تتحرك الدولة بشكل استراتيجي لتأمين احتياجاتها من الطاقة وضمان استدامة تشغيل معامل التكرير المحلية، من خلال فتح قنوات تفاوضية لاستيراد النفط الليبي الخام كبديل عاجل للإمدادات الخليجية التي تأثرت باضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وإعلان حالة "القوة القاهرة".
وتستهدف هذه الخطوة تعويض العجز الناتج عن توقف وصول الشحنات الكويتية والسعودية، مستفيدة من القرب الجغرافي والجودة العالية للنفط الليبي الخفيف الذي يمنح قيمة اقتصادية مضافة للمشتقات النفطية، بالتوازي مع تكثيف عمليات البحث والاستكشاف المحلية لزيادة معدلات الإنتاج الوطني من الغاز والزيت الخام.
وفي مواجهة التحديات الإقليمية الراهنة، تبنت مصر مسارًا مزدوجًا يرتكز على تنويع الشركاء التجاريين لضمان تدفق أكثر من 18 مليون طن من المحروقات سنويًا، بالتزامع مع تسريع وتيرة التحول الرقمي واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحفر التطويري للآبار القائمة.
ولا تقتصر هذه الجهود على الوقود الأحفوري فحسب، بل تمتد لتعزيز مزيج الطاقة المتجددة الذي بلغت قدرته المركبة مستويات قياسية، وذلك ضمن رؤية شاملة لتحصين الأمن الطاقوي القومي ضد تداعيات حروب الطاقة العالمية وتقلبات سلاسل الإمداد الدولية.
وفي هذا السياق، صرح الخبير الاقتصادي الدكتور محمد البهواشي، بأن النفط الليبي يتميز بجودة مرتفعة وكونه من النوع الخفيف، مما يمنحه قيمة اقتصادية مضافة عند تكريره لإنتاج المشتقات النفطية، مشيرًا إلى أن هذا النوع قد يحظى بأسعار تفضيلية تختلف عن الأسعار السائدة.
وأوضح البهواشي في تصريح لـ "العقارية"، أن الحديث عن آلية التسعير وسداد القيمة ما يزال سابقًا لأوانه، مشيرًا إلى وجود معاملات قائمة ومستمرة بين مصر وليبيا في مجالات عدة منها إمدادات الطاقة والكهرباء، وأن لجوء مصر لاستيراد النفط من ليبيا يأتي كبديل في ظل حجب بعض الإمدادات من دول الخليج.
وأكد أن مصر مستمرة في عملية الاستيراد لتلبية احتياجاتها، لكن الفارق الجوهري في ميزانية الدعم يكمن في التسعير وسعر الصرف.
وردًا على سؤال حول إمكانية السداد بالعملة المصرية أو الليبية لتقليل أعباء دعم الوقود، أوضح الخبير الاقتصادي بعدم توفر معلومات مؤكدة حول هذا المقترح، مشددًا على أن معادلة التكلفة تظل مرتبطة بظروف السوق وسعر صرف العملات في الوقت الراهن.
من جهتها، أكدت الدكتورة وفاء علي، أستاذة الطاقة والاقتصاد، أن مصر اتخذت خيارات استراتيجية لضمان أمنها الطاقوي في ظل الظروف الدولية الراهنة، حيث اتجهت لتنويع شركائها التجاريين والاستيراد من ليبيا لتغطية احتياجاتها من الخام، تعويضًا عن تعطل بعض الإمدادات من الكويت والسعودية نتيجة إعلان حالة "القوة القاهرة" والاضطرابات الإقليمية.
وأوضحت أن مصر تستهلك سنويًا نحو 12 مليون طن من السولار و6.7 مليون طن من البنزين، مما جعل تأمين الإمدادات أمرًا حيويًا، مشيرة إلى أن الدولة تحركت سريعًا لزيادة أعمال الكشف والاستكشاف، لافتة إلى وجود 57 شركة عالمية، بينها 8 شركات كبرى مثل "إيني"، تعمل حاليًا في السوق المصري.
وكشفت "علي" عن تحول استراتيجي نحو الحفر التطويري داخل الآبار القائمة، وهو ما أدى لتنمية الحقول سريعًا وإضافة 4 آبار غاز جديدة للخريطة الإنتاجية مؤخرًا باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وأشارت إلى نجاح مصر في تعزيز مزيج الطاقة المتجددة ليصل إلى قدرة مركبة تبلغ 9.1 جيجاوات تشمل 3.2 جيجاواط طاقة شمسية و3 جيجاواط طاقة رياح، مؤكدة أن العالم يواجه متحورًا جديدًا من الحروب وهو حروب الطاقة، مما يستوجب تضافر الجهود الشعبية مع المبادرات الحكومية لعبور هذه المرحلة المعقدة.
وكان مسؤول حكومي قد كشف أن مصر تسعى لاستيراد ما لا يقل عن مليون برميل شهريًا من النفط الليبي، وذلك لتعويض توقف إمدادات الخام الكويتي نتيجة تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز جراء التصعيد العسكري في المنطقة، وفقًا لـ "الشرق بلومبرج".
وأوضح المسؤول أن مفاوضات مكثفة تجري حاليًا بين الهيئة المصرية العامة للبترول والمؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا للتوصل إلى اتفاق يضمن توفير الكميات اللازمة لتشغيل معامل التكرير المصرية، والتي تعتمد في إنتاجها جزئيًا على الواردات الكويتية.
وكانت مصر تستورد، سابقًا، ما يتراوح بين مليون ومليوني برميل شهريًا من النفط الكويتي، بالإضافة إلى نحو مليون برميل من شركة "أرامكو" السعودية ضمن تسهيلات ائتمانية.
وخفضت الكويت، خامس أكبر منتج في منظمة "أوبك"، إنتاجها وتكريرها للنفط إثر تباطؤ حركة الشحن في مضيق هرمز.
كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية حالة "القوة القاهرة" على مبيعات الخام، وهو إجراء قانوني يُتخذ عند وقوع أحداث استثنائية خارجة عن السيطرة تجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية مستحيلاً، مما يسمح للشركة بتعليق الشحنات أو تعديل جداول التسليم دون تحمل غرامات تعاقدية.
جدير بالذكر أن مصر تستهلك سنويًا حوالي 12 مليون طن من السولار ونحو 6.7 مليون طن من البنزين، مما جعل تأمين إمدادات الخام أمرًا حيويًا لاستقرار السوق المحلي.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض