أحدث قرار انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ تحولاً جذريًا في المشهد النفطي العالمي، حيث يعكس رغبة الدولة في التحرر من قيود الحصص الإنتاجية وتوسيع هامش حركتها في مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز.
ويهدف قرار الإمارات بالانسحاب من المنظمة إلى تعزيز السيادة الاستثمارية وترسيخ مكانة الدولة كمزود موثوق للطاقة عالميًا، في وقت تشهد فيه الأسعار تقلبات حادة وضغوطًا جيوسياسية تعيد رسم خرائط أمن الطاقة الإقليمي والدولي.
وتمتد تداعيات القرار الإماراتي لتشمل فرصًا واعدة لتعزيز التعاون اللوجستي بين القوى الإقليمية، حيث تبرز مصر كأحد المستفيدين المحتملين من خلال تعظيم عوائد الممرات الملاحية وقناة السويس نتيجة زيادة حركة ناقلات النفط.
وبينما تتباين التوقعات حول مستقبل تماسك منظمة أوبك وقدرتها على ضبط الأسعار بعد خروج رابع أكبر منتجيها، تظل الأنظار متجهة نحو التوازنات الجديدة التي سيفرضها فائض العرض المرتقب وقدرته على تهدئة الأسعار العالمية المشتعلة.
الأبعاد الاستراتيجية لقرار انسحاب الإمارات من منظمة أوبك وتحالف أوبك+
في هذا السياق، كشف المهندس ماهر عزيز، استشاري الطاقة والبيئة وتغير المناخ وعضو مجلس الطاقة العالمي، عن الأبعاد الاستراتيجية لقرار انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك وتحالف أوبك+، مؤكدًا أن الإمارات تهدف بالأساس إلى التحرر من قيود الحصص اليومية التي تفرضها المنظمة على الدول الأعضاء.
وأوضح عضو مجلس الطاقة العالمي في تصريح لـ «العقارية»، أن جوهر الأزمة الحالية يكمن في إغلاق مضيق هرمز، الذي تسبب في منع وصول نحو 13 مليون برميل نفط يوميًا إلى الأسواق العالمية، مشيرًا إلى أن السعودية نجحت في تصريف 7 ملايين برميل عبر خط شرق-غرب وصولاً إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ومن ثم نقله عبر قناة السويس أو باب المندب.
وأضاف عزيز: "الإمارات وجدت نفسها مقيدة بحصص إنتاجية داخل أوبك، وبخروجها من المنظمة أصبحت حرة في زيادة ضخ إنتاجها للسوق العالمي، فإذا كانت حصتها السابقة مثلاً 3 ملايين برميل، يمكنها الآن رفعها إلى 9 أو 10 ملايين برميل يوميًا لتعويض النقص الناتج عن خنقة هرمز".
ورجح عزيز أن قرار الإمارات قد تم بالتوافق مع الولايات المتحدة للمساهمة في استقرار سوق النفط عالمياً عبر زيادة المعروض.
بدوره، قال سهيل المزروعي، وزير الطاقة والبنية التحتية الإماراتي في مقابلة خاصة مع "CNBC عربية" أن قرار الخروج من أوبك وأوبك+ هو قرار استراتيجي وليس سياسيًا، وجاء في إطار رؤية الإمارات لإعادة تموضعها في أسواق الطاقة العالمية بما يضمن مرونة أكبر في إدارة الإنتاج وتعزيز أمن الإمدادات في ظل ظروف استثنائية تمر بها الأسواق.
وأوضح المزروعي أن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد وتراجع في الإنتاج العالمي، ما تسبب في انخفاض واضح في المخزونات العالمية، في وقت تزيد فيه التوترات الجيوسياسية من الضغوط على توازن العرض والطلب واستقرار المخزونات المستقبلية.
قناة السويس أكبر الرابحين من إعادة توجيه الإمدادات
حول استفادة مصر من هذا القرار، أكد عضو مجلس الطاقة العالمي أن الفائدة المباشرة ستنعكس على قناة السويس، حيث إن زيادة الإنتاج الإماراتي والضخ نحو الأسواق العالمية يعني مرور عدد أكبر من ناقلات النفط في المياه المصرية، مما يعزز رسوم المرور والدخل القومي من القناة.
وبشأن إمكانية حصول مصر على نفط إماراتي بأسعار تفضيلية، أوضح عزيز أن الأمر يحتاج إلى اتفاقيات رسمية معلنة، قائلاً: "السعر العالمي اليوم تجاوز 115 دولارًا وهو رقم خرافي، وإذا وجدت اتفاقية تمنح الإمارات أسعارًا تفضيلية لمرور ناقلاتها، فمن الممكن في المقابل أن تمنح مصر أسعارًا تفضيلية عند استيراد النفط، لكن هذه الأمور تخضع للإعلانات الرسمية بين الدول".
توقعات أسعار النفط العالمية بعد قرار الإمارات
توقع الدكتور ماهر عزيز أن يؤدي انسحاب الإمارات وزيادة الوفرة في المعروض إلى تهدئة الأسعار لتعود من مستوى 116 دولارًا إلى حاجز 100 دولار للبرميل، مؤكدًا أن السعر لن يعود لمستوياته الطبيعية السابقة إلا بفك خنقة هرمز بنسبة 100%.
وفيما يخص تأثير هذه الخطوة على ثقل منظمة أوبك، حذر عزيز من أن هيمنة المنظمة كلاعب جيوسياسي بدأت تتفكك وتقل، قائلاً: "المنظمة الآن معرضة للانحلال الكامل، فخروج عضو ثاني أو ثالث يعني انهيار القيود، حيث سيسعى كل عضو للخروج من أجل طرح كميات مضاعفة في السوق، ليصبح العرض والطلب هو المتحكم الوحيد بدلاً من الاتفاقيات الأوبكية".
وأشار إلى أن دولاً مثل فنزويلا قد تلجأ لنفس الخيار للتحرر من القيود وطرح ما تشاء من كميات في السوق العالمي.
رسم خريطة وأمن الطاقة في المنطقة
في سياق متصل، أكدت الدكتورة منال متولي، خبيرة الطاقة ورئيسة شعبة البترول والتعدين بنقابة المهندسين، أن قرار انسحاب دولة الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك سيعيد رسم خريطة وأمن الطاقة في المنطقة، مشيرة إلى أن الخريطة العالمية ستتغير تمامًا في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وأوضحت الدكتورة منال متولي في تصريح لـ «العقارية»، أن الإمارات ليست الدولة الأولى التي تنسحب من المنظمة، حيث سبقتها قطر وأنغولا والإكوادور، مؤكدة أن المنظمة لا تتأثر بانسحاب دولة واحدة طالما أن الدول الخمس الأساسية وهي السعودية، والعراق، وإيران، والكويت، وفنزويلا، لا تزال موجودة.
وأضافت: "كل دولة أصبح لها حساباتها ومصالحها الخاصة التي تبني عليها استراتيجيتها القادمة، والقرار سيمنح الإمارات حرية الإنتاج بعيداً عن قيود حصص أوبك".
وحول تداعيات القرار على استقرار السوق، قالت: "نعم، القرار سيوزعزع استقرار سوق البترول، وقد يضعف قليلاً من ضبط الإنتاج، مما يفتح احتمالية لسباق إنتاج بين الدول، وقد يؤدي ذلك إلى تخمة في المعروض واضطراب في الأسعار".
وحذرت خبيرة الطاقة من قفزة حادة في الأسعار نتيجة التوترات الجيوسياسية، قائلة: "التوقعات تشير إلى أن سعر البرميل قد يصل إلى ما بين 150 و200 دولار خلال السنة في حال استمرار الأزمة، وهو ما سيخلق أزمة جديدة في سوق النفط العالمي".
وأشارت إلى الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من صادرات النفط العالمية، مؤكدة أن المنطقة تعيش مرحلة إعادة صياغة لأمن الطاقة وتحدياته.
وفيما يتعلق باستفادة مصر من هذه التحولات، أكدت الدكتورة منال متولي أن مصر تمتلك استراتيجية قوية في قطاع البترول والتعدين، وتوفر حوافز كبيرة للمستثمرين.
اتفاقية مصرية إماراتية لتوريد النفط بأسعار تفضيلية
حول إمكانية توقيع اتفاقية مصرية إماراتية لتوريد النفط بأسعار تفضيلية، قالت: "ممكن جدًا خصوصًا أن مصر تبحث دائمًا عن الصالح لأمن الطاقة الداخلي، وهناك فرص للتعاون واستخدام الموارد المصرية لتصدير النفط الإماراتي".
وأشارت خبيرة الطاقة إلى المزايا اللوجستية للدول الثلاث مصر، والسعودية، والإمارات، قائلة: "هذه الدول تمتلك حرية ملاحية أكبر، فمصر لديها خط سوميد بالعين السخنة، والسعودية لديها خط شرق-غرب من بقيق إلى ينبع، والإمارات لديها خط حبشان الفجيرة".
وأوضحت أن خط "حبشان" يمكنه نقل نحو 1.1 مليون برميل يوميًا من إنتاج الإمارات البالغ 3.2 مليون برميل حاليًا، بينما يمكن لخط السعودية نقل من 4 إلى 5 ملايين برميل يوميًا، مما يمنح هذه الدول مرونة أكبر في عمليات التصدير والاستيراد وتأمين الطاقة.
العودة لمستويات إنتاج ما قبل الحرب نحو 5 ملايين برميل
حول قدرة الإمارات على العودة لمستويات إنتاج ما قبل الحرب نحو 5 ملايين برميل، أوضحت متولي أن الاستراتيجيات ستتضح بشكل أكبر بعد انتهاء الصراع، مشيرة إلى الفوارق التقنية في التعافي، موضحة: "هناك فرق بين ضرب المستودعات كما حدث في الفجيرة، وبين ضرب الآبار والحقول، فضرب المستودعات يخفض الإنتاج لعدم وجود مكان للتخزين، والتعافي منه يستغرق من 6 أشهر إلى سنة، أما ضرب الآبار فيعد ضربًا للبنية التحتية، وإعادة ضخ البئر بعد توقفه تتطلب وقتًا طويلاً بسبب مشاكل تقنية مثل دخول المياه للبير".
وأشار إلى أن كل 10 دولارات زيادة في سعر النفط تضيف مليارات الدولارات إلى فاتورة الوقود، مما يضغط على الموازنات ويزيد من معدلات التضخم، والعكس صحيح في حال انخفاض الأسعار.
الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد للإمارات
من جهتها، أكدت وكالة أنباء الإمارات "وام" أن قرر الانسحاب يتماشى مع الرؤية الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد للدولة وتطور قطاع الطاقة لديها، موضحة أن القرار يهدف إلى تسريع الاستثمار في الإنتاج المحلي للطاقة، وترسيخ مكانة الإمارات كمنتج مسؤول وموثوق يستشرف مستقبل أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب "وام"، فقد جاء قرار الانسحاب عقب مراجعة مستفيضة لسياسة الدولة الإنتاجية وقدرتها الحالية والمستقبلية، وبالنظر إلى ما تقتضيه المصلحة الوطنية.
وشددت أبوظبي على التزامها بالمساهمة في تلبية احتياجات السوق العالمي، لا سيما في ظل التقلبات الجيوسياسية الراهنة واضطرابات الخليج العربي ومضيق هرمز وتأثيراتها على ديناميكيات العرض.
وترى الإمارات أن استقرار منظومة الطاقة يعتمد على توفر إمدادات مرنة وموثوقة وبأسعار معقولة، مؤكدة أنها استثمرت لتلبية متغيرات الطلب "بكفاءة ومسؤولية.
وأفاد البيان بأن الإمارات ستواصل زيادة الإنتاج بشكل تدريجي ومدروس، بما يتماشى مع الطلب وظروف السوق، مستندة إلى قاعدة مواردها الكبيرة وتنافسيتها العالية وشراكاتها الاستراتيجية.
كما شددت "وام" على أن القرار لا يغيّر التزام الدولة باستقرار الأسواق العالمية أو نهجها القائم على التعاون مع المنتجين والمستهلكين، بل يسعى لتعزيز القدرة على الاستجابة للمتغيرات.
حجم صادرات النفط الإماراتي
تأتي هذه الخطوة في وقت تلعب فيه الإمارات دورًا محوريًا في إمدادات الطاقة، حيث صدّرت نحو 3.24 مليون برميل يوميًا من الخام والمشتقات عبر مضيق هرمز في عام 2025.
ورغم هبوط الصادرات إلى 1.6 مليون برميل يوميًا في مارس 2026 نتيجة الاضطرابات الإقليمية، إلا أن الإمارات ظلت تحتل المرتبة الرابعة بين أكبر منتجي أوبك وفقًا لبيانات فبراير 2026، خلف السعودية التي تصدرت بحصة 34% من إنتاج المنظمة، والعراق وإيران، متفوقة على الكويت.
ولا تُعد الإمارات الدولة الأولى التي تتخذ مسار الانسحاب من المنظمة، فقد سبقتها أنجولا في يناير 2024، وقطر في يناير 2019، كما شهدت المنظمة عبر تاريخها تعليق عضوية كل من الإكوادور في 1992 و2019، وإندونيسيا في 2009 و2016، بالإضافة إلى إلغاء الجابون لعضويتها في 1995 قبل العودة مجددًا في 2016.
وفي سياق الرد على التكهنات التي أعقبت القرار، أكد مصدر إماراتي مسؤول أن الدولة لا تدرس الانسحاب من أي منظمات متعددة الأطراف أخرى في الوقت الحالي، موضحًا أن الإمارات تعيد النظر في أهمية وجدوى دورها ومساهمتها على نطاق واسع، مشددًا: "في الوقت الحالي، لا تدرس الإمارات أي انسحاب"، وفقًا لشبكة "CNN".
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض