يواجه سوق السيارات في مصر موجة جديدة من الاضطرابات التي أعادت رسم خارطة الأسعار والوفرة، مدفوعة بتوترات إقليمية حادة ألقت بظلالها على سلاسل الإمداد العالمية، حيث لم تعد الأزمة تقتصر على نقص الموديلات فحسب، بل امتدت لتشمل قفزات غير مسبوقة في تكاليف الشحن البحري، وظهور بنود استيرادية مستحدثة مثل تأمين مخاطر الحروب الذي تضاعف عشرات المرات، مما خلق حالة من الضبابية السعرية دفعت بعض الوكلاء والموزعين إلى الإحجام المؤقت عن البيع لحماية استثماراتهم من تقلبات العملة وتكلفة الإحلال.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تداخلت العوامل المحلية مع الضغوط الخارجية، حيث أدى التضييق في الموافقات الاستيرادية وصعوبة الحصول على الأرقام التعريفية للشحنات إلى تراجع وتيرة المعروض، مما فتح الباب مجددًا لظاهرة "الأوفر برايس" التي يراها الخبراء نتيجة حتمية لارتفاع التكاليف اللوجستية وتغير سلوك المستهلك، ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى استقرار القطاع مرهونًا بهدوء الأوضاع الجيوسياسية وتسهيل الإجراءات الاستيرادية لضمان وصول السيارات بأسعارها العادلة بعيدًا عن فخ المضاربات.
في هذا السياق، أكد خالد سعد، الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات، أن قطاع السيارات في مصر يواجه حاليًا ضغوطًا مركبة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية والحروب في المنطقة مما أدى إلى اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد وارتفاعات كبيرة في التكلفة النهائية للمستهلك.
أزمة الشحن وتراجع وفرة الأماكن
وأوضح سعد في تصريح لـ"العقارية" أن الأجواء المحيطة بالمنطقة أثرت بشكل سلبي مباشر على حركة التجارة البحرية حيث توقفت العديد من الخطوط الملاحية عن العمل بينما قلصت شركات أخرى عدد رحلاتها بشكل كبير وهذا التراجع أدى إلى نقص حاد في الأماكن المتاحة لشحن السيارات على السفن مما دفع بأسعار الشحن للارتفاع لمستويات قياسية نتيجة ندرة العرض وزيادة الطلب على المساحات الشحنية المحدودة.
وكشف الأمين العام لرابطة مصنعي السيارات عن بند جديد أضيف إلى تكلفة الاستيراد وهو التأمين ضد مخاطر الحروب، مشيرًا بلغة الأرقام إلى حجم الزيادة المهولة في هذا البند حيث كان التأمين البحري التقليدي يمثل حوالي واحد في الألف من قيمة الشحنة (أي دولار واحد لكل 1000 دولار)، أما الآن فقد قفزت النسبة لتصل إلى 5% من قيمة الشحنة (أي 50 دولارًا لكل 1000 دولار).
وضرب مثالاً توضيحيًا قائلًا: "إذا كانت الفاتورة الاستيرادية بمليون دولار كانت تكلفة تأمينها ألف دولار أما اليوم فهي تصل إلى 50 ألف دولار"، مؤكدًا أن هذه الزيادة تمثل عبئ مالي ضخم يُضاف مباشرة إلى سعر السيارة النهائي.
ظاهرة حجب الموديلات وتكلفة الإحلال
وحول نقص بعض الموديلات والماركات الحديثة في السوق المحلي أوضح سعد أن بعض الوكلاء والشركات اضطروا للتوقف المؤقت عن البيع أو حجب بعض الموديلات وذلك ليس بداعي الاحتكار بل للهروب من فخ الخسارة.
وتابع: "المستورد يخشى بيع مخزونه الحالي من السيارات بأسعار لا تمكنه من استيراد شحنات جديدة لأن تكلفة الدولار وقت الاستيراد الجديد قد تكون أعلى بالإضافة إلى ارتفاع مصاريف الشحن والتأمين لذا يفضل البعض الانتظار حتى تستقر الرؤية التسعيرية".
حقيقة عودة الأوفر برايس
أما عن عودة ظاهرة الأوفر برايس قدم خالد سعد رؤية تحليلية مختلفة حيث اعتبر أن ما يشهده السوق حالياً ليس أوفر برايس بالمعنى التقليدي بل هو جزء من استرداد المبالغ التي تم تخفيضها سابقًا.
وأشار إلى أن الشهور الستة الماضية شهدت تخفيضات حقيقية وكبيرة وصلت في بعض الموديلات إلى 400 و500 و600 ألف جنيه وكان هناك مضاربة على التخفيضات والآن مع ارتفاع تكاليف الدولار والشحن والتأمين بدأت الأسعار تعود للارتفاع مرة أخرى وما يسميه البعض أوفر برايس هو في الحقيقة تعديل سعري لمواجهة التكاليف المستجدة التي طرأت بعد فترة الهبوط.
واختتم سعد حديثه بالتأكيد على أن سوق السيارات سيبقى في حالة من عدم الاستقرار طالما استمرت التوترات الإقليمية التي ترفع تكلفة المخاطرة وتعرقل سلاسل الإمداد العالمية، مشددًا على أن الشركات لا تملك حاليًا القدرة على وضع تسعير نهائي وثابت في ظل هذه المتغيرات اللحظية.
أسباب ارتفاع أسعار السيارات
في سياق متصل، قال أسامة أبو المجد، رئيس رابطة تجار السيارات، أن أسواق السيارات تشهد فترة من الهدوء النسبي إثر ما يجري بمنطقة الشرق الأوسط والتوترات الإقليمية التي نشهدها، موضحًا أن تلك الأحداث والحروب دفعت الأسعار كافة للصعود نتيجة لتعطل سلاسل الإمداد وكذلك ارتفاع التكاليف.
ونوه أبو المجد في تصريح لـ "العقارية" أن الزيادة التي لحقت بأسعار السيارات محليًا لا تُعد كبيرة مقارنة بما تشهده المنطقة من حروب وتعطيل لكافة عمليات الاستيراد بجميع دول العالم.
تضييق استيرادي وعقبات في الرقم التعريفي
في السياق ذاته، أكد منتصر زيتون، عضو الشعبة العامة للسيارات بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن سوق السيارات في مصر يواجه موجة جديدة من التحديات المركبة التي أدت إلى عودة ظاهرة الأوفر برايس وارتفاع الأسعار مرة أخرى، مشيراً إلى أن العوامل الخارجية والداخلية تكاتفت لتخلق حالة من الضبابية في تسعير ووفرة السيارات.
وكشف زيتون في تصريح لـ"العقارية" عن وجود صعوبات كبيرة تواجه المستوردين في الحصول على الموافقات الاستيرادية من الجهات الرسمية، موضحًا أن هناك تضييقًا ملحوظًا في فتح الأرقام التعريفية للشحنات (ACID Number)، مضيفًا أن هذا الإجراء تسبب في خنق العملية الاستيرادية، مما قلل من وتيرة دخول السيارات الجديدة إلى السوق المحلي، وهو ما ينعكس بالضرورة على حجم المعروض، بالإضافة إلى صعود سعر الدولار أمام الجنيه مما ينعكس على أسعار السيارات ويدفعها للزيادة.
مخاطر الشحن الدولي وتكلفة التأمين
وتطرق عضو شعبة السيارات إلى الأوضاع الإقليمية المضطربة وأكد أن المخاطر المتزايدة في البحر الأحمر أدت إلى تأخر وصول الشحنات الدولية وزيادة تكلفة الشحن والتأمين بشكل كبير، موضحًا أن هذه التكاليف الإضافية تُحمل مباشرة على السعر النهائي للسيارة مما يجعل أي استقرار سعري في الوقت الحالي أمر صعب المنال.
فخ الأوفر برايس وسلوك المستهلك
فجر زيتون مفاجأة بشأن الفارق بين زيادات الوكلاء والأوفر برايس في السوق السوداء حيث أكد أن الزيادات الرسمية التي أقرها الوكلاء لم تتعدَّ نسبة الـ 5% بينما تكمن المشكلة الحقيقية في الأوفر برايس الذي تفرضه شبكات التوزيع والموزعون والذي وصل في بعض الموديلات العادية إلى 250 ألف جنيه إضافية فوق السعر الرسمي.
وانتقد سلوك المستهلك المصري واصفًا إياه بأنه يشتري تحت ضغط الارتفاع وقال: "المستهلك لدينا اعتاد الجري وراء الشراء عندما يجد الأسعار ترتفع خوفًا من زيادات أخرى بينما يتوقف عن الشراء تمامًا عندما تنخفض الأسعار انتظارًا لمزيد من الهبوط وهذا السلوك يساهم في زيادة الضغط على الطلب ورفع الأسعار".
حجب الموديلات وأزمة الموزعين
وفيما يخص توفر السيارات أوضح زيتون أن الموديلات متوفرة إلى حد ما لكن العجز الحقيقي يظهر في سلاسل إمداد مكونات الإنتاج للتصنيع المحلي.
كما لفت إلى ظاهرة قيام بعض الموزعين وليس أصحاب المعارض بحجب السيارات أو الامتناع عن البيع وذلك خوفًا من عدم قدرتهم على تعويض المخزون بأسعار الشحن والعملة الجديدة، مؤكدًا أن المعارض الصغيرة والمتوسطة مستمرة في البيع ولكن القرارات الكبرى بتعطيش السوق غالبًا ما تصدر من كبار الموزعين الذين يتحكمون في حصص كبيرة من الأصول.
سوق السيارات
اختتم منتصر زيتون حديثه بالتأكيد على أن استقرار سوق السيارات مرهون بتسهيل إجراءات الاستيراد واستقرار الأوضاع السياسية التي تؤثر على حركة التجارة العالمية، محذرًا من أن استمرار تخزين السيارات لدى البعض لرفع قيمتها السوقية يضر بالقطاع ككل ويضع أعباءً لا يتحملها المواطن، داعيًا إلى ضرورة وجود رقابة أكثر صرامة على حلقات التوزيع لضمان وصول السيارات بأسعارها العادلة.
سوق السيارات في مصر
سوق السيارات في مصر
سوق السيارات في مصر
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض