من ثبات الأسعار.

وجاءت هذه الزيادات عقب دمج أداة الذكاء الاصطناعي الجديدة داخل حزمة البرامج، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكلفة الاشتراك على المستخدمين.

مراكز البيانات تضغط على قطاع البناء وسوق الإسكان

لم تتوقف انعكاسات الذكاء الاصطناعي عند التكنولوجيا والطاقة، بل امتدت إلى قطاع البناء أيضًا.

فإنشاء مراكز البيانات العملاقة يتطلب كميات ضخمة من النحاس والأسلاك الكهربائية ومواد البناء، إضافة إلى أعداد كبيرة من العمالة المتخصصة، ما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على هذه الموارد.

ويرى تيري ويزمان، استراتيجي العملات الأجنبية وأسعار الفائدة العالمية في مجموعة ماكواري، أن أجور العاملين في مشاريع إنشاء مراكز البيانات أصبحت ترتفع بوتيرة تفوق المتوسط العام في سوق العمل.

وأشار إلى أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى زيادة تكاليف البناء، ومن ثم ارتفاع أسعار المساكن، خاصة في المناطق التي تشهد توسعًا كبيرًا في إنشاء مراكز البيانات.

الذكاء الاصطناعي لا يزال في بداية موجة التضخم

يرى غريغوري داكو، كبير الاقتصاديين في مؤسسة "إي واي بارثينون"، أن الضغوط التضخمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تزال في مراحلها الأولى، متوقعًا أن تتوسع آثارها مع استمرار ضخ الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية الرقمية.

ويؤكد خبراء الاقتصاد أن التحدي الأكبر خلال السنوات المقبلة لن يتمثل في قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية فقط، وإنما في كيفية احتواء آثاره الجانبية على الأسعار، وضمان تحقيق التوازن بين الابتكار والنمو الاقتصادي من جهة، واستقرار مستويات المعيشة من جهة أخرى.