قال الدكتور مصطفى جاد الباحث الأكاديمي والخبير في سلاسل الإمداد، إنه منذ اللحظة التي أعلن فيها الحرس الثوري الإيراني، أواخر فبراير الماضي، أن مضيق هرمز أصبح ممرًا شديد الخطورة أمام حركة السفن، لم يعد هذا الممر المائي الضيق مجرد عنوان جغرافي في نشرات الأخبار، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة سلاسل الإمداد العالمية على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.
الاقتصاد العالمي يعتمد على نقاط اختناق جغرافية محدودة
وأضاف جاد في تصريحات لـ "العقارية" أن المضيق الذي تمر عبره نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية، بما في ذلك النفط والغاز الطبيعي المسال، إضافة إلى منتجات استراتيجية مثل الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها، كشف خلال الأزمة عن حقيقة مهمة: أن الاقتصاد العالمي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على نقاط اختناق جغرافية محدودة، وأن تعطل ممر واحد قد ينعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف الشحن، والأمن الغذائي، وأسواق العملات، وقرارات الاستثمار في دول تبعد آلاف الكيلومترات عن منطقة التوتر.
وتابع: اليوم ومع دخول التهدئة بين واشنطن وطهران مرحلة التنفيذ، يقف الشرق الأوسط أمام سؤال يتجاوز السياسة: هل تعود سلاسل الإمداد إلى ما كانت عليه قبل الأزمة؟ أم أننا أمام خريطة تجارية جديدة ستستمر آثارها حتى بعد عودة الملاحة تدريجيًا؟.
خرائط الشحن في الخليج أُعيد رسمها فعليًا
وواصل الدكتور مصطفى جاد حديثه قائلا: في الأسابيع الأولى من الأزمة، تراجعت حركة السفن عبر مضيق هرمز بصورة حادة وفق بيانات تتبع ملاحي وتقارير سوقية، ما دفع شركات شحن وملاك سفن ومشغلي موانئ إلى إعادة تقييم مساراتهم، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بتأخير عابر في جدول رحلة بحرية، بل بقدرة الشركات على ضمان وصول البضائع، وتغطية مخاطر التأمين، وتحمّل فروق التكلفة الناتجة عن تغيير المسارات.
وأوضح: الإمارات كانت الأسرع في التكيف بفضل بنيتها اللوجستية وموقع موانئها الشرقية خارج المضيق. ميناءا خورفكان والفجيرة تحولا خلال الأزمة إلى بوابتين حيويتين للتجارة والطاقة. وفي حالة خورفكان، قفزت حركة الحاويات وفق تقديرات منشورة من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف أسبوعيًا، بينما شهدت الفجيرة ارتفاعًا ملحوظًا في صادرات النفط، مستفيدة من خط أنابيب يربط حقول النفط بالساحل الشرقي بعيدًا عن مضيق هرمز.
وأشار الخبير في سلاسل الإمداد، إلى ان هذا التحول لم يكن مجرد حل مؤقت. فقد كشفت الأزمة أن وجود منفذ بحري بديل خارج نقطة الاختناق لم يعد ميزة لوجستية فقط، بل أصبح أصلًا استراتيجيًا. ولهذا أصبح الحديث في الخليج أكثر وضوحًا عن تنويع الممرات، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للموانئ الشرقية، وربطها بمراكز التخزين والنقل البري والسككي.
وعن السعودية، يقول الدكتور مصطفى جاد: اعتمدت بدرجة أكبر على خط أنابيب بترولاين الذي ينقل الخام من الشرق إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يسمح بتصدير جانب من الشحنات بعيدًا عن هرمز. هذا المسار عزز أهمية البحر الأحمر وقناة السويس في بعض تدفقات الطاقة، لكنه في الوقت نفسه أعاد التذكير بأن تعدد الممرات لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها.
قناة السويس بين الخسارة والفرصة المؤقتة
وبالحديث عن قناة السويس، قال: لم يكن تأثير الأزمة على قناة السويس في اتجاه واحد. فالقناة كانت متضررة بالفعل منذ تصاعد اضطرابات البحر الأحمر، وما تبعها من تحويل شركات شحن كبرى مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، بما رفع زمن الرحلات وتكاليف التشغيل وأضعف إيرادات أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر.
وأضاف: سبق أن أعلنت الدولة المصرية أن خسائر قناة السويس جراء اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر والمنطقة اقتربت من 10 مليارات دولار، وهو رقم يوضح حجم حساسية الاقتصاد المصري تجاه أمن الممرات البحرية، لكن أزمة هرمز أوجدت مفارقة مهمة. فبينما تضررت قناة السويس من اضطرابات البحر الأحمر، استفادت جزئيًا من تحول بعض تدفقات الطاقة القادمة عبر البحر الأحمر، خصوصًا مع استخدام السعودية لمسارات بديلة عبر ينبع. وتشير بيانات منشورة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، نقلتها منصات اقتصادية، إلى أن عدد ناقلات النفط العابرة لقناة السويس في أبريل بلغ 529 ناقلة، بزيادة 28% عن الشهر نفسه من العام السابق.
وأكمل: هذا يعني أن قناة السويس لم تعد تتأثر فقط بحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بإعادة تشكيل مسارات الطاقة في الخليج. وهذه نقطة مهمة لمصر، لأنها تعني أن مستقبل إيرادات القناة سيتحدد بقدرتها على تقديم ممر آمن وتنافسي في بيئة إقليمية متقلبة، وليس فقط بموقعها الجغرافي التاريخي.
مصر والدول النامية في قلب تكلفة الاختناق
بالنسبة لمصر والعديد من الدول النامية في الشرق الأوسط وأفريقيا، يقول جاد: لا تظهر أزمة هرمز فقط في نشرات أسعار النفط، بل في أربعة مسارات رئيسية: العملة، والتضخم، والطاقة، والغذاء. فعندما ترتفع تكلفة الشحن والطاقة، تزيد فاتورة الواردات، وعندما تزيد فاتورة الواردات، تتصاعد الضغوط على العملة المحلية والاحتياطيات الأجنبية. وعندما ترتفع تكلفة الطاقة والنقل، تنتقل الضغوط تدريجيًا إلى أسعار الغذاء والسلع الأساسية. لذلك فإن اختناق ممر بحري في الخليج قد يتحول بسرعة إلى ضغط على ميزانية الأسرة في القاهرة أو عمّان أو نيروبي.
في الحالة المصرية، ظهرت آثار الأزمة بوضوح في سوق الصرف وتدفقات المحافظ الأجنبية. فقد تعرض الجنيه لضغوط خلال ذروة التوترات، قبل أن يستعيد جانبًا من توازنه مع هدوء المخاطر الجيوسياسية وعودة شهية المستثمرين الأجانب لأدوات الدين المحلية. ووفق بيانات نشرتها الشرق، فقد ارتفعت تدفقات المستثمرين الأجانب على أذون الخزانة بنسبة 162% إلى نحو 2.75 مليار دولار، وهو ما يعكس عودة تدريجية للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة مع تراجع المخاطر.
وهنا لا تكمن أهمية الرقم في حجم التدفقات فقط، بل في دلالته. فالدول النامية مثل مصر لا تتأثر باختناق الممرات البحرية من خلال تكلفة الشحن والطاقة فقط، بل أيضًا من خلال شهية المستثمرين، وسعر الصرف، وتكلفة التمويل، والقدرة على احتواء التضخم المستورد.
مرونة الاقتصاد المصري
وفي المقابل، يقول الدكتور مصطفى جاد: أظهر الاقتصاد المصري مرونة في بعض المؤشرات الداعمة. فقد سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستوى قياسيًا بلغ 34.9 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من العام المالي 2025/2026، بنمو يقارب 32%، وهي تدفقات توفر دعمًا مهمًا لمصادر النقد الأجنبي. لكن هذه المؤشرات لا تلغي أن ارتفاع تكلفة الطاقة والشحن يظل عامل ضغط مباشر على التضخم وتكلفة الإنتاج.
يستطرد: لذلك يجب النظر إلى مصر هنا كنموذج للدول النامية المستوردة للطاقة أو الغذاء أو مستلزمات الإنتاج. هذه الدول لا تصنع الأزمة الجيوسياسية، لكنها تدفع جانبًا كبيرًا من فاتورتها عبر أسعار أعلى، وتمويل أصعب، ومخاطر أكبر في ميزان المدفوعات.
الأسمدة والغذاء: الجبهة الأخطر على المدى المتوسط
وعن مخاطر الفترة المقبلة، يوضح خبير سلاسل الإمداد: إذا كان النفط هو عنوان أزمة هرمز إعلاميًا، فإن الأسمدة والغذاء هما جبهتها الأخطر على المدى المتوسط. فجزء كبير من تجارة الطاقة والغاز الطبيعي والمواد الداخلة في صناعة الأسمدة يمر عبر هذا الممر، وهو ما يجعل تعطل الملاحة فيه تهديدًا مزدوجًا: تهديدًا للطاقة، وتهديدًا للأمن الغذائي.
ويضيف: تشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة إلى أن مضيق هرمز يمثل ممرًا مهمًا لتجارة النفط الخام والغاز الطبيعي المسال والأسمدة والكبريت المستخدم في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والغاز، ترتفع تكلفة إنتاج الأسمدة النيتروجينية، ثم تنتقل الزيادة لاحقًا إلى تكاليف الزراعة وأسعار الغذاء.
يُكمل: هنا تكمن المشكلة. أثر ارتفاع أسعار الأسمدة لا يظهر كاملًا في اليوم التالي للأزمة، بل يتراكم عبر المواسم الزراعية. فإذا اضطر المزارع إلى تقليل استخدام السماد بسبب ارتفاع السعر، قد تنخفض الإنتاجية في الموسم التالي، ثم يظهر الأثر في أسعار الحبوب والزيوت والغذاء لاحقًا. ولهذا فإن الفاتورة الحقيقية لأزمة هرمز على الأمن الغذائي قد لا تكون ظهرت بالكامل بعد.
متى تعود سلاسل الإمداد إلى ما قبل الأزمة؟
ويُجيب الباحث الأكاديمي على هذا السؤال بالقول: الإجابة الصادقة أنها لن تعود بسرعة، وربما لن تعود بالكامل إلى الشكل القديم. فعودة السفن إلى المرور لا تعني عودة الثقة فورًا، وعودة الثقة لا تعني عودة الأسعار والتأمين والعقود إلى مستويات ما قبل الأزمة، مستطردا: تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن استمرار اضطرابات الطاقة قد يدفع متوسط سعر خام برنت إلى مستويات مرتفعة خلال 2026، مع أثر مباشر على التضخم العالمي والنمو في الأسواق الناشئة. كما أن سيناريوهات الضغط الأعمق قد تحمل أثرًا أكبر على الاقتصادات النامية التي تعتمد على الواردات وتمويل الأسواق الدولية.
يواصل حديثه بالقول: عمليًا، هناك ثلاث مراحل للتعافي. المرحلة الأولى هي تثبيت التهدئة وضمان السلامة البحرية. المرحلة الثانية هي عودة شركات الشحن والتأمين إلى تسعير المخاطر عند مستويات مقبولة. أما المرحلة الثالثة فهي إعادة بناء الثقة التشغيلية، وهي الأبطأ، لأن الشركات لا تغير مساراتها وعقودها ومخزوناتها بمجرد صدور بيان سياسي.
ولتوضيح هذه النقطة يقول: هنا يجب التمييز بين إعادة فتح المضيق قانونيًا أو سياسيًا، وبين عودة الملاحة التجارية بكامل طاقتها. فالسوق لا يتحرك فقط وفق البيانات الرسمية، بل وفق تقييم شركات التأمين، ومالكي السفن، والمستوردين، ومديري سلاسل الإمداد الذين يتحملون تكلفة القرار إذا حدث تعطيل جديد.
واختتم الدكتور مصطفى جاد حديثه بالقول: أزمة هرمز لم تكن مجرد أزمة ملاحة في ممر ضيق، بل اختبارًا لمرونة منظومة التجارة في الشرق الأوسط والدول النامية. ومن المرجح أن الفترة المقبلة لن تعيدنا ببساطة إلى عالم ما قبل الأزمة، بل ستدفع الشركات والحكومات إلى بناء سلاسل إمداد أكثر تكلفة، لكنها أكثر قدرة على الصمود. وقد تكون هذه هي الخلاصة الأهم: العالم لم يعد يكافئ فقط من يشتري بأقل سعر، بل من يستطيع أن يضمن استمرار التدفق وقت الصدمة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض