تحولت موجة الحر الشديدة التي اجتاحت العاصمة البريطانية لندن إلى العنوان الأبرز خلال فعاليات أسبوع لندن للعمل المناخي، بعدما تجاوزت درجات الحرارة حاجز 36 درجة مئوية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سير المؤتمر وأبرز حجم التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية حتى على الدول المتقدمة.
وأدت درجات الحرارة المرتفعة إلى إلغاء إحدى الجلسات المخصصة لمناقشة تأثير موجات الحر، بعدما أثارت الظروف المناخية داخل المبنى التاريخي الذي استضاف الفعالية مخاوف صحية لدى المنظمين والمشاركين، في مفارقة لافتة عكست الواقع الذي كانت الجلسة تناقشه.
ولم تقتصر تداعيات موجة الحر على تعطيل بعض الفعاليات، بل أعادت إلى الواجهة المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالتغير المناخي، إلى جانب التحديات المتزايدة التي تواجه أمن الطاقة عالميًا.
بريطانيا تطلق فريق عمل لمواجهة المخاطر المناخية
في ختام فعاليات الأسبوع، أعلنت وزيرة المناخ البريطانية كاتي وايت تشكيل فريق عمل جديد يضم خبراء في مجالات الأمن والدفاع والأوساط الأكاديمية، بهدف سد الثغرات في استعداد المملكة المتحدة للتعامل مع التداعيات المتزايدة لتغير المناخ.
وأكدت الحكومة البريطانية أن المخاطر لم تعد تقتصر على الظواهر الجوية المتطرفة مثل موجات الحر والفيضانات، وإنما تمتد إلى ارتفاع معدلات الهجرة من المناطق الأكثر تأثرًا بالتغيرات المناخية، وزيادة التوترات الجيوسياسية، فضلاً عن ارتفاع مخاطر الاستثمار والتأمين على البنية التحتية والأصول الاقتصادية.
لندن تكشف خطة للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة
من جانبه، أعلن عمدة لندن صادق خان إطلاق خطة جديدة لتعزيز قدرة العاصمة على مواجهة موجات الحر المتكررة.
وتتضمن الخطة زيادة المساحات الخضراء وزراعة المزيد من الأشجار، وإنشاء أماكن عامة مخصصة للتبريد، بالإضافة إلى تطوير معايير تصميم المباني بما يجعلها أكثر قدرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة خلال السنوات المقبلة.
مشاركة دولية واسعة ونقاشات حول المناخ والطاقة
شهد أسبوع لندن للعمل المناخي مشاركة عشرات الآلاف من المسؤولين والخبراء وقادة الأعمال من مختلف دول العالم، حيث تركزت النقاشات حول المخاطر المناخية المباشرة، وتعزيز أمن الطاقة، وسبل خفض انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن إنتاج الغاز الطبيعي.
كما استضاف الملك تشارلز الثالث فعالية خاصة في قصر سانت جيمس تناولت سبل الحد من الملوثات فائقة التأثير، وعلى رأسها غاز الميثان، بحضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيسة وزراء باربادوس ميا موتلي.
وبسبب غياب أنظمة التبريد داخل القصر التاريخي، طُلب من الضيوف التخلي عن قواعد اللباس الرسمية المعتادة، في مشهد عكس تأثير موجة الحر حتى على الفعاليات الرسمية رفيعة المستوى.
لماذا يمثل غاز الميثان أولوية عالمية؟
أكد المشاركون أن غاز الميثان يعد أحد أخطر الغازات المسببة للاحتباس الحراري، إذ يسهم بنحو ثلث الاحترار العالمي، رغم أن فترة بقائه في الغلاف الجوي أقصر كثيرًا مقارنة بثاني أكسيد الكربون.
ولهذا السبب، يعتبره الخبراء أحد أكثر الحلول فاعلية لتحقيق خفض سريع في معدلات ارتفاع حرارة الأرض خلال العقود القريبة.
شخصيات دولية بارزة تشارك في النقاشات
شهدت فعاليات الأسبوع مشاركة عدد كبير من الشخصيات الدولية البارزة، من بينهم:
آل غور نائب الرئيس الأمريكي الأسبق.
جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الأسبق.
جيم سكيا رئيس الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
قيادات تنفيذية من شركات عالمية، بينها رولز-رويس وغولدمان ساكس وجنرالي.
وخلال إحدى الجلسات، طلبت كبيرة مسؤولي الاستدامة في غوغل كيت براندت من الحضور رفع أيديهم إذا كانوا قد تعرضوا شخصيًا لفيضانات أو موجات حر أو حرائق غابات أو جفاف أو أعاصير، ليستجيب معظم المشاركين، في دلالة واضحة على اتساع نطاق آثار التغير المناخي حول العالم.
غوغل تستعرض حلولًا تقنية لمواجهة التغير المناخي
وأقرت كيت براندت بأن المخاوف المتعلقة باستهلاك شركات التكنولوجيا الكبرى للطاقة والمياه تعد مبررة، لكنها أوضحت أن غوغل تعمل على تطوير مجموعة من الأدوات لدعم جهود العمل المناخي.
وتشمل هذه المبادرات خرائط تساعد المستخدمين على الوصول إلى محطات شحن السيارات الكهربائية، واقتراح طرق أكثر كفاءة في استهلاك الوقود، إلى جانب تطوير أنظمة للإنذار المبكر ورصد الظواهر الجوية المتطرفة.
غوتيريش: العالم يواجه أزمتين في وقت واحد
أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن العالم يعيش ما وصفه بـ"حكاية أزمتين"، في إشارة إلى أزمتي المناخ والطاقة.
وأوضح أن مواجهة التحديات الحالية تتطلب تحركًا سريعًا ومتزامنًا لمعالجة آثار التغير المناخي وضمان أمن الطاقة في الوقت نفسه.
المستثمرون يركزون على المخاطر المناخية المباشرة
من جانبها، أوضحت ليندا إيلينغ لي، رئيسة الأبحاث العالمية في أحد المعاهد التابعة لمجموعة MSCI، أن المستثمرين أصبحوا يولون اهتمامًا أكبر للبيانات المتعلقة بالمخاطر المادية الناجمة عن تغير المناخ، مثل موجات الحر والفيضانات، مقارنة بالتركيز السابق على خطط خفض الانبعاثات فقط.
أمن الطاقة يتصدر أجندة أوروبا
برز أمن الطاقة كأحد أهم الملفات المطروحة خلال فعاليات الأسبوع، حيث دعا مسؤولون أوروبيون إلى تسريع التحول نحو كهربة الاقتصادات عبر التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الكهرباء باستخدام البطاريات، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط.
وأكد مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن عزمه طرح خطة جديدة خلال الأسابيع المقبلة تحت عنوان "كهربة أوروبا"، فيما شدد وزير البيئة الإندونيسي محمد جمهر هداية على أن أزمة الطاقة الحالية أثبتت ضرورة تسريع التحول الهيكلي في أنظمة الطاقة، خصوصًا في الدول الآسيوية.
تحذيرات أممية من نقص تمويل التكيف مع المناخ
وفي ختام النقاشات، حذر رئيس اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سايمون ستيل من أن نقص التمويل المخصص لمساعدة الدول على التكيف مع آثار الاحتباس الحراري يمثل مصدر قلق بالغ.
وأوضح أن ضعف الاستثمار في خفض الانبعاثات سيؤدي إلى زيادة الحاجة إلى تمويل برامج التكيف، بينما سيؤدي التأخر في تنفيذ هذه البرامج إلى ارتفاع الخسائر الاقتصادية والإنسانية الناجمة عن الكوارث المناخية.
وأضاف أن موجة الحر الأخيرة أثبتت أن العديد من مدن العالم لا تزال غير مستعدة للتعامل مع التأثيرات المناخية التي أصبحت واقعًا ملموسًا، وليس مجرد سيناريوهات مستقبلية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض