يشهد سوق المعادن الثمينة واحدة من أكثر فتراته تقلبًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تعرضت أسعار الذهب العالمية لضغوط بيعية قوية دفعت المعدن الأصفر إلى تسجيل خسائر حادة، في ظل تغيرات متسارعة في الأسواق المالية العالمية.
وأظهرت المؤشرات أن الذهب فقد نحو 28% من قيمته مقارنة بأعلى مستوياته التاريخية، في تراجع وصفه محللون بأنه من أكبر موجات التصحيح التي شهدها السوق خلال الأشهر الماضية، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة ترتيب محافظهم الاستثمارية والتخارج من الذهب لصالح أصول أخرى تحقق عوائد أعلى.
ويرى خبراء الأسواق أن هذا الهبوط يعكس تحولًا واضحًا في شهية المخاطرة لدى المستثمرين، مع تراجع الإقبال على الملاذات الآمنة مقابل زيادة الاهتمام بالأصول ذات العائد المرتفع.
قوة الدولار وسياسات الفيدرالي تضغطان على الذهب
لعب صعود الدولار الأمريكي دورًا محوريًا في الضغط على أسعار الذهب، مع استمرار السياسة النقدية المتشددة التي يتبناها مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وأوضح محللون أن توجهات البنك المركزي الأمريكي نحو الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، أو رفعها إذا استدعت الظروف الاقتصادية، عززت من جاذبية السندات الأمريكية التي توفر عوائد ثابتة، مقارنة بالذهب الذي لا يحقق عائدًا مباشرًا للمستثمرين.
كما ساهم استمرار الضغوط التضخمية داخل الاقتصاد الأمريكي في تعزيز التوقعات باستمرار قوة الدولار خلال الفترة المقبلة، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على الذهب باعتباره أحد أهم الملاذات الآمنة في الأسواق العالمية.
أسهم الذكاء الاصطناعي تستقطب السيولة العالمية
في المقابل، شهد قطاع التكنولوجيا طفرة استثمارية كبيرة، خاصة الشركات العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتصنيع الرقائق الإلكترونية، والتي نجحت في جذب مليارات الدولارات من المؤسسات والصناديق الاستثمارية العالمية.
وأشار مراقبون إلى أن العديد من المستثمرين قاموا بتقليص استثماراتهم في صناديق الذهب المتداولة، وإعادة توجيه السيولة نحو أسهم التكنولوجيا، بحثًا عن عوائد أكبر وفرص نمو أسرع.
وأكد خبراء أن هذا التحول في اتجاهات الاستثمار كان أحد أبرز الأسباب التي ساهمت في زيادة الضغوط البيعية على المعدن الأصفر ودفع أسعاره إلى مستويات منخفضة.
تراجع المخاطر الجيوسياسية يقلل الطلب على الذهب
كما ساهم انخفاض حدة التوترات الجيوسياسية في عدد من المناطق الحيوية حول العالم في تراجع الإقبال على الذهب.
وأوضحت تقارير اقتصادية أن انحسار المخاوف المرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب التقدم في بعض جهود التهدئة السياسية، أدى إلى تراجع علاوة المخاطر التي كانت تمنح الذهب دعمًا قويًا خلال الفترات السابقة.
وفي الوقت نفسه، بدأت عدة بنوك مركزية حول العالم في تخفيض وتيرة مشترياتها من الذهب، بعد موجات شراء قوية استمرت لفترة طويلة، وهو ما أفقد السوق أحد أهم مصادر الدعم خلال المرحلة الحالية.
ويرى محللون أن السوق استوعبت معظم العوامل الإيجابية التي دعمت الذهب خلال السنوات الماضية، الأمر الذي جعل الأسعار أكثر عرضة لحركات تصحيح قوية مع غياب محفزات جديدة للارتفاع.
هل انتهى دور الذهب كملاذ آمن؟
ورغم التراجعات الأخيرة، يؤكد خبراء الاستثمار أن الذهب لا يزال يحتفظ بمكانته داخل المحافظ الاستثمارية باعتباره أداة فعالة لتنويع الأصول وتقليل المخاطر.
وينصح المختصون بالاحتفاظ بنسبة تتراوح بين 5% و10% من إجمالي المحفظة الاستثمارية في الذهب، لما يوفره من حماية نسبية ضد الأزمات الاقتصادية المفاجئة، وتقلبات أسعار العملات، وعودة الضغوط التضخمية.
وأشار الخبراء إلى أن مستقبل أسعار الذهب خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بعدة عوامل رئيسية، في مقدمتها بيانات التضخم الأمريكية، وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، وأداء الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى تطورات الأوضاع الجيوسياسية التي قد تعيد الطلب على المعدن الأصفر في أي وقت.
توقعات المرحلة المقبلةيتوقع محللون أن تستمر أسعار الذهب في التحرك داخل نطاقات متقلبة خلال الفترة المقبلة، مع استمرار ترقب المستثمرين للبيانات الاقتصادية العالمية.
ويرى خبراء الأسواق أن أي تراجع في معدلات التضخم أو اتجاه البنوك المركزية إلى تخفيف السياسة النقدية قد يمنح الذهب فرصة لاستعادة جزء من خسائره، بينما قد يؤدي استمرار قوة الدولار وارتفاع العوائد إلى مواصلة الضغوط على المعدن الأصفر.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض