شريحة صندوق النقد بين دعم الاحتياطي واستقرار الصرف.. هل ينجح الاقتصاد المصري في موازنة النمو والتضخم؟


الجريدة العقارية الثلاثاء 24 فبراير 2026 | 07:21 مساءً
الاقتصاد المصري
الاقتصاد المصري
محمد عاشور

في توقيت دقيق تتقاطع فيه الضغوط الداخلية مع التوترات الإقليمية، يترقب الاقتصاد المصري تطورات حاسمة تتعلق ببرنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، وسط تساؤلات حول تأثير الشريحة التمويلية المنتظرة على الاحتياطي الأجنبي واستقرار سوق الصرف، وذلك بالتزامن مع تحركات ملحوظة في سعر الدولار، واستمرار مسار التيسير النقدي، وتراجع متوسط العائد على أدوات الدين الحكومية.

ويفتح المشهد الاقتصادي الباب أمام عدة محاور رئيسية، في مقدمتها قدرة السياسات النقدية على الموازنة بين خفض الفائدة وكبح التضخم، ومدى واقعية مستهدفات النمو في ظل تباطؤ عالمي وارتفاع تكلفة التمويل، كما يبرز ملف تنافسية الصناعات التحويلية غير البترولية وزيادة الصادرات كأحد الاختبارات الحقيقية لصلابة التعافي، إلى جانب تساؤلات حول هيكل الدين العام، وجاذبية السوق المصرية للتدفقات الأجنبية، وتأثير التوترات الجيوسياسية في المنطقة على مجمل المؤشرات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة سهر الدماطي، الخبيرة المصرفية، إن الشريحة المنتظرة من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.3 مليار دولار تأتي في إطار الالتزام بالاتفاق المبرم مع الصندوق، موضحة أن هذا المبلغ يتم توفيره نتيجة تنفيذ القرارات المرتبطة بالبرنامج.

دعم الاحتياطي الأجنبي

ردًا على سؤال: إلى أي مدى تمثل شريحة الصندوق البالغة 2.3 مليار دولار دعمًا للاحتياطي الأجنبي؟ أضافت الخبيرة المصرفية في تصريح للجريدة «العقارية» أن هذا المبلغ يتم توفيره نتيجة الالتزام بالقرارات الخاصة بالاتفاق مع صندوق النقد، لكنه ليس بالضرورة أن يُوجه بالكامل إلى الاحتياطي الأجنبي، فقد تكون له استخدامات أخرى، مثل سداد ديون أو توفير مواد خام أساسية لعدد من الصناعات، وبالتالي ليس شرطًا أن يكون مخصصًا بالكامل لدعم الاحتياطي.

سعر صرف الدولار أمام الجنيه

حول ارتفاع الدولار أمام الجنيه، أكدت الدماطي أنها لا تشعر بالقلق إزاء التحركات المحدودة في سعر الصرف، قائلة: «لا أقلق عندما يرتفع الدولار أمام الجنيه أو ينخفض في حدود 4% إلى 5%، لأننا نطبق سعر صرف مرن، وبالتالي يتحرك وفقًا للعرض والطلب، ونقطة التوازن بينهما هي التي تحدد السعر العادل.

وأوضحت أنه كلما زاد الطلب ارتفع السعر والعكس صحيح، مشيرًا إلى أن الفترة الحالية قد تشهد استحقاقات ديون أو تأثيرات ناتجة عن التوترات الجيوسياسية، أو احتياجات تتعلق بأمن الدولة، ونحن نعيش في ظل ظروف جيوسياسية غير مسبوقة، لذلك لا داعي للقلق من هذه التحركات.

وفيما يتعلق برفع توقعات النمو إلى 5.1% و5.5%، قالت: «أعتقد أن هذه التوقعات واقعية، لأن الظروف التي نمر بها تختلف تمامًا عن الظروف في أوروبا أو الولايات المتحدة، ولا يجب إجراء مقارنة مباشرة، فهناك اعتبارات سياسية وجيوسياسية واتجاهات مختلفة لتحديد الأهداف».

معدل التضخم في مصر

أضافت: «لكن فيما يخصنا، شهدنا تحسنًا كبيرًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي، فمعدل التضخم تراجع، والفائدة الحقيقية الموجبة كانت مرتفعة، ثم بدأت الفائدة في الانخفاض بنحو 8.4%، وهو أمر جيد لأنه يشجع على النمو، ومع مزيد من الخفض في الفترة المقبلة، أرى أن النمو سيتحسن بصورة أكبر».

وأشار إلى أن الناتج القومي الإجمالي شهد زيادة غير مسبوقة، إلى جانب ارتفاع التحويلات من العاملين بالخارج، وزيادة الصادرات والسياحة والاستثمار المباشر وغير المباشر، بما في ذلك أذون الخزانة، موضحة أنه رغم استمرار معاناة قناة السويس من بعض التحديات، إلا أننا نأمل عودتها إلى مستوياتها السابقة قريبًا.

دعم الصناعات التحويلية غير البترولية

عن دعم الصناعات التحويلية غير البترولية، أوضحت الدماطي: «النمو لا يعتمد فقط على الاستهلاك المحلي، بل يعتمد بشكل أساسي على نمو الصادرات، وهو أمر مهم للناتج القومي الإجمالي، ولتعزيز التنافسية، يجب أن يكون لدى المصدرين دراية كاملة بالأسواق الخارجية التي يستهدفونها، حتى يتمكنوا من تحديد موقعهم التنافسي بدقة، ومن ثم تحديد أسعارهم بشكل مناسب، وهو ما يؤدي في النهاية إلى زيادة الصادرات».

أسعار الفائدة في مصر

فيما يخص دورة التيسير النقدي، شددت الخبيرة المصرفية على أن خفض الفائدة أصبح منطقيًا في ظل تراجع التضخم، موضحة: «عندما ينخفض التضخم إلى نحو 11.2%، لا يكون من المنطقي الإبقاء على فائدة عند مستوى 20%، لأن ذلك يخرج عن النطاق الاقتصادي الطبيعي، وكلما انخفضت الفائدة تراجعت التكلفة التمويلية على المنتجين، ما يشجعهم على الاقتراض وزيادة الطاقات الإنتاجية والتوسع في التوظيف، وهو أمر مهم للدولة».

وتابعت: «أما بالنسبة لضبط التضخم، فالمستهدف هو 7% ±2%، أي بين 5% و9%، والفارق بين 9% و11.2% ليس كبيرًا، وما زال أمامنا وقت للوصول إلى المستهدف بنهاية عام 2026، مع استمرار البنك المركزي في مراقبة وتيرة تراجع التضخم وخفض الفائدة تدريجيًا».

جذب المستثمرين الأجانب

أضافت بشأن أدوات الدين وجاذبيتها للمستثمرين الأجانب: «المستثمرون خرجوا من السوق الأولية في الولايات المتحدة نتيجة توقعات خفض الفائدة هناك، وبالتالي يتجهون إلى الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر وتركيا، ورغم اختلاف طبيعة الاقتصادين إلا أن أن مؤشرات الاقتصاد الكلي في مصر أفضل من تركيا، وصحيح أننا نعاني، مثل غيرنا، من التوترات الجيوسياسية التي تزيد من درجة المخاطر، لكن في حال تصاعدت الأحداث بشكل كبير في المنطقة، فإن المشهد سيتغير بالكامل».

الفائدة على أذون الخزانة

عن تراجع متوسط الفائدة على أذون الخزانة إلى 23.3%، قالت: «من الطبيعي أن يتراجع متوسط العائد مع انخفاض الفائدة، وبالنسبة لشهية المستثمرين الأجانب، فإنهم ينظرون أولًا إلى مدى صلابة الاقتصاد الكلي ودرجة المخاطر السيادية، ثم إلى العائد، وحتى الآن، ما زالت العوائد لدينا أعلى من العديد من الدول، وبالتالي تظل جاذبة، أما إذا تصاعدت التوترات السياسية، فقد نشهد تأثيرات مختلفة».

وتابعت بشأن التمويل قصير الأجل: «الاستثمار في أدوات الدين غالبًا ما يكون من قبل صناديق ومؤسسات أجنبية بطبيعة قصيرة الأجل، لكن الاتجاه الصحيح للحكومة هو إطالة متوسط عمر الدين، عبر التوسع في الاقتراض طويل الأجل لإدارة الدين بشكل أفضل».

الشريحة الجديدة من صندوق النقد

أكدت أن الشريحة الجديدة من صندوق النقد ليست العامل الحاسم في استقرار سعر الصرف، قائلة: «السوق لا يتأثر فقط بشريحة قيمتها 2 أو 3 مليارات دولار، فهناك مصادر تدفقات أخرى مثل تحويلات المصريين بالخارج التي تبلغ نحو 41 مليار دولار، إلى جانب إيرادات السياحة التي تصل إلى نحو 18 مليار دولار، والصادرات في حدود 40 إلى 45 مليار دولار، فضلًا عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي سجلت في آخر قراءة نحو 3.5 مليار دولار، وبلغت خلال الفترة الماضية بين 13 و17 مليار دولار، وبالتالي فإن سعر الصرف يتحدد وفق حجم الوفرة من العملة الأجنبية مقابل حجم الطلب، وليس بناءً على شريحة واحدة».

كما أكدت الدماطي أن الخطر الأكبر الذي يواجه الاقتصاد المصري حاليًا يتمثل في التوترات الجيوسياسية، قائلة: «من وجهة نظري، الخطر الأكبر هو الوضع الجيوسياسي في المنطقة، لأنه يؤثر في جميع المؤشرات الاقتصادية، أما الإجراءات التي تم اتخاذها لدعم الاقتصاد الكلي فكانت قوية وانعكست على ارتفاع معدلات النمو وتراجع الفائدة، وصحيح أن لدينا أعباء خدمة دين، لكننا ملتزمون بالسداد ولدينا وفرة من العملة الأجنبية إلا أن استمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي قد ينعكس سلبًا على مختلف الجوانب الاقتصادية».

الاقتصاد المصري
الاقتصاد المصري