تشهد مناطق شمال وشرق سوريا حالة من الترقب الشديد، في ظل تصاعد التوتر بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، خصوصًا في الحسكة وريف حلب، وسط مخاوف من اندلاع مواجهة مفتوحة قد تهدد استقرار المنطقة.
ويأتي ذلك مع إعلان "قسد" النفير العام ودعوة المدنيين لحمل السلاح، في حين تتواصل الاشتباكات المتقطعة والمحدودة رغم إعلان اتفاق وقف إطلاق النار، ما يعكس هشاشة التهدئة القائمة.
استمرار الاشتباكات رغم الهدنة
رغم اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت يوم 20 يناير لأربعة أيام، وتمديده حتى 8 فبراير، فإن الاشتباكات على الأرض لم تتوقف، وشهدت جبهتا الحسكة وعين العرب في ريف حلب الشمالي الشرقي مواجهات عنيفة مصحوبة بقصف بري وجوي.
ويرجع هذا التصعيد جزئيًا إلى تمديد وزارة الدفاع السورية المهلة 15 يوماً لإتاحة فرصة لنقل عناصر تنظيم "داعش" المحتجزين لدى "قسد" إلى العراق، ما أضاف بعدًا جديدًا للتوتر بين الأطراف المتصارعة.
وتتواصل الاشتباكات بشكل خاص في محيط بلدة الجوادية والطريق الدولي M4 عند قرية الصفا، بالإضافة إلى محيط بلدة خراب عشق التي كانت سابقًا مقرًا للقوات الأمريكية قبل انسحابها عام 2019، ما يعكس تعقيدات السيطرة على المناطق الاستراتيجية والثروات الطبيعية فيها.
تقدم الجيش السوري وتراجع "قسد"
نجح الجيش السوري خلال الفترة الأخيرة في تقليص مساحة سيطرة "قسد" من نحو 60 ألف كيلومتر مربع إلى أقل من 10 آلاف كيلومتر مربع، تشمل أجزاء من محافظة الحسكة ومدينة عين العرب وأريافها في حلب، بعد معارك محدودة بدأت في السادس من يناير الجاري.
ويأتي هذا التقدم مدعومًا بتخلي الولايات المتحدة عن دعم "قسد"، ما مهّد الطريق للجيش السوري للسيطرة على مساحات واسعة خلال فترة قصيرة.
وأكد المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك أن "وظيفة قسد كقوة رئيسية لمكافحة داعش انتهت"، مشيرًا إلى أن القوات الحكومية باتت مؤهلة لتولي الأمن في السجون والمخيمات التي تضم المتطرفين وعائلاتهم، موضحًا أن هذا يوفر فرصة للأكراد للاندماج في الدولة السورية مع الحفاظ على حقوقهم المدنية والثقافية والسياسية.
اتفاق 18 يناير وهدنة هشة
في 18 يناير، أعلن كل من الحكومة السورية و"قسد" التوصل إلى اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار على كافة الجبهات، مع انسحاب التشكيلات العسكرية التابعة لـ"قسد" شرق نهر الفرات، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة للحكومة، ودمج المؤسسات المدنية ضمن هيكل الدولة السورية، وتولي الحكومة السيطرة على المعابر والحقول النفطية والغازية.
كما نص الاتفاق على دمج عناصر "قسد" في وزارتي الدفاع والداخلية بعد التدقيق الأمني، مع منحهم الرتب والمستحقات، وحماية خصوصية المناطق الكردية.
ورغم ذلك، أعلن مظلوم عبدي، قائد "قسد"، لاحقًا النفير العام للدفاع عن "روج أفا"، ما يبرز هشاشة الهدنة.
التصعيد الميداني والخروقات المستمرة
رغم الهدنة، واصلت القوات الحكومية السيطرة على ريفي دير الزور الشمالي والشرقي وريفي الحسكة الجنوبي والشرقي، بما يشمل حقول النفط والغاز الحيوية، فيما تسجل الاشتباكات اليومية خروقات متبادلة تشمل القصف البري والجوي والطائرات المسيرة، ما يعكس حالة توتر مستمرة ومحاولات كلا الطرفين لكسب مناطق جديدة.
وأشار ممثل الإدارة الذاتية في دمشق عبد الكريم العمر إلى أن الهجمات الحكومية على بلدتي خراب عشق والجلبية أسفرت عن سقوط ضحايا وإصابات، مع وجود جثث تحت أنقاض المنازل، مؤكداً التزام "قسد" و"الإدارة الذاتية" بوقف إطلاق النار وتنفيذ بنود اتفاق 18 يناير، رغم الخروقات، مشددًا على أن التهدئة والحوار هما السبيل الوحيد لتجنب حرب جديدة.
الجهود الدولية والإقليمية لدعم التهدئة
تواصل الولايات المتحدة الأميركية، وحكومة إقليم كردستان العراق، بالإضافة إلى دور فاعل للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جهودها لضمان تطبيق اتفاق 18 يناير، بما يشمل دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" و"قسد" في مؤسسات الدولة السورية وفق جدول زمني متفق عليه.
وأكد صالح مسلم، عضو الهيئة الرئاسية لحزب الاتحاد الديمقراطي، أن حل "قسد" والأسايش غير وارد، وأن أي تغيير سيكون في الشكل أو الاسم، لضمان الحماية الذاتية للسكان، وتجنب جر المنطقة إلى حرب أهلية، مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار الحالي نتج عن عملية تفاوضية ثلاثية في أربيل، وأن قنوات التواصل لا تزال مفتوحة مع دمشق والولايات المتحدة لضمان التنفيذ.
الجيش السوري: كل الخيارات مفتوحة
في المقابل، أكد مصدر ميداني من الجيش السوري أن "قسد" تخرق الهدنة يوميًا عبر هجمات برية ومسيرات، وأن الجيش يتعامل مع هذه الخروقات بالطرق المناسبة، مع الإشارة إلى أن كل الخيارات مفتوحة في حال استمرار الخروقات أو حدوث تصعيد واسع، وأن قرار التدخل سيكون للقيادة العامة ولأجهزة الأمن الداخلي لفرض سيادة الدولة على كامل المنطقة، ما يجعل سيناريوهات المستقبل مفتوحة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض