محمد يوسف الرئيس التنفيذي لشركة Dcode للاستشارات الاقتصادية: 66% زيادة في تحويلات المصريين بالخارج تدفع النمو بالاقتصاد المصري


محمد يوسف: مصر تتجه نحو الاستقرار الاقتصادي بعد وصول احتياطي النقد الأجنبي لـ 51 مليار دولار

الجريدة العقارية الاربعاء 04 فبراير 2026 | 05:43 مساءً
محمد يوسف الرئيس التنفيذي لشركة Dcode للاستشارات الاقتصادية
محمد يوسف الرئيس التنفيذي لشركة Dcode للاستشارات الاقتصادية
العدد الورقي - صفاء لويس

أكد محمد يوسف، الرئيس التنفيذي لشركة Dcode للاستشارات الاقتصادية والمالية، أن فهم الاقتصاد الكلي يُعد المدخل الأساسي لرؤية الصورة الشاملة لأي قطاع، مشددًا على أن هذه الرؤية المتكاملة تصبح أكثر أهمية عند تحليل القطاع العقاري، الذي لا يعمل بمعزل عن باقي مكونات الاقتصاد بل يتأثر ويتفاعل معها بشكل مباشر على المستويين المحلي والعالمي.

وأضاف يوسف أن ما شهده السوق العقاري خلال السنوات الماضية من ارتفاعات سعرية وتحديات متزايدة في القدرة الشرائية لم يكن حدثًا منفصلًا أو ظاهرة مستقلة، وإنما انعكاس مباشر للتغيرات التي طرأت على الاقتصاد المصري المرتبط بدوره بسلسلة من المتغيرات والتقلبات في الاقتصاد العالمي، مؤكدًا أن قراءة المشهد العقاري دون ربطه بالسياق الاقتصادي الأشمل تؤدي إلى تقييم غير دقيق للواقع.

وأشار إلى أن العالم يمر بمرحلة غير مسبوقة من التحولات، لافتًا إلى أن التقلب أصبح هو القاعدة وليس الاستثناء، وأن هناك حقيقة واحدة بات من الضروري الاتفاق عليها، وهي أن العالم يتغير بوتيرة سريعة، وأننا لم نعد نعيش أزمة واحدة بعينها بل مجموعة أزمات متداخلة تشمل أبعادًا جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية واجتماعية وبيئية، تتغذى كل منها على الأخرى وتفرض قيودًا متزايدة على الحكومات والشركات في كيفية إدارة المخاطر واتخاذ القرار.

وأوضح أن الرسالة الظاهر من المشهد العالمي الحالي هي أن التقلبات لم تعد مرحلة مؤقتة أو عابرة، بل أصبحت واقعًا مستمرًا سنعيش معه لفترة طويلة، في ظل ترابط غير مسبوق بين الاقتصادات والأسواق، موضحًا أن ما جرى خلال منتدى دافوس الأخير كان مؤشرًا واضحًا على أن النظام العالمي كما نعرفه يعاد تشكيله، وأن العالم يشهد مرحلة إعادة اصطفاف اقتصادي وسياسي تعيد توزيع مراكز القوة والقيمة.

الملاذ الآمن

وفي هذا السياق، تطرق يوسف إلى سؤال محوري يتعلق باتجاهات القيمة عالميًا، موضحًا أن أحد أهم التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي يتمثل في تغير مفهوم «الملاذ الآمن»، حيث لم يعد الاحتفاظ بالقيمة قائمًا على العملات فقط بل انتقل بشكل متزايد إلى السلع والأصول القابلة للتسييل بسرعة، وهو ما يظهر بوضوح في الارتفاعات القياسية التي سجلتها أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة واقترابها من مستويات تاريخية.

ولفت إلى أن الخبر الإيجابي يتمثل في أن تأثير الأزمات لا يكون متماثلًا بين الدول، إذ تختلف القدرة على امتصاص الصدمات من اقتصاد إلى آخر، موضحًا أنه عند النظر إلى توقعات النمو، نجد أن الاقتصادات المتقدمة تحقق معدلات نمو محدودة تتراوح بين ١.٧٪ و٢٪ في حين تسجل الأسواق الناشئة معدلات نمو أعلى وتصبح أكثر جاذبية للاستثمار، وهنا تبرز مصر كأحد هذه الأسواق الواعدة القادرة على الاستفادة من إعادة توزيع الاستثمارات عالميًا.

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة Dcode أن الاقتصاد المصري بطبيعته حساس للصدمات الخارجية، مشيرًا إلى أن كل أزمة عالمية كبرى، بدءًا من الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨، مرورًا بالتوترات الإقليمية، وصولًا إلى جائحة كورونا، كان لها تأثير مباشر على مسار النمو الاقتصادي، إلا أن اللافت للنظر هو أن الاقتصاد المصري كان يشهد دائمًا مرحلة تعافٍ لاحقة، مدعومة بحزم من الإصلاحات المالية والنقدية.

وأضاف أن الفارق الجوهري في المرحلة الحالية يتمثل في تسارع وتيرة الصدمات، موضحًا أن العالم انتقل من دورة أزمات كل ١٠ سنوات تقريبًا إلى كل ٨ سنوات، ثم ٦ سنوات، ثم ٣ سنوات فقط، وهو ما يفرض على صناع السياسات والشركات على حد سواء درجة أعلى من الحذر والاستعداد، وقدرة أكبر على التكيف مع سيناريوهات متعددة في وقت قصير.

القطاع العقاري

وفيما يتعلق بالقطاع العقاري، أشار يوسف إلى أن ما شهده السوق خلال عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤ كان بالفعل طفرة واضحة، لكنه شدد على أهمية توصيف هذه الطفرة بدقة، موضحًا أنها كانت مدفوعة بدرجة كبيرة باعتبارات التحوط من انخفاض قيمة العملة والحفاظ على القيمة، وليس فقط نتيجة طلب حقيقي مستدام، وهو ما يفسر التباين بين أداء القطاع العقاري وبعض القطاعات الأخرى التي تعرضت لضغوط كبيرة خلال الفترة نفسها.

وأكد أن نقطة التحول الحقيقية جاءت مع حزمة الإصلاحات الاقتصادية المدعومة من صندوق النقد الدولي، موضحًا أن أي إصلاح اقتصادي يشبه العلاج الطبي بعد العمليات الجراحية الكبرى، حيث يحتاج الجسد إلى فترة تعافي قبل أن يستعيد توازنه الكامل، معتبرًا أن هذه الفترة بدأت فعليًا في عام ٢٠٢٥.

وحول التوقعات المستقبلية، قال يوسف إن عام ٢٠٢٦ يحمل ملامح تفاؤل حذر، موضحًا أن المؤشرات تسير في الاتجاه الصحيح، ولكن مع ضرورة التعامل بواقعية وحذر مع التحديات القائمة، مشيرًا إلى وجود مؤشرات إيجابية واضحة، في مقدمتها تراجع معدلات التضخم واستقرار سعر الصرف وارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي إلى مستويات تاريخية تقارب ٥١ مليار دولار، إلى جانب تحول صافي الأصول الأجنبية إلى المنطقة الإيجابية.

وفي المقابل، لفت إلى أن هناك تحديات لا تزال قائمة، تشمل مستويات الدين الخارجي وضغوط ميزان المدفوعات وضعف الصادرات، فضلًا عن تحديات قطاع الطاقة، وإن كانت هناك بوادر تحسن بدأت في الظهور، مؤكدًا أن الأهم في المرحلة الحالية هو توجه الحكومة نحو تقليل الدين قصير الأجل والتحول إلى مزيج دين أكثر استدامة على المدى الطويل، بما يعزز مناعة الاقتصاد وقدرته على الصمود أمام الصدمات المستقبلية.

وتساءل محمد يوسف عن دلالة هذه المتغيرات على القطاع العقاري، موضحًا أن هناك مجموعة من المؤشرات البالغة الأهمية يجب أن يضعها العاملون في السوق العقاري في اعتبارهم عند قراءة المشهد الحالي، في مقدمتها الزيادة القوية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي سجلت نموًا يقارب ٦٦٪ إلى جانب النمو القوي والمستمر في قطاع السياحة، فضلًا عن الأداء الإيجابي لقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وأشار إلى أن تباطؤ قطاع البناء والتشييد خلال الفترة الأخيرة لا يجب أن يُفسر باعتباره تراجعًا، موضحًا أن هذا التباطؤ جاء بالأساس نتيجة تقليل الإنفاق الحكومي في إطار إعادة ترتيب الأولويات المالية، مؤكدًا أن القطاع لا يزال يتمتع بدرجة عالية من الصلابة، وأن ما يحدث هو عملية إعادة توازن اقتصادي طبيعية وليست انكماشًا أو ضعفًا هيكليًا.

وتطرق يوسف إلى تطورات الدخل والقدرة الشرائية منذ عام ٢٠٢٢ وحتى منتصف ٢٠٢٤، موضحًا أن هذه الفترة شهدت ضغوطًا كبيرة على المستهلك، في ظل تجاوز معدلات التضخم لأسعار الفائدة، ما أدى إلى تآكل الدخل الحقيقي واستنزاف جزء كبير من المدخرات وزيادة الاعتماد على القروض لتغطية الاحتياجات الأساسية والاستثمارية.

وأضاف أن الصورة بدأت في التحسن التدريجي مع دخول عام ٢٠٢٥، حيث ظهرت مؤشرات إيجابية تمثلت في تراجع معدلات التضخم وتحسن نسبي في الدخول، إلى جانب توسع ملحوظ في التمويل الاستهلاكي والتمويل العقاري، مدعومًا بدور أكبر للتكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى التمويل سواء عبر المنصات الرقمية أو الحلول التمويلية المبتكرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن فجوة القدرة الشرائية لا تزال قائمة، وتتطلب حلولًا أكثر ابتكارًا واستدامة.

وفي سياق متصل، لفت يوسف إلى أن مفهوم الملاذات الآمنة يشهد تحولًا جديدًا، موضحًا أن المستهلك أصبح أكثر وعيًا، وأن الأصول غير السائلة لم تعد الخيار الأول كما كانت في السابق، في ظل تزايد أهمية السيولة كعامل حاسم في اتخاذ القرار الاستثماري، وهو ما انعكس بوضوح في الأداء الاستثنائي لصناديق الذهب، التي حققت نموًا يقارب ٤٠٠٪ خلال عام واحد.

وأكد أن هذه التطورات تحمل رسالة واضحة للقطاع العقاري، مفادها أن نافذة المضاربة قد أُغلقت، وأن السوق لم يعد يكافئ مجرد الاحتفاظ بالأصول بغرض التحوط فقط، بل أصبح أكثر انتقائية، ويبحث عن القيمة الحقيقية والعائد المستدام.

الفرص الرئيسية

وأوضح الرئيس التنفيذي لشركة Dcode أن الطريق إلى الأمام للقطاع العقاري لا يعني غياب الطلب، بل تغير سلوك هذا الطلب، مشيرًا إلى أن المستقبل سيكون من نصيب المطورين والكيانات القادرة على تقديم قيمة حقيقية للمستهلك، وليس الاكتفاء بدور العقار كأداة لحفظ القيمة.

وفي هذا الإطار، استعرض يوسف مجموعة من الفرص الرئيسية التي يمكن أن تشكل محركات النمو القادمة للقطاع العقاري، في مقدمتها تقليص فجوة القدرة الشرائية من خلال توظيف التكنولوجيا، ولا سيما حلول PropTech وFinTech بما يسهم في خفض التكلفة وتحسين الكفاءة وتوسيع قاعدة المستفيدين من التمويل.

وأضاف أن تصدير العقار المصري يمثل فرصة واعدة، خاصة عبر التوسع في المبيعات الخارجية، ولا سيما في أسواق دول الخليج، مستفيدًا من الميزة السعرية والتنافسية التي يتمتع بها المنتج العقاري المصري، إلى جانب الزخم المتزايد للاهتمام بالاستثمار في السوق المصرية.

وأشار كذلك إلى أهمية الاستفادة من تحويلات المصريين بالخارج، التي تتجاوز ٣٦.٥ مليار دولار سنويًا، باعتبارها أحد أكبر مصادر السيولة المستقرة، والتي يمكن توجيه جزء معتبر منها إلى الاستثمار العقاري إذا ما توفرت الأدوات والمنتجات المناسبة.

كما لفت إلى الفرص الناتجة عن الاندماج مع الطفرة السياحية التي تشهدها مصر من خلال التوسع في الفنادق ذات العلامات التجارية العالمية، والوحدات السياحية المؤجرة، التي تجمع بين العائد الاستثماري والتشغيل الاحترافي وتواكب الطلب المتزايد من السائحين والمستثمرين على حد سواء.

وتأكيدًا على هذا، استعرض محمد يوسف، دراسة اقتصادية تناولت المشهد الاقتصادي لسوق العقارات في مصر، بما يشمله من قطاعات المكاتب والتجاري والسكني، إلى جانب المخاطر العالمية، موضحًا أن الدراسة تعكس صورة شاملة لتطور الاقتصاد المصري وسوق العقارات في سياق محلي ودولي شديد التغيّر، مع إبراز الفرص والتحديات التي تشكّل ملامح المرحلة المقبلة.

وأوضح يوسف أن البيانات التاريخية للاقتصاد المصري تُظهر مدى تعرّضه للصدمات على مدار العقود الماضية، بدءًا من أزمات سعر الصرف، مرورًا بالأزمات المالية العالمية، وصولًا إلى جائحة كورونا والتوترات الجيوسياسية الأخيرة، مضيفا أنه رغم هذه الصدمات المتكررة، يبرز الاقتصاد المصري قدرته على إعادة التوازن والتكيّف عبر حزم إصلاحات نقدية ومالية متتالية، أسهمت في الحفاظ على استمرارية النمو، وإن بوتيرة متباينة.

وأشار إلى أن الرسالة الأساسية من هذه الدراسة تتمثل في أن التقلب أصبح سمة هيكلية، وليس استثناءً، وهو ما يفرض تبنّي نماذج نمو أكثر مرونة واستدامة.

وفي السياق ذاته، أشار يوسف ما أظهرته الدراسة بشأن التحوّل العالمي من مجرد تقلبات دورية إلى اضطراب هيكلي طويل الأمد، تقوده خمسة محركات رئيسية، تشمل العوامل الجيوسياسية، والتكنولوجية، والمجتمعية، والبيئية، والاقتصادية، موضحا أن شبكة العلاقات المعروضة تُبيّن أن عدم المساواة، وتعطّل سلاسل الإمداد، والمخاطر السيبرانية، وتغير المناخ أصبحت عوامل مترابطة تؤثر بشكل مباشر على قرارات الاستثمار والتخطيط العمراني.

وحول أداء القطاعات الاقتصادية، قال يوسف إن مقارنة أداء القطاعات المختلفة خلال السنوات الماضية تُظهر أن قطاع العقارات والإنشاءات ظل من القطاعات الأكثر مساهمة في النمو الحقيقي للاقتصاد المصري، مدفوعًا بالطلب السكاني المتزايد، والتوسع العمراني، والاستثمارات الحكومية في المدن الجديدة والبنية التحتية، مضيفا، أن أداء القطاع العقاري يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحركة الاستهلاك الخاص والاستثمار، ما يجعله مرآة حقيقية لحالة الاقتصاد الكلي.

وفيما يخص سوق المكاتب في القاهرة، أوضح يوسف أن البيانات تشير إلى استقرار نسبي في الإيجارات، مع تباطؤ معدلات النمو في بعض المناطق، إلى جانب تحسن تدريجي في معدلات الإشغال، خاصة في المباني عالية الجودة (Grade A)، فضلًا عن زيادة المعروض المستقبلي، وهو ما يفرض منافسة أكبر بين المطورين، لافتا إلى أن الاتجاه العام للسوق يعكس انتقاله من نمو كمي إلى نمو نوعي، حيث أصبحت الجودة والموقع وكفاءة التشغيل عوامل حاسمة.

وبالانتقال إلى القطاع التجاري، استعرض يوسف ما كشفته الشرائح الخاصة بقطاع التجزئة من استقرار نسبي في الإيجارات، وتراجع معدلات الشغور في المراكز التجارية الكبرى، إلى جانب أداء أفضل للمراكز الإقليمية الكبرى مقارنة بالمراكز الصغيرة، مشيرا إلى أن ذلك يعكس مرونة الطلب الاستهلاكي، مع تحوّل واضح نحو التجارب التجارية المتكاملة وليس مجرد مساحات بيع.

أما عن السوق السكني، فلفت يوسف إن البيانات تؤكد ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار البيع والإيجارات خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار الطلب، خاصة في المدن الجديدة مثل القاهرة الجديدة والسادس من أكتوبر، مشيرًا إلى وجود ضغط متزايد على القدرة الشرائية، ما يبرز أهمية نماذج تمويل أكثر تنوعًا، مضيفا أن السوق السكني لا يعاني من نقص الطلب، بقدر ما يحتاج إلى تنظيم أفضل وهيكل تمويلي أكثر استدامة.

واختتم محمد يوسف الدراسة بالتأكيد على أن جميع المؤشرات المعروضة تتفق على أن الفرصة الحقيقية أمام مصر لا تكمن فقط في بناء مزيد من الوحدات، بل في تطوير أطر تنظيمية ذكية لا تُبطئ السوق بل تنظّمه، والتحول التدريجي من الاعتماد على التمويل المسبق من العملاء إلى التمويل المؤسسي، ورفع معايير الحوكمة والشفافية وإدارة المخاطر، إلى جانب تبنّي مفهوم الاستدامة بمعناه الشامل: المالي والتشغيلي وليس البيئي فقط، مؤكدًا أنه مع توافر الأدوات التنظيمية والتمويلية المناسبة، يمكن لمصر أن تنتقل من كونها سوقًا عالي النمو إلى سوق عقاري استثماري عالي الجودة، جاذب لرؤوس الأموال المحلية والدولية.