ارتفاع أسعار النفط رغم توقعات فائض المعروض في 2026


الجريدة العقارية السبت 31 يناير 2026 | 09:48 مساءً
النفط
النفط
حسين أنسي

بدأ عام 2026 على عكس كل التوقعات التي سيطرت على أسواق الطاقة في نهايات العام الماضي، فبدلًا من سيناريو تخمة المعروض وتراجع الأسعار، فرضت التطورات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات مسارًا مختلفًا، أعاد أسعار النفط إلى الارتفاع وأربك حسابات المستثمرين والمحللين على حد سواء، في مشهد يعكس هشاشة التوازن بين العرض والطلب رغم المؤشرات الظاهرة لفائض الإنتاج.

ارتفاع غير متوقع لأسعار النفط في مستهل 2026

كان من المنتظر أن تدخل أسواق النفط العام الجديد تحت وطأة فائض كبير في المعروض، مع توقعات بتداول الخام قرب مستويات 50 دولارًا للبرميل، إلا أن الأسابيع الأولى من يناير شهدت قفزات سعرية ملحوظة دفعت العقود الآجلة للخام إلى الاقتراب من مستوى 70 دولارًا للبرميل، مدفوعة بعوامل سياسية وأمنية أعادت علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى الواجهة بقوة.

التوترات الجيوسياسية تعيد تسعير المخاطر

أضافت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن هجوم محتمل على إيران عدة دولارات إلى أسعار الخام، حيث قدّرت مؤسسات مالية، من بينها «سيتي غروب»، علاوة المخاطر الجيوسياسية الحالية بين 7 و10 دولارات للبرميل، وذلك بعد أسابيع فقط من تطورات سياسية كبرى شملت إطاحة الولايات المتحدة بنيكولاس مادورو من الحكم في فنزويلا. وفي ظل هذه الأجواء، انشغل متداولو الخيارات بوضع رهانات صعودية جريئة على بلوغ أسعار النفط مستويات تتجاوز 90 دولارًا للبرميل، في مفارقة واضحة لتوقعات فائض المعروض.

شح الإمدادات في مراكز التسعير الرئيسية

لم تكن الجغرافيا التشغيلية للإمدادات في صالح سيناريو الهبوط أيضًا، إذ جاءت الإمدادات الفعلية أكثر شحًا مما كان متوقعًا، نتيجة أعطال إنتاجية امتدت من كازاخستان إلى ليبيا، إلى جانب عاصفة شتوية قاسية ضربت الولايات المتحدة وأثّرت على الإنتاج والتكرير، ما قلّص توافر الخام في مراكز التسعير الرئيسية، وحيّد جزءًا كبيرًا من الأثر السلبي للفائض النظري في السوق.

فائض موجود… ولكن خارج الرادار الغربي

ورغم استمرار قناعة معظم المحللين بأن الإنتاج العالمي لا يزال يتجاوز الاستهلاك، فإن هذا الفائض لا يتكدس في الأماكن التقليدية المرئية للأسواق، مثل مراكز التخزين الغربية، بل يتركز في براميل روسية خاضعة للعقوبات ومخزنة على متن ناقلات في عرض البحر، إلى جانب استيعاب الصين لجزء كبير من الفائض، ما حدّ من الضغط المباشر على الأسعار في الأسواق المرجعية.

سوق نفط أربك وول ستريت

أسفرت هذه العوامل مجتمعة عن سوق نفط أربكت توقعات وول ستريت، ففي الوقت الذي وضع فيه المتداولون رهانات قياسية على هبوط خام برنت قرب نهاية العام، ارتفعت العقود الآجلة بنحو 15% خلال يناير، متجهة لتحقيق أكبر زيادة شهرية منذ يناير 2022، في وقت يواصل فيه تحالف «أوبك+» تثبيت مستويات الإنتاج دون تغيير، مع ترقب الأسواق لاجتماعه المرتقب.

الصين والهند تمتصان الفائض العالمي

خلال معظم عام 2025، تركز فائض النفط العالمي في الصين، أكبر مستورد للخام في العالم، ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه خلال 2026، مع متوسط استيعاب يقدّر بنحو 300 ألف برميل يوميًا، وفق تقديرات «فورتكسا». وفي ديسمبر، سجلت الواردات الصينية مستوى قياسيًا تجاوز 13 مليون برميل يوميًا، ما عزز قناعة التجار بأن بكين ستظل صمام أمان لاستيعاب الفائض العالمي.

في المقابل، برزت الهند كمشترٍ متزايد للبراميل غير الروسية، مع تكثيف شركات التكرير الكبرى نشاطها في استيراد خامات من الشرق الأوسط وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، في تحول هيكلي قد يستمر خلال الفترة المقبلة.

تدفقات مالية وتقلبات حادة

ساهمت التدفقات المالية في تضخيم موجة الصعود، إذ انتقل المتداولون الخوارزميون خلال يناير من مراكز تشاؤمية حادة إلى الاقتراب من أقصى مراكزهم التفاؤلية، ما عزز الارتفاع السعري، وفق بيانات «إنرجي أسبكتس»، التي حذرت في الوقت نفسه من أن أي انعكاس سريع لهذه المراكز قد يؤدي إلى هبوط حاد ومفاجئ في الأسعار.

عودة تدريجية للإمدادات المعطلة

في المقابل، بدأت بعض الإمدادات المتوقفة في العودة تدريجيًا، مع توقعات بوصول حقل تنغيز النفطي العملاق في كازاخستان إلى طاقته الكاملة خلال أيام، بعد توقفه بسبب حرائق وأعمال صيانة. 

كما بدأت الولايات المتحدة التعافي من تأثير عواصف شتوية أغلقت ما يقرب من مليوني برميل يوميًا من الإنتاج عند ذروتها، رغم تحذيرات من موجات برد جديدة قد تعيد الضغوط قصيرة الأجل على الإمدادات.

معضلة سوق النفط في 2026

تعكس التطورات الحالية معضلة حقيقية تواجه سوق النفط في 2026، حيث يتعايش فائض نظري في المعروض مع شح فعلي في بعض نقاط التسعير، في ظل عقوبات، واضطرابات إنتاجية، وتوترات جيوسياسية، تجعل توقيت عودة الأسعار إلى مسار الهبوط غير محسوم، ومرهونًا إلى حد كبير بالخطوات الأميركية المقبلة تجاه إيران، وبقدرة الأسواق على استيعاب الصدمات المتتالية.