انهيار المعادن وهروب الصناديق.. هل فقد الدولار بوصلته الاقتصادية لصالح السياسة؟


الجريدة العقارية الثلاثاء 03 فبراير 2026 | 05:40 مساءً
الدولار الأمريكي
الدولار الأمريكي
محمد شوشة

يواجه الدولار الأمريكي، الذي يتربع على عرش العملات الاحتياطية في العالم، حالة من التخبط والتقلبات الحادة التي وضعت المستثمرين في حالة ترقب وقلق، وتأتي هذه الاضطرابات مدفوعة بتحركات سياسية غير متوقعة تصدر عن البيت الأبيض، تزامنت مع مخاوف متصاعدة بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهي عوامل مجتمعة أعادت إحياء استراتيجيات التداول المعروفة ببيع أمريكا.

وعلى الرغم من وجود توقعات باستمرار ضعف العملة الأمريكية على المدى الطويل، إلا أن الأسواق تفاجأت بارتدادات وانتعاشات مفاجئة في قيمته، مما أربك حسابات المتداولين الذين وجدوا أنفسهم عرضة لتقلبات عنيفة، سواء في حالات الانخفاض الحاد أو الصعود المفاجئ.

سوق المعادن والسلع

شهد شهر يناير تقلبات دراماتيكية، فبعد أن انخفض مؤشر الدولار بنسبة 2% في أسبوع واحد ليصل إلى أدنى مستوياته في أربع سنوات، عاد لينتعش بقوة، مما أحدث فوضى عارمة في قطاع المعادن.

وجاء الانتعاش عقب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بترشيح كيفن وارش، المحافظ السابق في الاحتياطي الفيدرالي، لخلافة جيروم باول الذي انتهت ولايته، ما أدى إلى انهيار سريع في سوق المعادن؛ فالذهب الذي سجل أفضل أداء شهري له منذ نصف قرن في يناير، هوى بنسبة 5% يوم أمس الإثنين، مسجلاً أكبر انخفاض يومي له منذ أوائل الثمانينيات، قبل أن يسترد جزءًا بسيطًا من قيمته اليوم الثلاثاء.

وبحسب مذكرة لـ سوسيتيه جنرال، فإن المتداولين الذين راهنوا بكثافة على ضعف الدولار واستغلوا ارتفاع المعادن، فوجئوا باختفاء هذا التوجه بسرعة البرق، ولم يقتصر الأمر على الذهب، بل طال الانخفاض الحاد أسعار الفضة والنحاس، بينما اتجه خام برنت نحو أسوأ أسبوع له منذ شهرين بعد مكاسب قوية بلغت 16% في يناير.

أسواق العملات

في سوق العملات العالمي، الذي يبلغ حجم تداولاته اليومية نحو 10 تريليونات دولار، بلغت التقلبات مستويات قياسية، وسجل مؤشر سعر صرف اليورو مقابل الدولار أعلى مستوى للتقلبات المتوقعة منذ يوليو الماضي.

وأشارت "كابيتال إيكونوميكس" إلى ظاهرة مقلقة، وهي انفصال الدولار عن مقاييس التقييم التقليدية، مثل الفجوة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان أو أوروبا.

من جانبه، قام بنك "باركليز" باحتساب علاوة مخاطر السياسة الأمريكية، مؤكدًا أن العملة باتت رهينة لخطاب البيت الأبيض ومنفصلة عن التوقعات الاقتصادية الكلاسيكية، مما يصعّب على المستثمرين الأجانب تقييم الأصول المقومة بالدولار.

وتساءل ثيموس فيوتاكيس، المحلل في باركليز: هل سيفقد العالم ثقته في قاعدة الأصول الأمريكية؟.

بيع الأصول الأمريكية

يمتلك المستثمرون الأجانب أصولًا أمريكية تقارب قيمتها 70 تريليون دولار، وهو ضعف ما كان عليه الحال قبل عقد من الزمان، وبدأ مديرو الأموال الأوروبيون بإعادة تقييم حجم انكشافهم على هذه الأصول.

وحذر محللو "بنك أوف أمريكا" من أن ضعف الدولار، وإن كان يعزز أرباح الشركات الأمريكية عالميًا، إلا أن الانخفاض غير المنظم قد يقلب الطاولة، حيث إن أي خسارة شهرية بنسبة 5% في قيمة الدولار قد تؤدي إلى بيع حاد لسندات الخزانة طويلة الأجل، مما يتسبب في تشديد مالي كبير داخل الولايات المتحدة. 

وأضاف البنك أن تزامن انخفاض الدولار مع تراجع الأصول المحلية يمثل خطرًا وجوديًا على المحافظ الاستثمارية.

البحث عن الملاذات الآمنة

دفع الغموض كبار مديري الأصول إلى اتخاذ إجراءات احترازية؛ حيث أعلن أوليفر بلاكبيرن من شركة "جانوس هندرسون" عن تحويل محفظته نحو الموقف المحايد، مخفضًا استثماراته في الأسهم والذهب لتفادي تقلبات الدولار المسيسة.

وفي سياق متصل، لجأ جون ستوبفورد من شركة "ناينتي ون" إلى استراتيجيات التحوط عبر شراء خيارات بيع وشراء متقابلة لتغطية عدم اليقين بشأن عوائد السندات.

وبدأت صناديق التحوط بالتراجع عن الاستثمار في أصول أمريكا الشمالية، مدفوعة بالتوترات التجارية المتصاعدة والضبابية السياسية التي تخيم على المشهد في واشنطن.