يستعد القطاع المصرفي المصري لتدشين مرحلة جديدة من هندسة التمويل عبر إعادة صياغة أولوياته وهيكلة محافظه الائتمانية لصالح "الاقتصاد الحقيقي"، بالتزامن مع إطلاق برنامج اقتصادي وطني شامل.
ويهدف هذا البرنامج الطموح إلى قيادة قاطرة النمو المستدام عبر تعزيز الاستثمارات والإنتاج والتصدير، وتفعيل "وثيقة سياسة ملكية الدولة" لتمكين القطاع الخاص، بالإضافة إلى دمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية مستنداً إلى التيسيرات الضريبية وقانون المشروعات رقم 152 لسنة 2020.
وعلى صعيد السياسة النقدية، يضع البنك المركزي المصري كبح جماح التضخم والهبوط به إلى معدلات أحادية في صدارة أولوياته، مع الإبقاء على مرونة سعر الصرف لضمان استقرار سوق الصرف الأجنبي وخفض تكلفة الإقراض.
خفض الفائدة مشروط بتراجع التضخم والتحول نحو الشراكة التنموية
أكدت الخبيرة المصرفية شيماء وجيه أن الجهاز المصرفي يتجه نحو تركيز الائتمان على القطاعات الإنتاجية كالصناعة، والزراعة، والتصدير، والطاقة، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، لقدرتها العالية على خلق قيمة مضافة وتوفير النقد الأجنبي من خلال إحلال الواردات.
وأوضحت وجيه أن التمويل الاستهلاكي سيظل قائماً ولكنه سيكون أكثر انتقائية وحذراً للحفاظ على جودة المحافظ الائتمانية، مشيرة إلى تحول البنوك من دور الممول التقليدي إلى "الشريك التنموي" من خلال التوسع في التمويل الأخضر والشمول المالي.
وبشأن أسعار الفائدة، شددت على أهمية التيسير النقدي التدريجي المشروط باستمرار تراجع التضخم واستقرار الصرف للحفاظ على جاذبية الجنيه وتدفقات رؤوس الأموال، مؤكدة أن التنسيق بين السياسة النقدية والمالية هو حجر الزاوية لنجاح مرحلة ما بعد صندوق النقد الدولي.
التوازن الهيكلي والنمو الكيفي يدعمان التمويل المستدام والمصدرين
من جانبه، أشار الخبير المصرفي أحمد أبو الخير إلى تطلع البنوك المصرية نحو خلق توازن هيكلي داخل محافظها التمويلية لصالح الأنشطة الإنتاجية والخدمية بدلاً من الأنشطة الاستهلاكية، رغم دور التجزئة المصرفية في تنويع المخاطر وتحقيق الربحية.
وذكر أبو الخير أن الرؤية المصرفية الحالية تنتقل من "التوسع الكمي" في الائتمان إلى "النمو الكيفي"، حيث يقاس النجاح بمدى مساهمة القرض في توليد تدفقات نقدية مستقرة ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد. كما توقع توسعاً ملحوظاً في التمويل المستدام والزراعة الذكية مناخياً للاستفادة من خطوط التمويل الدولية منخفضة التكلفة، مشدداً على ضرورة دعم المصدرين بآليات التمويل التجاري وأدوات التحوط ضد مخاطر تقلبات أسعار الصرف والفائدة، مع تبني سياسة نقدية مرنة ومدروسة.
خفض تكلفة الإقراض وإتاحة العملة عنصران حاسمان لجذب المستثمرين
وفي سياق متصل، أوضحت الخبيرة المصرفية سهر الدماطي أن نجاح تنفيذ البرنامج الاقتصادي الوطني يتطلب تضافر عدة آليات تضمن بيئة أعمال خصبة وجاذبة للمستثمرين.
وأشارت الدماطي إلى أن المستثمر يحتاج بشكل أساسي إلى خفض تكاليف الإقراض وتوفير العملة الأجنبية لتيسير استيراد المواد الخام اللازمة للإنتاج، فضلاً عن أهمية إفساح القطاع العام المجال للقطاع الخاص ليقود التنمية. وأكدت في ختام تصريحاتها أن استمرار القطاع المصرفي في تقديم التمويلات اللازمة للقطاعات الإنتاجية يحقق فائدة مزدوجة، حيث يعزز من ربحية البنوك ويمنح المستثمرين القدرة والصمود على التوسع الاستثماري في مواجهة التحديات.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض