مصر في مواجهة تداعيات حرب إيران.. اتزان استراتيجي لحماية قناة السويس وتأمين الطاقة واحتواء صدمات النفط


الجريدة العقارية الاثنين 02 مارس 2026 | 10:01 مساءً
مقر المرشد الإيراني الأعلى في وسط طهران
مقر المرشد الإيراني الأعلى في وسط طهران
محمد عاشور

دخلت المنطقة صراعًا إقليميًا مباشرًا وشاملاً عقب إعلان الولايات المتحدة بدء عمليات قتالية واسعة النطاق ضد إيران واستهداف أكثر من ألف موقع حيوي، وهو ما فجر موجة من الردود العسكرية طالت منشآت طاقة ومجالات جوية في عدة دول خليجية. 

ومع تصاعد حدة التهديدات بإغلاق الممرات الملاحية الاستراتيجية كمضيق هرمز، قفزت توقعات أسعار النفط العالمي لمستويات قياسية تتراوح بين 100 و120 دولارًا للبرميل، مما وضع أمن الطاقة والغذاء العالمي أمام اختبار قاسم وسط حالة من الارتباك في حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.

وعلى الجانب المصري، تبرز تداعيات الحرب في شقين أولهما اقتصادي ويتمثل في الضغط غير المباشر على إيرادات قناة السويس نتيجة ارتفاع تكاليف التأمين والوقود، وتضرر بعض الصادرات الزراعية بسبب إغلاق الأجواء الإقليمية وتوقف إمدادات الغاز الوافدة، إلا أن الاستقرار الأمني والسياسي في القاهرة يعزز من فرص تحولها إلى ملاذ استثماري بديل وأكثر أمانًا في ظل اضطراب دول الجوار.

وسياسيًا، تتمسك الدولة بمبدأ الاتزان الاستراتيجي برفض الانجرار نحو الأحلاف العسكرية، مع التركيز على حماية حدودها وتأمين مسارات الملاحة بالبحر الأحمر، باعتبارها دولة ارتكاز تسعى لخفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو انهيارات سكانية أو موجات نزوح كبرى.

ترامب يعلن الحرب الشاملة ومقتل المرشد الأعلى

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدء عمليات قتالية واسعة النطاق في إيران، مبررًا ذلك بمواصلة طهران تطوير برنامجها النووي وتخطيطها لبناء صواريخ قادرة على الوصول للأراضي الأمريكية، زاعمًا أن التهديد الإيراني كان وشيكاً عندما اتخذ قرار إصدار أوامر الضربات، وقد أسفرت الهجمات حتى الآن عن مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وإغراق سفن حربية إيرانية، واستهداف أكثر من ألف هدف.

مضيق هرمز واستهداف دول الخليج

ونقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن شركة استشارية لمراقبة الشحن البحري أن عدة سفن عادت أدراجها من مضيق هرمز، غير أن الصحيفة نفسها نقلت عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية قولها إن المضيق لا يزال مفتوحا وإنها تنصح بعبوره بحذر. 

وفي المقابل، قال الحرس الثوري الإيراني إنه من غير المسموح لأي سفن بعبور مضيق هرمز الذي يربط بين مياه الخليج وبحر عمان، وذلك بعد ساعات من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على الأراضي الإيرانية، فيما ذكرت وكالة مهر الإيرانية أن السفن تتوقف فعليًا عن عبور المضيق.

كما شهدت دول خليجية عدة سلسلة جديدة من الهجمات بصواريخ باليستية ومسيَّرات أطلقتها إيران، استهدفت مواقع ومنشآت في الإمارات والسعودية والكويت والبحرين وقطر، عقب الهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وقد اعترضت الدفاعات الجوية لكل من قطر والبحرين والإمارات والكويت المئات من الصواريخ والمسيرات الإيرانية، وبعد ساعات من بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، أعلنت كل من الكويت والإمارات والبحرين وقطر إغلاقًا مؤقتًا لمجالها الجوي.

سيناريوهات النفط وتجاوز حاجز الـ 100 دولار

رفع “سيتي بنك” توقعاته قصيرة الأجل لسعر خام برنت بمقدار 15 دولارًا للبرميل إلى 85 دولارًا، متةقعًا أن يتراوح سعر النفط العالمي بين 80 و90 دولارًا هذا الأسبوع، نظرًا لاستمرار المخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة واضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، مضيفًا أنه مع احتمال بنسبة 20% لتضرر البنية التحتية النفطية في عدد من دول المنطقة، فقد ترتفع الأسعار إلى 120 دولارًا للبرميل.

وتوقع آلان جيلدر، نائب الرئيس الأول لقطاع التكرير والكيماويات وأسواق النفط في شركة وود ماكنزي، أن تتجاوز أسعار النفط 100 دولار للبرميل إذا لم تُستأنف حركة ناقلات النفط في المضيق سريعًا، حتى مع إعلان تحالف “أوبك+” عن خطط لزيادة الإنتاج في أبريل المقبل، حيث ستظل الكميات الإضافية والطاقة الإنتاجية الفائضة للتحالف غير متاحة إذا استمر إغلاق الممر المائي.

مستقبل الاقتصاد المصري

في هذا السياق، حلل الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، المشهد الاقتصادي الراهن، موضحًا أن التأثير على قناة السويس يأتي بشكل غير مباشر، وذلك عبر ارتفاع تكاليف التأمين وقيمة الوقود، بالإضافة إلى تحويل بعض المسارات الملاحية، مؤكدًا أن الخطر الحقيقي يرتبط بأمن البحر الأحمر بشكل أكبر من ارتباطه بمضيق هرمز نفسه. 

وفيما يخص احتمالية وصول أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار، أشار فؤاد في تصريح لـ "العقارية" إلى أن الأسواق عادة لا تضع في حساباتها السعرية سيناريوهات الإغلاق الكامل أو التعطيل الشامل إلا في حال حدوثها فعليًا، مضيفًا أنه قد تظهر علاوة مخاطر محدودة، لكنها لا ترقى لتكون صدمة إمدادات هيكلية، موضحًا أن تجاوز حاجز الـ 100 دولار يتطلب تعطلاً ماديًا ومستمرًا في الإمدادات، أو اتساعًا مباشرًا للصراع ليشمل منشآت الإنتاج أو ممرات الشحن الرئيسية، وهو أمر اعتبره غير متصور حاليًا.

وعلى صعيد القمح والأمن الغذائي، لفت الخبير الاقتصادي إلى أنه من الطبيعي حدوث ارتفاع في تكاليف التأمين والشحن وتمويل الواردات، مشيرًا إلى أن أدوات التحوط الرئيسية لمواجهة ذلك تتمثل في إدارة المخزون، وتنويع مناشئ الاستيراد، والحصول على تمويلات ميسرة.

أما بخصوص رؤوس الأموال والاستثمار، فقد توقع الدكتور محمد فؤاد احتمالية حدوث موجة من العزوف عن المخاطرة قد تضغط على أدوات الدين بشكل مؤقت، لافتًا إلى أن الاستثمار الخليجي قد يشهد تباطؤاً تكتيكياً لكنه لن يتوقف.

تأثيرات الملاحة والتجارة

أوضح الدكتور محمد البهواشي، الخبير الاقتصادي، أبعاد تأثير الأحداث الجيوسياسية الراهنة في المنطقة على الاقتصاد المصري، مشيرًا إلى وجود نوعين من التأثيرات مباشرة وغير مباشرة، مؤكدًا أن التأثير المباشر يتمثل بشكل أساسي في توقف الملاحة بالبحر الأحمر، مما ينعكس سلبًا على عائدات قناة السويس. 

وأشار البهواشي في تصريح لـ "العقارية"، إلى تضرر الصادرات المصرية، لاسيما المنتجات الطازجة من الخضروات والفاكهة التي تُصدر لدول الخليج، نتيجة الإغلاقات في المطارات، مما ألحق ضررًا بالمنتجات المصرية، مشيرًا إلى أن خروج مضيق هرمز من الخدمة أثر على إمدادات الوقود والنفط عالميًا.

وتوقع ارتفاع أسعار خام برنت مع بدء التعاملات في البورصة الدولية، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى زيادة موجات التضخم وارتفاع تكاليف النقل، مما سيؤثر بشكل مباشر على السوق المحلي.

مصر وجهة استثمارية بديلة

تصدرت مصر قائمة الدول العربية الأكثر جذبًا للاستثمارات الأجنبية المباشرة، بحجم تدفقات بلغ 46.5 مليار دولار، وفقًا لتقرير نشرته CNN الاقتصادية، الذي أوضح أن هذا التقدم يعكس التطور السريع الذي شهدته مصر في مجالات البنية التحتية والنقل والطاقة، إلى جانب إطلاق عدد من المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها مشروع رأس الحكمة الاستثماري بقيمة 35 مليار دولار. وتفوقت مصر في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر على كل من السعودية والإمارات وسلطنة عُمان.

وطمأن البهواشي بأن مصر بعيدة عن المعترك العسكري المباشر، وهو ما يعزز ثقة المستثمر في الحفاظ على استثماراته، موضحًا أن الدولة تسعى لتأمين إمدادات الوقود للمصانع بصفة مستدامة.

وحول إمكانية تحول السوق المصري لبديل للأسواق الخارجية، أكد أن السيادة الوطنية والوضع السياسي المتزن تجعل الاستثمارات في مصر بمأمن من العمليات العدائية، خاصة في ظل تعرض دول الجوار ومنشآت كبرى مثل "أرامكو" لضربات عسكرية.

إجراءات حكومية استباقية وملف الغاز

أعلن المتحدث باسم وزارة الطاقة الإسرائيلية أن بلاده أوقفت، صادرات الغاز إلى مصر، فيما أكدت وزارة البترول المصرية أن القاهرة نوّعت مصادر إمداداتها من الغاز، في إطار إجراءات استباقية لتأمين إمدادات الطاقة محليًا.

وأكد البهواشي أن القيادة السياسية توفر بدائل متعددة وأن السيناريوهات كافة معمول حسابها، لذا لا يوجد قلق أو ضغط على السوق المصري بهذا الشأن.

وتواصل الجهات الحكومية التنسيق لمتابعة تداعيات غلق المجال الجوي على حركة الصادرات المصرية، لاسيما الحاصلات الزراعية، حيث تتابع وزارات الاستثمار والزراعة والتموين الموقف على مدار الساعة.

تمويلات دولية ومسار الصندوق

أقر صندوق النقد الدولي المراجعتين الخامسة والسادسة لاتفاق التسهيل الممدد والمراجعة الأولى لبرنامج الصلابة والمرونة لمصر ما يتيح تمويلات بقيمة 2.3 مليار دولار، بحسب بيان صادر عن الصندوق، كما أقر الصندوق مد أجل برنامج التسهيل الممدد شهرين، لينتهي في ديسمبر 2026، بعدما كان مُقررًا له أن يستمر 46 شهرًا بداية من ديسمبر 2022.

محددات الموقف المصري

سياسيًا، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن مصر ليست طرفًا في الصراع، بل تظل دولة ارتكاز وتتمسك بضرورة التهدئة وحماية قناة السويس، مشيرًا إلى أن القاهرة تتبع مبدأ الاتزان الاستراتيجي وترفض الانجرار وراء الأحلاف، مشددًا على قدرة مصر التامة على حماية حدودها.

ووصف أستاذ العلوم السياسية في تصريح لـ "العقارية"، العمليات العسكرية ضد حزب الله بأنها تهدف لتقويض حرب الإسناد، معتبرًا أن قدرات الحزب قُلمت بشكل كبير، محذرًا من أن الصدام المباشر بين واشنطن وطهران سيوسع دائرة الصراع ليشمل اليمن والعراق وسوريا، ما سيخلف دماراً واسعاً وأعباء اقتصادية وموجات نزوح جديدة.

وحول الملف النووي، لفت سلامة إلى غياب التوازن الدولي، حيث تمتلك إسرائيل قدرات نووية خارج الرقابة، مؤكدًا أن التفوق العسكري الأمريكي لن يغير استراتيجيات مصر التي تمتلك مفاتيح الحوار وتجيد موازنة العلاقات مع القوى الكبرى.

وبشأن إيران، استبعد سيناريو الانهيار الوشيك رغم الحرب الجارية، محذرًا من أن أي انفجار مستقبلي سيؤدي لتداعيات سكانية كارثية وتدفقات لاجئين نحو دول الجوار وروسيا.