شرايين العالم تحت الحصار.. كيف تحولت «الممرات الضيقة» إلى سلاح لتركيع الاقتصاد العالمي؟


الجريدة العقارية الثلاثاء 24 مارس 2026 | 12:18 مساءً
شرايين العالم تحت الحصار.. كيف تحولت «الممرات الضيقة» إلى سلاح لتركيع الاقتصاد العالمي؟
شرايين العالم تحت الحصار.. كيف تحولت «الممرات الضيقة» إلى سلاح لتركيع الاقتصاد العالمي؟
وكالات

يشهد العالم اليوم هزة عنيفة في أركان استقراره الاقتصادي، حيث لم تعد الحروب تدار في ساحات المعارك التقليدية فحسب، بل انتقلت إلى عمق البحار والممرات المائية الحيوية.

فمنذ اندلاع الصراع الأخير في إيران، خيمت سحابة من الاضطراب على أسواق الطاقة والمواد الخام العالمية، خاصة بعدما أقدمت طهران فعلياً على إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد أهَم شريان لنقل النفط في الكوكب.

هذا الإغلاق لم يكن مجرد قرار سياسي، بل ترجمة ميدانية لاستهداف أكثر من 12 سفينة خلال أسبوعين فقط، وفقاً لتقارير صحيفة "لاراثون" الإسبانية، مما جعل الملاحة في المنطقة مغامرة غير محسوبة العواقب.

وعلى وقع هذه التطورات، تصاعدت حدة الضغوط السياسية الدولية؛ إذ سارع دونالد ترامب إلى حث حلفائه الأوروبيين على المشاركة في تأمين المضيق، موجهاً تحذيرات شديدة اللهجة بأن التقاعس عن حماية هذه الممرات سيلقي بظلاله القاتمة على مستقبل حلف الناتو وهيبته.

وفي المقابل، تصر إيران على موقفها المتشدد بالإبقاء على المضيق مغلقاً، ما أدى إلى قفزة جنونية في أسعار خام برنت، التي قفزت من حاجز 70 دولاراً لتتجاوز الـ 100 دولار للبرميل، مسببةً موجة غلاء طالت كل شيء، بدءاً من المنتجات الاستهلاكية وصولاً إلى المحاصيل الزراعية الأساسية.

لكن هذه الأزمة لم تكن إلا كاشفاً لمشكلة هيكلية أعمق يعاني منها الاقتصاد العالمي، وهي اعتماده المفرط على عدد محدود جداً من الممرات البحرية الضيقة، التي يطلق عليها الخبراء "نقاط الاختناق".

يأتي على رأس هذه النقاط مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله نحو 39% من النفط المنقول بحراً و19% من الغاز المسال، وهو ممر لا يملك جيرانه من دول الخليج بديلاً فعلياً عنه.

وبالتوازي معه، تبرز قناة السويس كأهم ممر يربط الشرق بالغرب عبر البحرين الأحمر والمتوسط، حيث تمر من خلالها وحده 10% من إجمالي التجارة العالمية، مما يجعل أي تهديد لها بمثابة جلطة في شريان التجارة الدولية.

ولا تتوقف قائمة هذه الممرات الحيوية عند حدود منطقتنا، بل تمتد لتشمل مضيق "ملقا" في آسيا، وهو الممر الأكثر ازدحاماً في العالم والشريان الحيوي لواردات الطاقة الآسيوية بنسبة 24% من التجارة العالمية.

كما تبرز قناة "بنما" التي تنقل سلعاً عالية القيمة وتمثل 2.5% من التجارة، رغم معاناتها المستمرة مع تقلبات الجفاف والتوترات السياسية.

أضف إلى ذلك مضائق "البوسفور والدردنيل"، الطريق الوحيد الذي يربط البحر الأسود بالمتوسط، والمسؤول عن تأمين إمدادات الحبوب والخبز لملايين البشر حول العالم.

هذا المشهد المعقد يؤكد حقيقة واحدة؛ وهي أن الاقتصاد العالمي، رغم ضخامته، يظل كياناً هشاً للغاية أمام الصدمات.

فأي تصعيد سياسي في نقطة جغرافية ضيقة، أو كارثة طبيعية مفاجئة، أو حتى حادث عرضي بسيط، كفيل بأن يشل حركة التجارة الدولية تماماً، ويضع العالم بأسره تحت رحمة قفزات أسعار الغذاء والطاقة، مما يعيد طرح التساؤل الملح: إلى متى سيظل مصير المليارات معلقاً بـ "ممرات ضيقة" تحكمها حسابات القوة والمصالح السياسية؟