الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في بريطانيا.. ارتفاع الطلب على أصحاب الخبرات وتراجع فرص التوظيف في قطاعات واسعة


الجريدة العقارية الاحد 02 اغسطس 2026 | 11:39 صباحاً
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في بريطانيا.. ارتفاع الطلب على أصحاب الخبرات وتراجع فرص التوظيف في قطاعات واسعة
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل في بريطانيا.. ارتفاع الطلب على أصحاب الخبرات وتراجع فرص التوظيف في قطاعات واسعة
وكالات

يشهد سوق العمل في المملكة المتحدة تحولًا متسارعًا بفعل الانتشار المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث بدأت الشركات في إعادة رسم أولويات التوظيف، مع التركيز بصورة أكبر على استقطاب أصحاب الخبرات والمهارات التقنية المتقدمة، في الوقت الذي تتراجع فيه فرص العمل في العديد من القطاعات التقليدية.

وتكشف أحدث البيانات أن هذه التحولات لم تعد مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على سوق العمل البريطاني، مع اتساع الفجوة بين الوظائف التي يدعمها الذكاء الاصطناعي وتلك التي أصبحت أكثر عرضة للتراجع.

تراجع عام في الوظائف يخفي اختلافات كبيرة بين القطاعات

أظهرت بيانات موقع "إنديد" المتخصص في التوظيف أن الشركات البريطانية أعلنت خلال الشهر الجاري عن عدد من الوظائف الشاغرة يقل بنحو 10% مقارنة بمستويات يناير 2025.

ورغم هذا التراجع الإجمالي، فإن البيانات تكشف تفاوتًا واضحًا بين القطاعات المختلفة، إذ تتجه المؤسسات بشكل متزايد إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لخفض النفقات التشغيلية وتحسين مستويات الإنتاجية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الوظائف المطلوبة.

عودة قوية لمطوري البرمجيات بفضل الذكاء الاصطناعي

بعد سنوات من التراجع الذي بدأ منذ عام 2022، عاد الطلب على مطوري البرمجيات إلى الارتفاع، حيث زادت الوظائف المعلنة في هذا المجال بنسبة 14%.

وجاءت معظم هذه الزيادة في الوظائف القيادية أو المناصب المرتبطة مباشرة بتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يعكس تغيرًا واضحًا في احتياجات الشركات التي أصبحت تبحث عن الكفاءات القادرة على قيادة التحول الرقمي.

تكنولوجيا المعلومات والهندسة تحافظان على استقرارهما

في المقابل، واصلت وظائف تكنولوجيا المعلومات والهندسة الحفاظ على مستويات مستقرة منذ الصيف الماضي، مستفيدة من قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهام الروتينية، بما يسمح للعاملين أصحاب الخبرات بالتركيز على الأعمال الأكثر تعقيدًا وإضافة قيمة أكبر للمؤسسات.

تراجع ملحوظ في المحاسبة والتسويق والوظائف الإدارية

على الجانب الآخر، سجلت العديد من القطاعات انخفاضًا واضحًا في فرص التوظيف، خاصة الوظائف المكتبية التي تعد أكثر قابلية للاستبدال بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وشملت هذه القطاعات المحاسبة والتسويق، إلى جانب تجارة التجزئة والتصنيع، حيث تجاوزت معدلات انخفاض الوظائف الشاغرة 10%، في ظل سعي الشركات إلى مواجهة ارتفاع تكاليف التوظيف والتعامل مع حالة عدم اليقين الاقتصادي.

خبراء: سوق العمل البريطاني ينقسم إلى مسارين

قال كبير الاقتصاديين في موقع "إنديد"، جاك كينيدي، إن سوق العمل في المملكة المتحدة يشهد انقسامًا متزايدًا إلى مسارين مختلفين.

وأوضح أن الطلب أصبح يتركز بصورة أساسية على أصحاب الخبرات والوظائف المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي، بدلاً من توزيعه بشكل متوازن بين مختلف المهن.

وأضاف أن غالبية الوظائف الجديدة تستهدف كوادر قيادية تمتلك مهارات تقنية متخصصة، وهو ما يجعل الوصول إليها أكثر صعوبة بالنسبة للباحثين عن عمل أو الراغبين في العودة إلى سوق العمل أو الشباب الباحثين عن أول فرصة وظيفية.

تحديات أمام خطط تأهيل الشباب

وتلقي هذه التطورات بظلالها على الخطط الحكومية الرامية إلى تشجيع الشباب على الالتحاق بالتعليم الفني باعتباره أحد المسارات التي توفر مستقبلًا مهنيًا مستقرًا.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، في مقطع مصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن الذكاء الاصطناعي قد يكون قادرًا على كتابة مقال، لكنه لا يستطيع قيادة قطار، في إشارة إلى استمرار أهمية بعض المهن الفنية والعملية رغم التطور التكنولوجي.

تراجع حاد في الوظائف اليدوية

وامتدت آثار التحولات إلى الوظائف اليدوية، حيث تباطأت وتيرة التوظيف بصورة ملحوظة.

وأظهرت البيانات انخفاض الوظائف المعلنة في قطاع التصنيع بنسبة 58% مقارنة بمستويات يونيو 2022، كما تراجعت بنسبة 18% مقارنة بالصيف الماضي.

كذلك لم تستعد قطاعات التركيب والصيانة، والتحميل والتخزين، وأعمال التشييد مستويات النشاط التي كانت تتمتع بها خلال السنوات السابقة.

ارتفاع بطالة الشباب يزيد الضغوط

بالتزامن مع هذه التطورات، ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عشر سنوات، في ظل سوق عمل يعاني من ضعف معدلات التوظيف وتراجع حركة انتقال العمالة.

ويرى محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، أن هذه الأوضاع تعكس اقتصادًا يتسم بضعف التوظيف وضعف تسريح العمال، وهو ما يحد من ديناميكية سوق العمل ويزيد من صعوبة دخول الشباب إليه.

وأكد جاك كينيدي أن الباحثين عن عمل، وخاصة في بداية حياتهم المهنية، يواجهون تحديات أكبر من السابق، إذ أصبحت القطاعات الأكثر نموًا تتطلب بشكل متزايد إما خبرة عملية واسعة أو مهارات متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يرفع سقف المنافسة ويجعل الحصول على وظيفة أكثر صعوبة بالنسبة للوافدين الجدد إلى سوق العمل.