شهدت الساحة المصرفية تحركًا استباقيًا من قطبي العمل المصرفي في مصر، البنك الأهلي المصري وبنك مصر، برفع العائد على الشهادات الادخارية الثلاثية إلى 17.25%، في خطوة تستهدف امتصاص السيولة النقدية وحماية القوة الشرائية للمدخرين من تداعيات التضخم.
وجاءت قرارت بنكا الأهلي المصري ومصر كإجراء احترازي لتعزيز جاذبية العملة المحلية ومنع تسرب المدخرات نحو أوعية أخرى كالذهب أو العملات الأجنبية، خاصة مع استمرار ضغوط أسعار الطاقة وتكلفة الأموال التي تلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي العام.
وعلى الرغم من هذا التحرك، تذهب التقديرات نحو ترجيح سيناريو التثبيت في اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، لتجنب زيادة أعباء خدمة الدين العام على الموازنة الدولة، مع الاعتماد على البنوك الحكومية كبديل لضبط السوق النقدي.
ويضع هذا المشهد البنوك الخاصة أمام تحديات المنافسة والقدرة على تحمل تكلفة الأموال، في ظل بيئة تضخمية تسعى فيها الدولة لموازنة الاستقرار المالي مع الحفاظ على تدفقات الاستثمارات الأجنبية وجاذبية أدوات الدين المحلية.
في هذا السياق، كشف الخبير المصرفي الدكتور عز الدين حسانين، أن قرار بنكي "الأهلي المصري" و"مصر" برفع العائد على الشهادات الثلاثية "البلاتينية والقمة" لتصل إلى 17.25% بدلاً من 16%، لا يعد تمهيدًا لرفع الفائدة من قبل البنك المركزي في اجتماعه المقبل، بل هو إجراء بديل يهدف إلى حماية القوة الشرائية للمواطنين دون تحميل الموازنة العامة للدولة أعباء إضافية.
وأوضح الخبير المصرفي في تصريح لـ "العقارية"، أن البنك المركزي غالبًا ما يلجأ في أوقات الأزمات وارتفاع الأسعار إلى تكليف البنوك الحكومية الكبرى بالتحمل بالنيابة عنه، مشيرًا إلى أن رفع سعر الفائدة الرسمي من قبل البنك المركزي يؤدي مباشرة إلى زيادة تكلفة خدمة الدين العام ورفع فوائد وعمولات أذون وسندات الخزانة التي تقترضها الدولة، بينما استهداف البنوك الحكومية للقطاع العائلي بوعاء ادخاري مجزي يمتص السيولة ويواجه التضخم دون المساس المباشر بميزانية الدولة.
وأشار حسانين إلى أن استقرار الأموال الساخنة غير مهدد في الوقت الحالي حتى مع تثبيت الفائدة، نظرًا لأن سعر الفائدة الحقيقي لا يزال موجبًا وبفارق كبير، إذ يسجل التضخم الأساسي نحو 14%، بينما تصل فوائد أذون الخزانة إلى 24%، مما يجعل أدوات الدين المصرية جاذبة للمستثمرين بفرق عائد يصل إلى 10% لصالحهم.
وحول استجابة البنوك الخاصة لهذه الزيادة، استبعد الخبير المصرفي قيام كافة البنوك باتباع نفس الخطى، مؤكدًا أن الأمر يخضع للمنافسة والقدرة التشغيلية لكل بنك، موضحًا أن بعض البنوك قد تفضل الحفاظ على مستويات تكلفة أموال منخفضة لحماية أرباحها، بينما قد تلجأ بنوك أخرى لرفع العائد على شرائح محددة من كبار المودعين للحفاظ على عملائها دون تعميم الزيادة على كافة الأوعية.
من جهته، أعلن ميدبنك، اليوم الأربعاء، عن طرح شهادة "ميد ماستر – MID MASTER"، الادخارية والتي تستهدف الأفراد الباحثين عن استثمار آمن بعائد ثابت ومضمون.
وتوفر الشهادة عائد سنوي يصل إلى 17.25%، ويتم صرف العائد بشكل شهري، مما يجعلها خيارًا مناسبًا لمن يرغبون في الحصول على دخل منتظم، وتصل مدة الشهادة إلى 3 سنوات.
وفيما يخص توقعات اجتماع لجنة السياسة النقدية المقرر في 21 مايو 2026، رجح حسنين سيناريو التثبيت لمراقبة تأثير المتغيرات السابقة والتوترات الجيوسياسية، مشددًا على أن تحرك البنوك الحكومية بزيادة 1.25% على الشهادات جاء لاستيعاب الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار المحروقات الأخير، وتوفير بديل استثماري يمنع تحول المدخرات نحو الذهب أو العملات الأجنبية في ظل حالة عدم اليقين السائدة.
من جهته، صرح الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، بأن اتجاه البنوك لرفع أسعار العائد يعكس سعيها الجاد لتعزيز مستويات السيولة النقدية واحتواء الضغوط المستمرة على العملة، وذلك في ظل بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع ملحوظ في تكلفة الأموال.
وأوضح الخبير الاقتصادي في تصريح لـ "العقارية" أنه على الرغم من توافر أدوات استثمارية بديلة وأكثر مرونة، مثل صناديق الاستثمار وأدوات الدين، إلا أن جاذبيتها تظل محدودة في السوق المحلي، مرجعًا ذلك إلى الطبيعة المحافظة للمدخر المصري الذي يفضل تقليديًا الاستثمار في العقار والذهب والشهادات البنكية، باعتبارها أدوات ادخارية واضحة ومنخفضة التعقيد.
وعن معدلات التضخم، أشار فؤاد إلى أن الضغوط التضخمية لا تزال قائمة، مدفوعة بعوامل التكلفة وسعر الصرف، وإن كانت تسير بوتيرة أهدأ من السابق، مؤكدًا أن قطاع الطاقة يظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحريك مستويات الأسعار خلال الفترة الراهنة.
وفيما يخص السياسة النقدية، لفت الدكتور محمد فؤاد إلى أن احتمال العودة إلى سياسة التشديد النقدي كأداة احترازية يظل احتمالاً ضعيفًا في الوقت الحالي، ولكنه يبقى قائمًا وممكنًا إذا استدعت التطورات الاقتصادية والظروف المحيطة ذلك التدخل.
وفي 2 أبريل الجاري، قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، وشمل القرار تثبيت سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند مستويات 19.00%، 20.00%، و19.50% على الترتيب، كما تم الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.50%.
البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض