بعد أزمة أوكرانيا.. تصعيد الشرق الأوسط يضع قطاع العقارات أمام اختبار جديد


الجريدة العقارية الاربعاء 11 مارس 2026 | 01:17 مساءً
بعد أزمة أوكرانيا.. تصعيد الشرق الأوسط يضع قطاع العقارات أمام اختبار جديد
بعد أزمة أوكرانيا.. تصعيد الشرق الأوسط يضع قطاع العقارات أمام اختبار جديد
وكالات

بعد أربعة أعوام على الغزو الروسي لأوكرانيا الذي أنهى فجأة عقداً كاملاً من الازدهار في سوق العقارات العالمية، يواجه القطاع اليوم تحدياً جديداً قد يعطل مسار التعافي الذي انتظره المستثمرون طويلاً، فالتصعيد العسكري الأخير في الشرق الأوسط، عقب الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، أعاد المخاوف إلى الواجهة، مهدداً بتداعيات اقتصادية قد تمتد إلى قطاع شديد الحساسية لتقلبات أسعار الفائدة وتكاليف التمويل.

ارتفاع أسعار الطاقة الناتج عن التصعيد الجيوسياسي يضيف ضغوطاً جديدة على سوق العقارات التجارية، في وقت لم يكن فيه القطاع قد تعافى بالكامل من آثار الركود الطويل الذي أعقب الحرب في أوكرانيا.

صدمة الطاقة تعيد الضغوط إلى القطاع العقاري

أدى التصعيد العسكري في المنطقة إلى قفزة ملحوظة في أسعار الطاقة، وهو ما يزيد المخاطر على قطاع يعتمد بشكل كبير على استقرار تكاليف التمويل. فارتفاع أسعار النفط والغاز ينعكس سريعاً على معدلات التضخم، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

هذا السيناريو يمثل تحدياً كبيراً لسوق العقارات، حيث ترتبط تقييمات الأصول العقارية ارتباطاً وثيقاً بمستوى الفائدة وتكاليف الاقتراض.

وقبل اندلاع الأزمة الأخيرة، كانت مؤشرات السوق تشير إلى تحسن تدريجي في بيئة الاستثمار العقاري، مدعومة بعوامل إيجابية مثل بدء تراجع أسعار الفائدة، ووجود نقص واضح في المعروض، إلى جانب ارتفاع الإيجارات في العديد من الأسواق الرئيسية.

إلا أن هذه المؤشرات لم تكن كافية لتحفيز المستثمرين على العودة بقوة إلى السوق.

المستثمرون يقلصون مخصصاتهم للعقارات لأول مرة منذ سنوات

تشير تقارير حديثة إلى أن المستثمرين المؤسسيين بدأوا تقليص مخصصاتهم الموجهة للقطاع العقاري، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ عام 2012.

ووفق تقرير صادر عن شركة برايس ووترهاوس كوبرز بالتعاون مع معهد إيربان لاند إنستيتيوت، فإن حالة التفاؤل التي ظهرت في السوق بشأن التعافي لم تُترجم إلى تدفقات استثمارية حقيقية.

وأوضح سايمون تشين، نائب الرئيس للأبحاث والاستشارات في المعهد، أن العديد من الرؤساء التنفيذيين ومديري الاستثمار كانوا يتوقعون أن يشهد عام 2026 بداية حقيقية لتعافي السوق.

لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المخاوف عادت مجدداً، إذ أصبح كثيرون يرون أن التعافي قد يتأجل مرة أخرى لفترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، كما حدث في السنوات الثلاث الماضية.

صفقات العقارات الأوروبية تتراجع

البيانات الحديثة تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع. فقد بلغت قيمة صفقات العقارات التجارية في أوروبا نحو 71.5 مليار يورو خلال الربع الأخير من عام 2025، وهو ما يمثل تراجعاً بنسبة 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب بيانات شركة إم إس سي آي.

وكان تقرير سابق للشركة قد أشار إلى أن ضعف الاقتصادات الأوروبية واستمرار ارتفاع تكاليف الاقتراض جعلا عام 2025 بعيداً عن التوقعات المتفائلة التي سادت الأسواق تحت شعار “اصمد حتى 2025”.

ويصف ديفيد شتاينباخ، كبير مسؤولي الاستثمار العالمي في شركة هاينز، الوضع الحالي بأنه أحد أطول فترات الركود التي يشهدها القطاع العقاري.

ويضيف أن هذه الفترة تعد من حيث مدتها أسوأ حتى من الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

صفقات كبرى تعثرت رغم بداية متفائلة

مع بداية العام، ظهرت مؤشرات على إمكانية عودة الصفقات الكبرى إلى السوق بعد فترة من الجمود.

فقد نجحت شركة بروكفيلد في العثور على مشترٍ لبرج “سيتي بوينت” في الحي المالي بلندن، وهو مبنى مكاتب مثقل بالديون حاولت الشركة بيعه لسنوات.

لكن المفاوضات انهارت لاحقاً، ليعود المبنى مجدداً إلى قائمة الأصول المعروضة للبيع.

وفي سياق مشابه، عرضت شركة ديروينت لندن مبنى “برونيل” في منطقة بادينغتون للبيع مقابل نحو 300 مليون جنيه إسترليني، غير أن الصفقة لم تصل حتى الآن إلى اتفاق نهائي.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة بول ويليامز إن الشركة تسعى لضمان تحقيق سعر مناسب في حال المضي قدماً في عملية البيع.

البائعون أمام خيارين صعبين

مع تصاعد حالة عدم اليقين، يجد البائعون أنفسهم أمام خيارين رئيسيين. الأول يتمثل في الانتظار على أمل أن تهدأ التوترات الجيوسياسية وتعود السوق إلى مسار التعافي. أما الخيار الثاني فهو القبول بخصومات سعرية لتجنب مخاطر تدهور الأوضاع بشكل أكبر.

وتتجه الأنظار هذا الأسبوع إلى مؤتمر ميبيم العقاري في مدينة كان الفرنسية، حيث يسعى المطورون والمستثمرون إلى تسويق عدد من الصفقات، وسط توقعات بأن يحاول المشترون إعادة التفاوض على الأسعار في ظل ارتفاع المخاطر الاقتصادية.

تراجع تدفقات الاستثمار في العقارات الأوروبية

تعكس بيانات شركة بريكين تباطؤاً واضحاً في تدفقات رؤوس الأموال إلى القطاع العقاري الأوروبي.

فقد بلغت الاستثمارات المخصصة للعقارات الأوروبية نحو 5.4 مليار دولار خلال النصف الثاني من عام 2025، وهو تراجع حاد مقارنة بمسار التعافي الذي بدأ يتشكل بعد وصول السوق إلى أدنى مستوياته في منتصف عام 2024.

ويرجع ذلك إلى أن غياب الصفقات الكبرى يقلل من العوائد النقدية التي يعيدها مديرو الصناديق إلى المستثمرين، ما يحد بدوره من قدرتهم على إطلاق صناديق استثمارية جديدة.

المستثمرون يعيدون التفكير في مواقع الاستثمار

في ظل البيئة الجيوسياسية المتقلبة، بدأ العديد من المستثمرين إعادة تقييم استراتيجياتهم الاستثمارية.

وأشار شتاينباخ إلى أن المستثمرين باتوا يفضلون توجيه استثماراتهم إلى الأسواق القريبة من بلدانهم، وهو اتجاه يعكس تزايد الحذر في ظل عدم الاستقرار العالمي.

وأضاف أن المستثمرين الكنديين كانوا في السنوات الأخيرة من أبرز الجهات التي وجهت تدفقات مالية جديدة إلى السوق الأوروبية، وهو ما جعلهم يشكلون عاملاً مهماً في توازن الاستثمارات.

أسهم العقارات تعكس قلق الأسواق

رغم أن تأثير الأزمات الجيوسياسية على سوق العقارات يستغرق عادة وقتاً طويلاً للظهور في تقييمات الأصول، فإن أسهم الشركات العقارية المدرجة في البورصات غالباً ما تقدم مؤشراً مبكراً على اتجاهات السوق.

ومنذ اندلاع الحرب على إيران، تراجع مؤشر فايننشال تايمز 350 لصناديق الاستثمار العقاري بأكثر من 10%، مع تسارع وتيرة الهبوط في بداية أسبوع التداول.

ويرى بيتر باباداكس، رئيس قسم الأبحاث لأوروبا وآسيا والمحيط الهادئ في شركة غرين ستريت، أن الأسواق العامة غالباً ما تتحرك أولاً قبل أن تتضح أسباب التحركات.

وأوضح أن هذه الإشارات تعني أن المستثمرين في الأسواق الخاصة ينبغي أن يكونوا أكثر حذراً بشأن اتجاه أسعار العقارات خلال الفترة المتبقية من عام 2026.