لم يعد ذوبان الجليد في القطب الشمالي شأناً بيئياً محضاً، بل تحوّل إلى متغير مؤثر في الاقتصاد العالمي والجغرافيا السياسية. فالتراجع المتسارع للغطاء الجليدي أتاح ظهور ممرات بحرية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا، وتعيد حسابات الوقت والتكلفة في قطاع الشحن الدولي.
نمو ملحوظ في حركة الشحن عبر القطب
أظهرت بيانات حديثة ارتفاع حركة الشحن في المنطقة القطبية بنحو 37% خلال العقد الماضي، مدفوعة بزيادة فترات الملاحة وانحسار الجليد. وخلال عام 2024 فقط، عبرت 1,781 سفينة القطب الشمالي، قاطعة مسافة إجمالية بلغت 12.7 مليون ميل بحري، ما يعكس تحولاً تدريجياً في أنماط التجارة العالمية.
تراجع جليدي غير مسبوق
منذ عام 1980، انخفض الحد الأدنى السنوي لمساحة الجليد في القطب الشمالي بنحو 39%. وتشير التقديرات العلمية إلى أن حجم الجليد المفقود بين عامي 1980 و2025 يتجاوز مساحة اليابسة في الهند، في دلالة واضحة على تسارع آثار التغير المناخي.
جرينلاند في واجهة التغير المناخي
يبرز تأثير الذوبان بشكل خاص في جرينلاند، حيث فقد الغطاء الجليدي نحو 129 مليار طن متري خلال عام 2025 وحده، ما سرّع فتح ممرات بحرية كانت حتى وقت قريب غير صالحة للملاحة.
ممرات بحرية جديدة ومصالح متنافسة
من أبرز الطرق التي يتزايد استخدامها:
طريق البحر الشمالي الممتد بمحاذاة السواحل الروسية
الممر الشمالي الغربي عبر الأرخبيل الكندي
ويحظى طريق البحر الشمالي بأهمية استراتيجية خاصة لروسيا، سواء تجارياً أو أمنياً.
اختصار الزمن والكلفة في الشحن العالمي
في عام 2025، نجحت سفينة في إتمام رحلة بين الصين وأوروبا عبر طريق البحر الشمالي خلال نحو 20 يوماً فقط، مقارنة بحوالي 27 يوماً عبر قناة السويس. كما تقلصت المسافة من أكثر من 11 ألف ميل بحري إلى نحو 7,850 ميلاً، ما انعكس انخفاضاً في تكاليف الوقود والانبعاثات، وتحسناً في كفاءة سلاسل الإمداد.
القطب الشمالي في صلب التنافس الجيوسياسي
إلى جانب أهميته التجارية، بات القطب الشمالي محوراً أساسياً في الحسابات الجيوسياسية. فروسيا تعتبره ركيزة استراتيجية طويلة الأجل، بينما تنظر إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها كعنصر حيوي لأمن الطاقة والمعادن وسلاسل التوريد العالمية.
جرينلاند والموارد الاستراتيجية
أعاد الجدل السياسي حول جرينلاند تسليط الضوء على موقعها الاستراتيجي، ليس فقط كممر ملاحي محتمل، بل كمخزن غني بالموارد الطبيعية، بما فيها النفط والمعادن الأرضية النادرة اللازمة للتحول الطاقوي والتكنولوجيا المتقدمة.
الطريق العابر للقطب: سيناريو المستقبل
مع ارتفاع حرارة القطب الشمالي بمعدل يقارب أربعة أضعاف المتوسط العالمي، تتوقع الدراسات أن تصبح فترات الملاحة أطول وأكثر استقراراً. وتشير التقديرات إلى إمكانية فتح الطريق العابر للقطب الشمالي، الذي يمر مباشرة فوق القطب، أمام الملاحة بحلول عام 2059.
فرص اقتصادية ومخاطر بيئية
رغم المكاسب الاقتصادية المحتملة، يثير هذا التحول تحديات كبيرة تتعلق بحماية النظم البيئية الهشة، وضمان سلامة الملاحة، ومنع تحوّل المنطقة إلى ساحة صراع دولي مفتوح.
خريطة تجارة جديدة قيد التشكل
المؤكد أن ذوبان الجليد لم يعد سيناريو مستقبلياً، بل واقعاً يعيد تشكيل التجارة العالمية، ويفرض على القوى الاقتصادية الكبرى إعادة النظر في طرق الشحن وسلاسل الإمداد، ومعنى السيطرة على الممرات البحرية في القرن الحادي والعشرين.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض