شهدت العاصمة الإيرانية طهران في أواخر الشهر الماضي تجدّد موجة من الاحتجاجات التي لم تلبث أن انتشرت إلى عدد واسع من المدن والمناطق.
ورغم أن الانهيار الحاد في قيمة العملة شكّل الشرارة الأولى، فإن التحركات سرعان ما عبّرت عن مطالب أعمق ترتبط بأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية متراكمة منذ سنوات.
ومع تصاعد الغضب الشعبي، يبرز التساؤل الجوهري حول قدرة هذه الاحتجاجات على إحداث تحوّل فعلي. وفي هذا السياق، تبرز ستة مؤشرات أساسية تستحق المتابعة.
أولاً: حجم المشاركة واتساعها العددي
يمثل البعد العددي عاملاً حاسمًا في تقييم أي حراك احتجاجي داخل إيران. فقد اعتاد النظام الإيراني على موجات متكررة من الاحتجاجات، أبرزها في عامي 2019 و2022، من دون أن تؤدي إلى تغييرات جوهرية في بنية السلطة، باستثناء بعض التنازلات المحدودة مثل التخفيف غير المعلن من قيود الحجاب بعد احتجاجات 2022.
التحركات الحالية انطلقت بأعداد محدودة، إلا أن مؤشرات عدة تدل على تصاعدها، مع ترجيحات بأنها الأوسع منذ عام 2022، رغم صعوبة التحقق الدقيق من أعداد المشاركين بسبب القيود الإعلامية والأمنية.
ثانياً: الانتشار الجغرافي وتنوع الفئات المشاركة
كلما اتسعت رقعة الاحتجاجات وتنوّعت شرائح المشاركين فيها، ازدادت الضغوط على النظام. فقد بدأت التحركات الأخيرة بقيادة تجار متضررين من انهيار العملة، قبل أن تمتد سريعًا إلى المناطق الريفية الفقيرة، والمدن الكبرى، والجامعات.
اليوم، يشارك في الاحتجاجات خليط متنوع من الفئات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ما يمنحها زخمًا أكبر. ويظل موقف الأجهزة الأمنية، سواء من حيث الالتزام الصارم بالأوامر أو إظهار قدر من التعاطف مع المحتجين، عنصرًا مفصليًا في تحديد مسار التصعيد أو الاحتواء.
ثالثاً: طريقة تعامل الحكومة مع الغضب الشعبي
تعتمد استمرارية الاحتجاجات إلى حد كبير على رد فعل السلطات. وغالبًا ما لجأت الحكومة الإيرانية إلى استراتيجية مزدوجة تقوم على الاعتراف الشكلي بالمطالب، بالتوازي مع استخدام أدوات القمع، وهو نهج نجح سابقًا في إخماد تحركات مشابهة.
في السياق الحالي، لم يخرج رد الفعل الرسمي عن هذا الإطار. فقد دعا الرئيس مسعود بيزشكيان إلى الاستماع لمطالب المحتجين، بالتزامن مع الإعلان عن منحة نقدية شهرية محدودة لا تتناسب مع مستويات التضخم المرتفعة. وفي المقابل، شهدت البلاد حملة أمنية أسفرت عن سقوط عشرات القتلى، إضافة إلى عمليات قطع متكررة للإنترنت بهدف إضعاف التنسيق بين المتظاهرين.
ورغم تأكيد الرئيس أنه وجّه قوات الأمن بعدم استهداف المحتجين، فإن حجم العنف المستخدم يثير شكوكًا واسعة حول مدى التزام الأجهزة بهذه التعليمات.
رابعاً: غياب الإصلاحات الجذرية
المعالجة الحقيقية للأزمة تتطلب إصلاحات عميقة ومكلفة سياسيًا واقتصاديًا، فضلًا عن تسوية خارجية، ولو جزئية، مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط. غير أن المؤشرات الحالية لا توحي باستعداد الحكومة أو قدرتها على اتخاذ خطوات بهذا الحجم.
في ظل هذا الجمود، تبقى الحلول المطروحة شكلية، ما يعزز احتمالات استمرار الاحتجاجات وتجدّدها حتى في حال تراجعها مؤقتًا.
خامساً: ضعف التنظيم وغياب البديل السياسي
تعاني الساحة الإيرانية من فراغ واضح على مستوى المعارضة المنظمة. فالحركات الاحتجاجية الداخلية غالبًا ما تُقمع سريعًا، في حين تفتقر قوى المعارضة في الخارج إلى قاعدة شعبية فاعلة داخل البلاد.
هذا الواقع يضع المحتجين في مواجهة مباشرة مع النظام، من دون وجود قيادة موحدة أو مشروع سياسي بديل يمكن الالتفاف حوله. ومع ذلك، فإن تدهور الأوضاع المعيشية والخدمية قد يدفع قطاعات أوسع من المجتمع إلى الاحتجاج، حتى في غياب تصور واضح لما بعد النظام.
سادساً: العامل الخارجي والبيئة الإقليمية
تلعب التطورات الإقليمية والدولية دورًا متزايد الأهمية في المشهد الداخلي الإيراني. ففي ظل تصاعد التوتر مع إسرائيل والولايات المتحدة، تواجه طهران هذه الاحتجاجات تحت ضغط تهديدات عسكرية متنامية، ما يحدّ من هامش المناورة السياسية.
كما تلقى المحتجون إشارات دعم خارجية، من بينها تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب، إلا أن هذا النوع من الدعم يثير انقسامًا داخل المجتمع الإيراني، حيث يخشى البعض من توظيفه خارجيًا بما يضر بشرعية الحراك.
أما الجالية الإيرانية في الخارج، فعلى الرغم من حجمها وتأثيرها الإعلامي، فإن الانقسامات الحادة داخلها تجعل من الصعب توحيد موقف داعم ومؤثر.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض