جاء التعديل الوزاري الأخير ليطرح تساؤلات واسعة حول ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة، وما إذا كانت الحكومة بصدد تدشين خريطة جديدة لعام 2026 تختلف في أدواتها وأولوياتها عن السنوات الماضية. فمع تغيير بعض الحقائب وإعادة توزيع الاختصاصات، بدا واضحًا أن الرسالة الأساسية هي الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة تسريع النمو وتحسين كفاءة الأداء التنفيذي.
ملامح المرحلة الاقتصادية المقبلة
وتتجه الأنظار إلى ما إذا كان هذا التعديل سيترجم إلى سياسات أكثر انضباطًا في إدارة المالية العامة، وتوسيعًا لدور القطاع الخاص، وتعزيزًا للاستثمار والإنتاج والصادرات، بالتوازي مع الحفاظ على برامج الحماية الاجتماعية وتخفيف الأعباء المعيشية. كما يطرح المتابعون تساؤلًا مهمًا حول قدرة الفريق الاقتصادي الجديد على تحقيق توازن حقيقي بين خفض التضخم وتحفيز النشاط الاقتصادي، في ظل استمرار التحديات العالمية والإقليمية.
الخريطة الاقتصادية لـ 2026
وبين الطموحات المعلنة والواقع العملي، تبدو خريطة 2026 مرهونة بمدى وضوح الرؤية، ووجود آليات تنفيذ محددة وجداول زمنية دقيقة، تضمن أن تتحول الأهداف إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتنعكس على مؤشرات النمو والاستقرار المالي خلال العامين المقبلين.
أكد الدكتور خالد الشافعي الخبير الاقتصادي، أن الحديث عن رسم الحكومة لخريطة اقتصادية واضحة لعام 2026 يرتبط بمدى قدرة التشكيل الوزاري الجديد وحركة المحافظين على ترجمة التصريحات إلى سياسات قابلة للتنفيذ وفق جدول زمني محدد.
الموازنة العامة الجديدة تضمن عناوين مهمة
وقال الشافعي، في تصريحات خاصة لـ «العقارية» إن اجتماع الحكومة بشأن الموازنة العامة الجديدة تضمن عناوين مهمة مثل تعزيز الثقة في الاقتصاد، وتحسين الخدمات، وتحقيق التوازن بين معدلات النمو والانضباط المالي، إلى جانب دعم التنافسية والحماية الاجتماعية، موضحًا أن “هذه ليست مجرد عبارات رنانة، لكنها محاور حاسمة إذا تم تنفيذها فعليًا ستُحدث نقلة نوعية في الأداء الاقتصادي”.
وأضاف الخبير الاقتصادي، أن الدولة وضعت بالفعل خطوطًا عامة لرؤية المرحلة المقبلة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الالتزام الصارم بهذه السياسات من جميع الوزراء والمحافظين، مشددًا على أن النجاح لن يُقاس بالكلمات، وإنما بالمؤشرات والنتائج على الأرض، سواء في معدلات النمو، أو السيطرة على التضخم، أو تحسن مستوى معيشة المواطنين.
ملفات استراتيجية مهمة
وأشار إلى أن استحداث منصب نائب رئيس مجلس الوزراء للمجموعة الاقتصادية يحمل دلالة مهمة، خاصة أنه يتولى ملفات استراتيجية مثل وثيقة ملكية الدولة، وقطاع الشركات، والهيئات الاقتصادية، موضحًا أن نجاح هذا المنصب مرهون بقدرته على خلق آلية جديدة ومنسقة للعمل بين الوزراء، وليس الاكتفاء بتكرار نفس أدوات وآليات 2024 و2025.
وأوضح الشافعي أن وجود رؤية جديدة سيظهر سريعًا من خلال وضع برنامج واضح يتضمن أهدافًا رقمية محددة وجداول زمنية معلنة، مؤكدًا أن “إذا تحققت إيجابيات ملموسة في الملفات الأربعة فسيكون لذلك كل التقدير، أما إذا لم يتحقق مردود حقيقي فسنكون أمام تكرار للخطاب دون تغيير جوهري في الأداء”.
وأكد الخبير الاقتصادي أن الحكم على الخريطة الاقتصادية لعام 2026 سيكون من خلال النتائج الفعلية خلال الأشهر المقبلة، قائلًا: “إذا رأينا مؤشرات إيجابية وتحسنًا حقيقيًا في كفاءة إدارة الملفات الاقتصادية، يمكن القول إن هناك رؤية جديدة، أما إذا استمر نفس المسار دون تطور ملموس، فنحن أمام إعادة إنتاج لسياسات السنوات السابقة دون إضافة حقيقية”.
رسم ملامح الخريطة الاقتصادية
أكد الدكتور علي الإدريسي الخبير الاقتصادي، أنه يمكن القول إن الحكومة بدأت فعليًا في رسم ملامح الخريطة الاقتصادية للعام المالي 2026–2027، في ضوء المؤشرات الأولية للموازنة الجديدة، والتي تعكس توجهًا واضحًا نحو تحقيق توازن بين دعم النمو والحفاظ على الاستقرار المالي وتعزيز الحماية الاجتماعية، باعتبارها الركائز الأساسية لأي برنامج اقتصادي متكامل.
وأوضح الإدريسي في تصريح خاص لـ«العقارية» أن الأرقام المعلنة تشير إلى استهداف معدل نمو يتراوح بين 4.5% و5% خلال العام المالي الجديد، مقارنة بنحو 3.8% إلى 4% خلال العام الجاري، مدفوعًا بزيادة الاستثمارات العامة والخاصة، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتعميق الشراكة مع مجتمع الأعمال لتحسين بيئة الاستثمار وزيادة الإنتاج والصادرات.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن الحكومة تسعى كذلك إلى خفض معدل التضخم تدريجيًا ليصل إلى مستويات تتراوح بين 12% و15% بنهاية العام المالي، مستفيدة من استقرار سوق الصرف وتراجع حدة الضغوط التضخمية العالمية، وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابيًا على القوة الشرائية للمواطنين.
خفض معدل الدين العام
وفيما يتعلق بالانضباط المالي، أشار الإدريسي إلى أن الدولة تستهدف تحقيق فائض أولي يتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع العمل على خفض معدل الدين العام إلى أقل من 85% من الناتج خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن ذلك يعكس استمرار سياسة ضبط المالية العامة وزيادة كفاءة التحصيل الضريبي دون فرض أعباء ضريبية كبيرة جديدة على المواطنين.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن الإيرادات العامة تجاوزت 3 تريليونات جنيه في الموازنة الحالية، ومن المتوقع زيادتها في موازنة 2026–2027 بدعم من تحسن النشاط الاقتصادي وتوسيع القاعدة الضريبية، بما يخلق مساحة مالية تسمح بزيادة الإنفاق على القطاعات ذات الأولوية.
تعزيز الحماية الاجتماعية
وأكد الإدريسي، أن الحكومة تحرص بالتوازي على تعزيز الحماية الاجتماعية، من خلال توجيه مخصصات كبيرة لدعم برامج الدعم النقدي مثل “تكافل وكرامة”، وزيادة الإنفاق على التعليم والصحة، وتحسين الأجور والمعاشات، بما يخفف الأعباء عن الفئات الأكثر احتياجًا ويدعم الاستثمار في رأس المال البشري باعتباره أحد أهم محركات النمو المستدام.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن خريطة 2026 لا تستهدف فقط تحقيق معدلات نمو مرتفعة، بل تسعى إلى تحقيق نمو شامل ومتوازن ينعكس على مستوى معيشة المواطنين، مع الحفاظ على جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمارات المحلية والأجنبية، خاصة في ظل توجه الدولة لزيادة مساهمة القطاع الخاص لتصل إلى نحو 65% من إجمالي الاستثمارات خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا على أن التقديرات الأولية للموازنة تمثل إعلانًا غير مباشر عن ملامح الخريطة الاقتصادية الجديدة، والتي تقوم على معادلة دقيقة: تحفيز النمو، والانضباط المالي، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، بما يضمن أن ثمار الإصلاح الاقتصادي تصل إلى مختلف شرائح المجتمع.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض