أحمد عز: فائض إنتاج الصلب العالمي مرشح للارتفاع إلى 745 مليون طن بحلول 2028


الجريدة العقارية الثلاثاء 03 نوفمبر 2026 | 11:43 صباحاً
المهندس أحمد عز
المهندس أحمد عز
العقارية

أكد المهندس أحمد عز، خلال كلمته بقمة الصلب العربي، أن صناعة الصلب العالمية دخلت مرحلة جديدة تختلف جذريًا عن الفترات السابقة، في ظل تفوق الطاقات الإنتاجية على مستويات الطلب، وتصاعد إجراءات الحماية التجارية، وتراجع منظومة التجارة متعددة الأطراف القائمة على قواعد العولمة، مشيرًا إلى أن هذه المتغيرات تفرض تحديات كبيرة على صناعة الصلب العربية وتتطلب تحركًا جماعيًا لمواجهتها.

وقال عز إن قمة الصلب العربي تمثل نموذجًا رائدًا للعمل العربي المشترك، موضحًا أن انعقادها بصورة سنوية أصبح تقليدًا صناعيًا مهمًا، بعد أن لم تكن هناك قمة عربية متخصصة لصناعة الصلب قبل نحو 20 عامًا، مؤكدًا أن هذا الإنجاز تحقق بجهود صناع الصلب العرب من مهندسين ومصممين وفنيين وعمال.

وأضاف أن المشهد العالمي لصناعة الصلب يشهد ثلاثة تحولات رئيسية، أولها وجود فائض غير مسبوق في الطاقات الإنتاجية، وثانيها تصاعد إجراءات الحماية التجارية، وثالثها تآكل النظام التجاري متعدد الأطراف أمام اعتبارات الأمن الاقتصادي والمصالح الاستراتيجية للدول.

وأوضح أن الطاقة الإنتاجية العالمية للصلب بلغت نحو 2.5 مليار طن خلال عام 2025، يتركز نصفها تقريبًا في الصين، بينما بلغ الإنتاج الفعلي نحو 1.65 مليار طن، لافتًا إلى أن نحو 70% من الإنتاج العالمي يعتمد على أفران الصهر التقليدية المعتمدة على الفحم، مقابل 24% من خلال الأفران الكهربائية و6% عبر تكنولوجيا الاختزال المباشر، التي تعتمد عليها غالبية صناعة الصلب العربية.

وأشار إلى أن إنتاج الصلب باستخدام الفحم يرتبط بانبعاثات كربونية تعادل ضعف الانبعاثات الناتجة عن التكنولوجيا المستخدمة في صناعة الصلب العربية، التي تعتمد على اختزال أكاسيد الحديد باستخدام الغاز الطبيعي.

ولفت عز إلى أن الفجوة بين الطاقة الإنتاجية والطلب أدت إلى وجود فائض عالمي يقدر بنحو 600 مليون طن، في الوقت الذي تراجع فيه إنتاج الصين للمرة الأولى منذ نحو عقدين إلى أقل من مليار طن، بينما تواصل الطاقات الإنتاجية الارتفاع في عدد من الأسواق الأخرى.

وأضاف أن التوقعات تشير إلى أن الزيادة في الطلب العالمي على الصلب خلال الفترة من 2026 إلى 2028 لن تتجاوز 34 مليون طن، مقابل خطط لإضافة طاقات إنتاجية جديدة تقدر بنحو 139 مليون طن، وهو ما يرجح اتساع الفائض إلى نحو 745 مليون طن بحلول عام 2028، وفقًا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وفيما يتعلق بالتحول الثاني، أوضح عز أن صناعة الصلب تشهد تصاعدًا غير مسبوق في إجراءات الحماية التجارية، مشيرًا إلى وجود 395 إجراءً لمكافحة الإغراق والدعم قائمًا أو قيد التحقيق خلال عام 2025، إلى جانب بدء 165 تحقيقًا جديدًا خلال الأشهر الستة الماضية.

وأضاف أن الصين تتصدر الدول المستهدفة بهذه الإجراءات بأكثر من 113 تدبيرًا، تليها كوريا الجنوبية بنحو 41 تدبيرًا، ثم فيتنام بنحو 33 تدبيرًا، في ظل توسع الدول الكبرى في استخدام أدوات الحماية لمواجهة تدفقات واردات الصلب.

وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي فرض نظامًا للحماية يتضمن رسمًا أساسيًا بنسبة 50% على واردات الصلب التي تتجاوز الحصص المقررة، بالتزامن مع خفض حصص الاستيراد بنحو 60%، كما اتخذت المملكة المتحدة إجراءات مماثلة تضمنت خفض الحصص بنحو 60% وفرض رسوم بنسبة 50% على الواردات التي تتجاوز الحدود المحددة.

وشدد عز على أن الحماية التجارية لم تعد إجراءً استثنائيًا أو مؤقتًا، بل أصبحت قاعدة أساسية في الأسواق الكبرى، مع اتجاه الدول إلى بناء أنظمة حماية دائمة لصناعاتها المحلية.

وأوضح أن التحول الثالث يتمثل في تراجع فاعلية النظام التجاري متعدد الأطراف أمام اعتبارات الأمن الاقتصادي والقومي، لافتًا إلى تعطل هيئة الاستئناف التابعة لمنظمة التجارة العالمية منذ ديسمبر 2019، إلى جانب توسع الاقتصادات الكبرى في الاستناد إلى استثناءات الأمن القومي لتبرير إجراءاتها التجارية.

وأضاف أن صناعة الصلب لم تعد تُعامل باعتبارها مجرد صناعة تقليدية، بل أصبحت أحد المكونات الاستراتيجية للأمن القومي، في ظل ارتباطها بالصناعات الدفاعية والبنية التحتية وقطاعات النقل والسفن والدبابات، مؤكدًا أنه لا يمكن بناء منظومة دفاعية أو صناعية متكاملة دون توافر صناعة صلب قوية.

وأشار إلى أن أزمات جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا واضطرابات ممرات الملاحة الدولية أثبتت أن سلاسل الإمداد العالمية يمكن أن تتعرض للانقطاع في أي وقت، وهو ما دفع الدول إلى إعادة تقييم أهمية امتلاك قدرات إنتاجية محلية في صناعة الصلب.

وتساءل عز عن أسباب اعتبار هذه المبررات مشروعة لدى الاقتصادات الكبرى، بينما لا تحظى الدول العربية بالاعتبارات نفسها عند اتخاذ إجراءات لحماية صناعتها، مؤكدًا أن حماية صناعة الصلب ترتبط بمواجهة الدعم المشوه للمنافسة، حيث تحصل شركات الصلب في بعض الدول الكبرى المنتجة، وفقًا لتقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على دعم يتراوح بين 220 و270 دولارًا.

وحذر عز من ثلاثة مخاطر رئيسية تواجه صناعة الصلب العربية نتيجة التحولات العالمية، أولها تحويل مسارات التجارة، حيث تبحث الكميات التي يتم منعها من دخول الأسواق الكبرى، مثل الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا والبرازيل والمملكة المتحدة، عن أسواق بديلة أقل حماية، وهو ما يضع الأسواق العربية والإفريقية أمام ضغوط متزايدة من الواردات.

وأوضح أن خفض حصص استيراد الصلب داخل الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى زيادة الكميات المتجهة نحو أسواق أخرى، بما يضاعف الضغوط التنافسية على المنتجين العرب.

أما الخطر الثاني، فيتمثل في لجوء الدول العربية إلى أدوات الحماية بصورة متأخرة ومنفردة، حيث تتراوح الرسوم المطبقة بين 5% و17%، دون وجود تنسيق عربي موحد، بما قد يؤدي إلى حماية سوق على حساب أسواق أخرى داخل المنطقة العربية.

وأشار إلى أن استمرار التحرك بصورة منفردة لا يوفر الحماية الكافية للصناعة العربية، خاصة في ظل اتساع الفائض العالمي ووجود حوافز لدى المنتجين في الأسواق ذات الطاقات الفائضة للبيع بأسعار تقترب من التكلفة المتغيرة، لتجنب توقف الإنتاج وتحمل الأعباء الثابتة.

وفيما يتعلق بسبل مواجهة التحديات، أكد عز أهمية مواصلة تحديث البنية التحتية من خلال المشروعات القومية الكبرى، إلى جانب التوسع في إتاحة الأراضي وتيسير الإجراءات أمام المستثمرين في قطاع البناء والتشييد، وعدم الاقتصار على المشروعات الكبرى وشركات التطوير العقاري.

وأوضح أن تنشيط قطاع البناء والتشييد يتطلب الاهتمام بالمستثمرين وصغار البنائين، باعتبارهم تاريخيًا أحد المحركات الرئيسية لنشاط البناء في العالم العربي، بما يسهم في زيادة الطلب على منتجات الصلب، وعلى رأسها حديد التسليح.

وأضاف أن دعم نمو الصناعات المختلفة، وفي مقدمتها صناعة السيارات، يمثل فرصة مهمة لتعزيز الطلب الصناعي على الصلب، مشيدًا بالتطور الذي حققته المملكة المغربية الشقيقة في صناعة السيارات، وما جذبته من استثمارات في هذا القطاع، وما يمكن أن يترتب عليه من فرص إضافية للاستثمار في صناعة الصلب.

واختتم عز بالتأكيد على أن التحولات الجارية في صناعة الصلب العالمية تستدعي إعادة النظر في آليات التعامل العربي مع الأسواق الدولية، وتعزيز التنسيق بين الدول العربية، بما يضمن حماية الصناعة من الممارسات التجارية غير العادلة، ويدعم قدرتها على المنافسة والاستمرار والنمو.