عودة المساهمات العقارية إلى السوق السعودية بنظام محوكم.. وتشريعات جديدة تعيد الثقة وتفتح باب استثمارات بمليارات الريالات


الجريدة العقارية الاثنين 09 مارس 2026 | 03:14 مساءً
عودة المساهمات العقارية إلى السوق السعودية بنظام محوكم.. وتشريعات جديدة تعيد الثقة وتفتح باب استثمارات بمليارات الريالات
عودة المساهمات العقارية إلى السوق السعودية بنظام محوكم.. وتشريعات جديدة تعيد الثقة وتفتح باب استثمارات بمليارات الريالات
وكالات

تستعد المساهمات العقارية للعودة إلى السوق السعودية بعد سنوات طويلة من الغياب، ولكن هذه المرة بهوية تنظيمية مختلفة تقوم على الحوكمة والرقابة والتشريعات الواضحة التي تهدف إلى حماية حقوق المستثمرين وضمان شفافية العمليات الاستثمارية.

ويؤكد رؤساء شركات عقارية ومختصون في القطاع أن التجربة الجديدة للمساهمات العقارية تأتي بعد معالجة التحديات التي رافقت التجارب السابقة، والتي اتسمت في كثير من الأحيان بالعشوائية وضعف التنظيم، الأمر الذي تسبب في تعثر عدد كبير من المشاريع وخسائر لآلاف المستثمرين.

ومع صدور نظام المساهمات العقارية الجديد، أصبحت هذه الأداة الاستثمارية تخضع لإطار مؤسسي يحدد بوضوح أدوار الجهات المشاركة ويضع ضوابط صارمة لإدارة الأموال والإفصاح المالي.

تشريعات جديدة تعزز الشفافية وتمنع تكرار التعثر

النظام الجديد للمساهمات العقارية فرض مجموعة من الضوابط التنظيمية التي تهدف إلى ضمان سلامة المشاريع الاستثمارية قبل طرحها أمام المستثمرين.

ومن أبرز هذه الضوابط إلزام صاحب المساهمة بتقديم دراسة جدوى متكاملة للمشروع قبل طرحه، إلى جانب إشراك عدد من الأطراف المهنية المتخصصة في إدارة المشروع ومراقبته.

وتشمل المنظومة الجديدة وجود مستشار هندسي لمتابعة التنفيذ، ومحاسب قانوني لمراجعة البيانات المالية، ومدير مساهمة يتولى الإشراف الإداري، إضافة إلى شركة مالية متخصصة تتولى جمع الأموال من المستثمرين.

كما تمنع التشريعات الجديدة جمع الأموال من خلال الأفراد بشكل مباشر، وتفرض أن تتم عملية جمع الأموال عبر شركات مالية مرخصة، على أن لا يتجاوز سقف التمويل للمساهمة الواحدة 100 مليون ريال.

أول مساهمة عقارية منظمة تغلق في دقائق

شهدت السوق السعودية في يناير الماضي أول تجربة عملية للنظام الجديد، حيث تم طرح مساهمة عقارية لتنفيذ مشروع سكني في مدينة الرياض بحجم استثماري يبلغ 84 مليون ريال، بينما بلغت قيمة الطرح للمستثمرين نحو 36 مليون ريال.

وتمكنت المساهمة من تحقيق تغطية كاملة خلال فترة قصيرة للغاية، ما اعتبره مختصون مؤشراً على الثقة المتنامية في السوق العقارية السعودية بعد دخول النظام التنظيمي الجديد حيز التنفيذ.

وقال الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للعقار عبدالله الحماد عبر منصة إكس إن إغلاق الطرح خلال 12 دقيقة فقط يعكس مستوى الثقة الذي وصلت إليه السوق العقارية في المملكة، ويؤكد تطور أدوات التمويل العقاري ودورها في تسريع وتيرة التطوير العمراني.

جذور المساهمات العقارية في السعودية

تشير الدراسات التاريخية إلى أن المساهمات العقارية في السعودية ليست فكرة حديثة، بل تعود إلى بدايات القرن الماضي.

ويوضح الباحث والمتخصص في القطاع العقاري صقر الزهراني أن أول مساهمة عقارية موثقة في مدينة الرياض تعود إلى عام 1360هـ الموافق 1941، حيث كان الأفراد يجمعون الأموال لشراء أراضٍ أو مزارع ثم تقسيمها أو تطويرها وبيعها.

في تلك المرحلة كانت هذه الأنشطة تعتمد على الثقة والعلاقات الاجتماعية دون وجود إطار تنظيمي أو رقابي واضح.

ومع الطفرة الاقتصادية التي صاحبت اكتشاف النفط خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، توسعت المساهمات العقارية بشكل كبير، خاصة في المدن الكبرى مثل الرياض وجدة والدمام، لتتحول من مشاريع صغيرة إلى مخططات سكنية وتجارية واسعة.

لكن هذا التوسع السريع لم يكن مصحوباً بتنظيم مؤسسي، الأمر الذي أدى إلى تضخم المخاطر مع مرور الوقت.

أزمات التعثر التي هزت السوق العقارية

خلال الثمانينيات والتسعينيات بدأت تظهر بوضوح مشكلات التعثر في عدد كبير من المساهمات العقارية نتيجة ضعف الرقابة المالية وغياب الشفافية في إدارة الأموال.

وفي تلك الفترة لم تكن هناك متطلبات للإفصاح المالي أو مدققين مستقلين أو حسابات منفصلة للمشاريع، ما أدى إلى نشوء نزاعات قضائية طويلة بين المستثمرين والقائمين على هذه المشاريع.

ومن أبرز المساهمات العقارية التي تعثرت في تلك المرحلة مساهمة شاطئ القطيف في المنطقة الشرقية، والتي انتهت بتصفية المشروع في صفقة تجاوزت قيمتها أربعة مليارات ريال وإعادة الحقوق لآلاف المستثمرين.

كما برزت قضية مساهمة فجر أبها التي تعد من أكثر الملفات تعقيداً في تاريخ السوق العقارية، حيث استغرق حلها سنوات طويلة قبل إعادة مليارات الريالات لأكثر من 25 ألف مساهم.

ومن القضايا الشهيرة أيضاً مساهمات حمد العيد التي استمر حلها أكثر من 14 عاماً قبل إيداع مئات الملايين في حسابات المستثمرين.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن عدد المساهمات العقارية المتعثرة تجاوز في بعض الفترات 650 مساهمة، تركزت في الرياض وجدة ومكة المكرمة.

تدخل حكومي لاستعادة حقوق المستثمرين

أمام تصاعد حالات التعثر وتزايد شكاوى المستثمرين، تدخلت الجهات الحكومية عبر تشكيل لجان متخصصة لتصفية المساهمات العقارية المتعثرة.

وتولت هذه اللجان مهمة حصر الأصول وبيع الأراضي ومراجعة التدفقات المالية وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

وأسفرت هذه الجهود عن استرداد أكثر من 17 مليار ريال لصالح المستثمرين حتى عام 2023.

وكشفت التحقيقات في عدد من القضايا أن المشكلة الأساسية لم تكن في جدوى المشاريع نفسها، بل في غياب الحوكمة المالية ووجود ممارسات غير منظمة مثل خلط الأموال وسحب السيولة من المشاريع أو تنفيذ صفقات مع أطراف ذات علاقة.

نظام جديد ينقل السوق من العلاج إلى الوقاية

يرى مختصون في القطاع العقاري أن النظام الجديد للمساهمات العقارية يمثل تحولاً جذرياً في طريقة إدارة هذا النوع من الاستثمارات.

فبعد أن كانت المعالجات تركز على تصفية المشاريع المتعثرة بعد وقوع المشكلة، أصبح النظام الحالي يركز على الوقاية المسبقة عبر فرض الحوكمة الصارمة والرقابة المستمرة.

كما يفرض النظام الجديد الفصل الكامل بين أموال المشاريع، وإلزام القائمين عليها الافصاح المالي الدوري، إلى جانب تطبيق عقوبات رادعة على أي مخالفات.

50 مساهمة عقارية مرتقبة في 2026

تشير التوقعات إلى أن السوق العقارية السعودية ستشهد نشاطاً ملحوظاً في طرح المساهمات خلال الفترة المقبلة.

وأوضح أحمد المانع مدير التمويل والمساهمات العقارية في شركة صكوك المالية أن الشركة طرحت برامج استثمارية بقيمة 8 مليارات ريال منذ تأسيسها في عام 2021، معظمها يتركز في الصكوك وأدوات الدين والمساهمات العقارية.

وأضاف أن المنصة تستقبل طلبات التمويل من أكثر من 16 ألف شركة مسجلة لديها، إضافة إلى ما يقرب من 600 ألف مستثمر من الأفراد والشركات.

وتوقع المانع طرح نحو 50 مساهمة عقارية خلال النصف الأول من عام 2026، بعد تقدم شركات تطوير عقاري بطلبات رسمية لإطلاق هذه المشاريع.

كما أشار إلى وجود نحو 1400 مطور عقاري مسجل لدى الشركة.

آلية طرح المساهمات العقارية عبر المنصات المالية

تمر عملية طرح المساهمة العقارية بعدة مراحل تنظيمية قبل وصولها إلى المستثمرين.

حيث يتقدم المطور العقاري بطلب عبر المنصة الإلكترونية للشركة المالية، ويرفق معه المستندات المطلوبة مثل دراسة الجدوى وصك ملكية الأرض.

بعد ذلك يتم تحليل المشروع من قبل مختصين في الاستثمار والائتمان، وفي حال الموافقة يتم عرض المساهمة على المستثمرين واستكمال الموافقات التنظيمية من الهيئة العامة للعقار وهيئة السوق المالية.

خمسة أطراف تدير المساهمة العقارية الجديدة

النظام الجديد يعتمد على وجود خمس جهات رئيسية لإدارة المساهمة العقارية وضمان سلامة الإجراءات.

وتشمل هذه الأطراف المطور العقاري المسؤول عن تنفيذ المشروع، والمستشار الهندسي المشرف على الأعمال الفنية، والمحاسب القانوني الذي يراجع الحسابات، ومدير المساهمة الذي يتابع الإدارة اليومية للمشروع، إضافة إلى الشركة المالية التي تتولى جمع أموال المستثمرين.

فرص أرباح تصل إلى 40% خلال عامين

يشير مختصون في القطاع إلى أن الاستثمار في المساهمات العقارية قد يحقق عوائد مرتفعة مقارنة ببعض الأدوات الاستثمارية الأخرى.

فعادة ما يتم تطوير المشروع السكني أو التجاري ثم التخارج منه بعد اكتمال التطوير، وهو ما قد يحقق أرباحاً تتراوح بين 30 و40 في المائة خلال فترة تتراوح بين عام ونصف إلى عامين.

ويبدأ الحد الأدنى للمشاركة في المساهمة العقارية من ألف ريال فقط، ما يسمح بدخول شريحة واسعة من المستثمرين.