حذرت ورقة بحثية حديثة صادرة عن صندوق النقد الدولي من أن التوسع في استخدام العملات المستقرة المرتبطة بالدولار قد يشكل تهديدًا متزايدًا لاستقرار العملات المحلية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على أسعار صرف ثابتة تفوق قيمتها الحقيقية.
وأوضحت الدراسة أن هذه العملات، رغم ما توفره من مزايا في أوقات الاستقرار الاقتصادي، قد تتحول إلى عامل يسرّع اندلاع الأزمات النقدية عندما تتعرض الأسواق لضغوط مالية أو عندما يصبح سعر الصرف الرسمي غير معبر عن القيمة الفعلية للعملة المحلية.
كيف تزيد العملات المستقرة من مخاطر الأزمات النقدية؟
أعد الدراسة الباحث براندون جويل تان، الذي أشار إلى أن العملات المستقرة المقومة بالدولار تسهم في توحيد أسعار السوق الموازية في مؤشر واضح وعلني، بدلاً من وجود أسعار متفرقة يصعب متابعتها.
وبحسب الدراسة، فإن هذا التطور قد يسهل تنسيق عمليات التخارج الجماعي من العملة المحلية، ويزيد من سرعة انتقال المستثمرين والمدخرين إلى العملات المستقرة، وهو ما يعمق الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية ويزيد احتمالات انهيار سعر الصرف.
فوائد خلال فترات الاستقرار... لكن المخاطر تتضاعف وقت الأزمات
ورغم التحذيرات، أكدت الدراسة أن العملات المستقرة يمكن أن تحقق فوائد اقتصادية خلال الفترات التي تشهد استقرارًا ماليًا، إذ تسهم في تسهيل المدفوعات وتعزيز كفاءة المعاملات المالية.
إلا أن الباحث شدد على أن هذه الفوائد تتراجع بصورة كبيرة عندما تكون أسعار الصرف الرسمية بعيدة عن مستوياتها الحقيقية، حيث تصبح العملات المستقرة وسيلة سريعة للهروب من العملة المحلية، الأمر الذي يزيد من حدة الأزمات النقدية.
بوليفيا نموذجًا للمخاطر المحتملة
استشهدت الدراسة بتجربة بوليفيا، التي قامت في يونيو 2024 بتخفيف القيود المفروضة على معاملات الأصول الافتراضية، باعتبارها مثالًا على الاقتصادات التي قد تواجه تحديات إضافية في حال توسع استخدام العملات المستقرة بالتزامن مع ضغوط على سعر الصرف.
وترى الدراسة أن مثل هذه السياسات قد تسرّع انتقال الأفراد والشركات إلى الأصول الرقمية المقومة بالدولار إذا فقدت العملة المحلية جزءًا من ثقة المتعاملين.
نتائج المحاكاة تكشف تضاعف احتمالات أزمات العملة
أظهرت نتائج المحاكاة التي تضمنتها الدراسة ارتفاع متوسط احتمالات التعرض لأزمات العملة بشكل ملحوظ مع انتشار العملات المستقرة.
وأشارت النتائج إلى أن:
متوسط احتمال التعرض لأزمة عملة يرتفع من 3.9% في اقتصاد يعتمد على النقد التقليدي إلى 7.4% في اقتصاد يعتمد بالكامل على العملات المستقرة.
وعند وصول اختلال سعر الصرف إلى أعلى مستوياته، تقفز احتمالات الأزمة من 4.8% إلى 12.9%.
وتعكس هذه النتائج، بحسب الدراسة، أن انتشار العملات المستقرة قد يضاعف مخاطر الأزمات النقدية في الدول التي تحافظ على أسعار صرف ثابتة غير متوافقة مع الأساسيات الاقتصادية.
مخاوف متزايدة لدى البنوك المركزية
تأتي هذه التحذيرات في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل البنوك المركزية العالمية بشأن التأثير المحتمل للتوسع في استخدام العملات المستقرة على النظام المالي.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد حذر خلال يونيو الماضي وزراء مالية الاتحاد الأوروبي من أن التوسع في إصدار العملات المستقرة المقومة باليورو قد يؤدي إلى تقليص قدرة البنوك التجارية على تقديم الائتمان، كما قد يحد من فعالية أدوات السياسة النقدية ويصعّب التحكم في أسعار الفائدة.
وجاءت هذه التحذيرات عقب مناقشة مقترحات تستهدف تخفيف متطلبات السيولة المفروضة على الجهات المصدرة للعملات المستقرة، بهدف توسيع السوق الأوروبية التي لا تزال تشهد هيمنة واضحة للعملات المستقرة المرتبطة بالدولار.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض