بعد مرور نحو أسبوعين على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدأت التداعيات الاقتصادية للحرب تتسلل تدريجياً إلى الداخل الأمريكي، لتصل آثارها إلى حياة المستهلكين والأسواق المالية، رغم أن الصراع يدور على بعد آلاف الأميال من الأراضي الأمريكية،
وفي الوقت الذي يتزايد فيه الغموض حول مدة الحرب، يراقب الاقتصاديون باهتمام تأثيراتها المحتملة على الاقتصاد الأمريكي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الأسواق العالمية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أشار مع بداية العمليات العسكرية إلى أن المواجهة قد تستمر ما بين أربعة وخمسة أسابيع، إلا أن تصريحاته الأخيرة بدت متباينة بين توقع نهاية سريعة للصراع أو احتمال تحوله إلى مواجهة طويلة الأمد.
ويؤدي هذا الغموض إلى حالة من الحذر لدى المستهلكين والشركات في الولايات المتحدة، حيث قد يلجأ الأمريكيون إلى تقليص إنفاقهم، بينما قد تؤجل الشركات قرارات التوظيف أو توسع الأعمال، وهو ما يهدد بتباطؤ النشاط الاقتصادي.
أسعار النفط والوقود.. التأثير الأسرع على جيوب الأمريكيين
تُعد الطاقة أول قناة تنتقل من خلالها آثار الحروب إلى الاقتصادات العالمية، وهو ما بدأ يظهر بوضوح داخل الولايات المتحدة.
فبحسب بيانات American Automobile Association، بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة نحو 3.58 دولار للغالون، بزيادة تقارب 20 في المئة منذ بداية الهجمات العسكرية في 28 فبراير 2026، وهو أعلى مستوى تسجله الأسعار منذ عام 2024.
كما ارتفعت أسعار الديزل بنحو 24 في المئة لتصل إلى حوالي 4.66 دولار للغالون.
ويرى كبير الاقتصاديين في Moody’s Analytics مارك زاندي أن هذا الارتفاع لا يقتصر تأثيره على الوقود فقط، بل يمتد إلى تكاليف نقل السلع في جميع أنحاء الولايات المتحدة، بدءاً من المواد الغذائية وحتى الطرود التي توصلها شركات التجارة الإلكترونية.
ويعود جزء كبير من هذه الزيادة إلى الاضطرابات في مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، حيث أثرت التوترات الأمنية في حركة الملاحة وعمليات التكرير في المنطقة.
أسعار الغذاء قد ترتفع مع اضطراب تجارة الأسمدة
لا يتوقف تأثير الحرب عند قطاع الطاقة فقط، بل يمتد أيضاً إلى أسعار الغذاء داخل الولايات المتحدة.
ويشير خبراء إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز يؤدي عادة إلى زيادة تدريجية في تكاليف إنتاج ونقل المواد الغذائية، خاصة الفواكه والخضراوات.
ويؤكد مدير برنامج إدارة صناعة الأغذية في Cornell University ميغيل غوميز أن استمرار اضطراب الملاحة في الخليج قد يضغط على أسعار الغذاء عالمياً، لأن المنطقة تعد أحد أهم مصادر الأسمدة في العالم.
وفي حال تعطل حركة الشحن لفترة طويلة، فقد يضطر المزارعون إلى تقليل استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع تكلفتها أو نقص الإمدادات، وهو ما قد يؤدي لاحقاً إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار في الأسواق.
تذاكر الطيران ترتفع مع قفزة وقود الطائرات
قطاع الطيران بدوره بدأ يشعر بآثار الحرب، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الوقود.
فقد أعلن سكوت كيربي، الرئيس التنفيذي لشركة United Airlines، أن وقود الطائرات ارتفع بنحو 58 في المئة منذ بداية الحرب، وهو أحد أكبر عناصر التكلفة التشغيلية لشركات الطيران.
ويرى محللون في قطاع الطيران أن شركات الطيران قد تضطر إلى تمرير جزء من هذه الزيادة إلى المسافرين عبر رفع أسعار التذاكر، وهو ما قد يجعل السفر أكثر تكلفة خلال فصلي الربيع والصيف.
ويشير خبراء إلى أن هذا الارتفاع قد يدفع بعض الأمريكيين إلى تأجيل أو إلغاء خطط السفر، خاصة الرحلات السياحية، الأمر الذي قد ينعكس على قطاعات أخرى مثل الفنادق والمطاعم.
اضطراب الأسواق المالية ومخاوف على مدخرات التقاعد
التوترات الجيوسياسية انعكست أيضاً على الأسواق المالية الأمريكية.
فقد شهدت مؤشرات الأسهم الرئيسية، ومنها مؤشر S&P 500، تقلبات ملحوظة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذه التقلبات قد يؤثر على مدخرات التقاعد والاستثمارات طويلة الأجل للأمريكيين، وهو ما قد يدفع الأسر إلى تقليص إنفاقها الاستهلاكي.
وفي هذا السياق، يرى الاقتصادي Daron Acemoglu من Massachusetts Institute of Technology أن ارتفاع أسعار النفط وتزايد الغموض بشأن مستقبل الحرب قد يشكلان ضغطاً إضافياً على الاقتصاد الأمريكي.
الطاقة تقود موجة التضخم الجديدة
توضح الصحفية الاقتصادية د. هدى علاء الدين أن التأثير الأسرع للحرب يظهر في قطاع الطاقة، لأنه ينتقل مباشرة إلى المستهلكين.
وتشير إلى أن الولايات المتحدة أصبحت من كبار منتجي النفط، إلا أن أسعار الوقود المحلية ما تزال مرتبطة بالأسواق العالمية، ما يجعلها تتفاعل بسرعة مع أي توتر في مناطق عبور النفط مثل مضيق هرمز.
وتضيف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يؤثر فقط على السائقين، بل يرفع أيضاً تكاليف نقل السلع داخل البلاد، إذ تعتمد الولايات المتحدة بشكل كبير على الشاحنات لنقل المنتجات لمسافات طويلة.
وبالتالي فإن ارتفاع أسعار الديزل يؤدي إلى زيادة أسعار السلع في المتاجر، وهو ما يخلق موجة تضخمية سريعة الانتشار تمتد من الغذاء إلى التجارة الإلكترونية.
حالة عدم اليقين قد تؤجل الاستثمارات والتوظيف
تؤكد التحليلات الاقتصادية أن الخطر الأكبر قد لا يكون في ارتفاع الأسعار فقط، بل في استمرار حالة الغموض بشأن مسار الحرب.
فعندما تواجه الشركات بيئة جيوسياسية غير واضحة، فإنها تميل عادة إلى تأجيل قرارات الاستثمار والتوسع، كما قد تؤجل خطط التوظيف.
وإذا استمرت هذه الحالة لفترة طويلة، فقد ينعكس ذلك على سوق العمل ويؤدي إلى تباطؤ اقتصادي أوسع داخل الولايات المتحدة.
الاقتصاد الأمريكي بين المرونة ومخاطر الإطالة
يرى محللون أن الاقتصاد الأمريكي يمتلك قدراً كبيراً من المرونة التي تمكنه من امتصاص الصدمات الخارجية، خاصة بفضل حجم السوق المحلية وقوة الاستهلاك.
لكن في المقابل، فإن تحول الحرب إلى مواجهة طويلة الأمد قد يضع الاقتصاد أمام اختبار صعب، حيث قد تتراجع ثقة المستهلكين وتتأثر الاستثمارات، وهو ما قد يفتح الباب أمام تباطؤ اقتصادي في الفترة المقبلة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض