يكن النصف الأول من عام 2026 فترة استثنائية لسوق الحديد المصري، لكنه كان واحدًا من أكثر الفترات التي عكست قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية والتشغيلية المعقدة، فبين ضغوط مستمرة على تكاليف الإنتاج من جهة، وتراجع الزخم الشرائي في بعض قطاعات البناء والتطوير العقاري من جهة أخرى، نجح القطاع في الحفاظ على حالة من التوازن النسبي جنّبته التقلبات الحادة التي اعتادها خلال السنوات الأخيرة، ليواصل أداءه وسط معادلة دقيقة تجمع بين وفرة المعروض وحذر الطلب.
وعلى مدار الأشهر الستة الأولى من العام، تحركت أسعار الحديد داخل نطاقات محدودة مقارنة بالموجات السعرية العنيفة التي شهدتها السوق خلال فترات سابقة، مستفيدة من استقرار نسبي في سعر الصرف وتوافر الخامات والإنتاج المحلي، في الوقت الذي ساهم فيه تباطؤ الطلب من جانب الأفراد وبعض المشروعات الخاصة في الحد من أي ارتفاعات كبيرة للأسعار، وبينما سجلت السوق زيادات تدريجية خلال الربع الأول من العام نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة، عادت الأسعار إلى حالة من الاستقرار النسبي خلال الربع الثاني، في مؤشر على توازن العرض والطلب وقدرة السوق على استيعاب الضغوط المختلفة.
وفي قلب هذا المشهد، واصلت المشروعات القومية والبنية التحتية لعب دور المنقذ الرئيسي للقطاع، بعدما حافظت على مستويات طلب مستقرة دعمت تشغيل المصانع وساهمت في استمرار حركة الإنتاج.
كما استمرت المدن الجديدة وشبكات الطرق والمرافق والمشروعات العمرانية الكبرى في توفير قاعدة استهلاكية قوية للحديد، في وقت تراجع فيه تأثير البناء الفردي مقارنة بسنوات سابقة بفعل ارتفاع تكلفة التشييد وأسعار الأراضي والخدمات والعمالة.
في المقابل، اتجه كبار المطورين العقاريين إلى تبني سياسات شراء أكثر انضباطًا، تعتمد على الاحتياجات الفعلية لمراحل التنفيذ بدلاً من تكوين مخزونات كبيرة، وهو ما ساعد على تهدئة الطلب ومنع حدوث موجات شراء مفاجئة تؤدي إلى قفزات سعرية غير مبررة، وعززت السياسات الحكومية الداعمة للصناعة المحلية، وفي مقدمتها فرض الرسوم الوقائية ومكافحة الإغراق على بعض الواردات، من قدرة المصانع على الحفاظ على مستويات الإنتاج والتشغيل.
ومع استمرار امتلاك السوق المصرية طاقات إنتاجية كبيرة، برز التصدير كأحد أهم أدوات التوازن، حيث كثفت الشركات جهودها للتوسع في الأسواق العربية والأفريقية لتعويض تباطؤ الطلب المحلي وتحسين معدلات التشغيل، وبينما يترقب المنتجون والمطورون والتجار مسار أسعار الطاقة والخامات عالميًا، يبقى أداء القطاع العقاري العامل الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح سوق الحديد خلال النصف الثاني من العام، وسط توقعات باستمرار حالة الاستقرار النسبي ما لم تطرأ متغيرات جوهرية على خريطة الطلب أو تكاليف الإنتاج.
ويشهد سوق الحديد المحلي خلال يونيو الحاليّ حالة من الاستقرار النسبي في الأسعار مدعومة بتوازن بين تكاليف الإنتاج وحجم الطلب وعوامل الدعم والضغط حيث حافظت الأسعار على مستويات مرتفعة مقارنة بالسنوات السابقة بينما واجهت السوق تحديات مرتبطة بتباطؤ بعض الأنشطة العقارية الخاصة واستمرار الضغوط الناتجة عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والطاقة والشحن في وقت يترقب فيه المصنعون والتجار والمطورون العقاريون تداعيات التطورات الاقتصادية والإقليمية على السوق خلال النصف الثاني من العام الحاليّ 2026.
وبحسب متابعة حركة السوق بدأت أسعار الحديد عام 2026 عند مستويات قريبة من نهاية عام 2025 قبل أن تشهد زيادات تدريجية خلال الربع الأول مدفوعة بارتفاع تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة ثم اتجهت إلى الاستقرار النسبي خلال الربع الثاني من العام.
وتتراوح أسعار الحديد خلال يونيو الجاري بين 38 و40 ألف جنيه للطن للمستهلك بحسب الشركة المنتجة والمنطقة الجغرافية وفقًا لتكاليف النقل وهوامش التوزيع من محافظة إلى أخرى فيما استقرت أسعار غالبية المصانع خلال الأسابيع الأخيرة مع تسجيل تحركات محدودة صعودًا وهبوطًا.
وخلال مايو ويونيو سجلت بعض الشركات تراجعات طفيفة في الأسعار تراوحت بين 500 و700 جنيه للطن في بعض الفترات بينما استقرت غالبية المصانع الكبرى عند مستويات تدور حول 39 ألف جنيه للطن.
بداية قال حسن المراكبي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة المراكبي للصلب، إنه وفقًا لحركة التداول خلال النصف الأول من العام 2026 فأن المشروعات الحكومية ما زالت تمثل الضامن الرئيسي لاستمرار الطلب على الحديد في السوق المحلية سواء من خلال مشروعات البنية التحتية أو المدن الجديدة أو شبكات الطرق والمرافق.
ويؤكد المراكبي لـ«العقارية» أن استهلاك المشروعات المرتبطة بالدولة حافظ على معدلات مستقرة نسبيًا وهو ما ساعد المصانع على تشغيل طاقاتها الإنتاجية بمستويات مقبولة رغم تراجع الطلب الفردي في عدد من المحافظات.
وأشار إلى أن غياب هذا الطلب كان من الممكن أن يضع السوق أمام تحديات أكبر خصوصًا في ظل حالة الحذر التي تسيطر على قرارات البناء والاستثمار العقاري لدى بعض الشرائح، مضيفًا أن حالة الاستقرار الراهنة جاءت بعد فترة من التقلبات التي شهدها السوق خلال العام الماضي نتيجة تغيرات أسعار الطاقة والخامات عالميًا إلى جانب تأثيرات سعر الصرف وتكاليف التمويل.
المطورون العقاريون شراء محسوب لا تخزين
بينما يرى هاني العتال، عضو مجلس الشيوخ ورئيس مجلس إدارة شركة العتال للحديد والصلب، أن كبار المطورين العقاريين اتجهوا خلال الأشهر الماضية إلى تبني سياسات شراء أكثر تحفظًا مقارنة بفترات سابقة.
وتابع: «فبعد سنوات شهدت تقلبات حادة في أسعار مواد البناء أصبحت الشركات العقارية تعتمد بصورة أكبر على الشراء المرحلي وفق جداول التنفيذ الفعلية للمشروعات بدلاً من تكوين مخزونات ضخمة كما كان يحدث في أوقات عدم اليقين».
وأوضح أن هذا التوجه أدى إلى تقليص حجم المشتريات الاستباقية لكنه في الوقت نفسه ساهم في تحقيق قدر من التوازن داخل السوق ومنع حدوث موجات طلب مفاجئة تؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار، منوهًا إلى أن حالة البناء الفردي للأهالي كانت الأقل نشاطًا خلال النصف الأول من 2026 ويرجع ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة في مقدمتها ارتفاع التكلفة الإجمالية للبناء وزيادة أسعار الأراضي والخدمات والعمالة إلى جانب توجه عدد من المواطنين إلى تأجيل قرارات البناء انتظارًا لتحسن الظروف الاقتصادية أو استقرار أسعار مواد التشييد.
وأكد أن حجم الطلب القادم من الأفراد لم يعد يمثل القوة الرئيسية المحركة للمبيعات كما كان في فترات سابقة بينما أصبحت المشروعات الكبرى هي العامل الأكثر تأثيرًا في حركة الاستهلاك.
وأضاف أن النصف الأول من العام شهد استمرار السياسة الحكومية الهادفة إلى حماية الصناعة المحلية من الممارسات التجارية الضارة مع الحفاظ في الوقت نفسه على توافر الخامات ومستلزمات الإنتاج وسعت الجهات المعنية إلى تحقيق توازن بين حماية المنتج المحلي وضمان عدم حدوث نقص في المعروض، خاصة أن صناعة الحديد تعد من الصناعات الاستراتيجية المرتبطة مباشرة بقطاعات التشييد والبنية التحتية.
وتابع: «في المقابل واصلت الشركات المنتجة التوسع في الأسواق الخارجية مستفيدة من تنافسية المنتج المصري في عدد من الأسواق العربية والأفريقية وبــات التصديـــر يمثل عنصرًا مهمًا في خطط المصانع للحفاظ على معدلات التشغيل خصوصًا في ظل التفاوت الموسمي في مستويات الطلب داخل السوق المحلية.
وكان أبرز القرارات المؤثرة على السوق خلال النصف الأول من 2026 قرار وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية بفرض رسوم وقائية نهائية على واردات خامات الحديد نصف الجاهزة «البليت» بنسبة تصل إلى 13 % اعتبارًا من أبريل 2026 وحتى سبتمبر 2028، وذلك بهدف حماية الصناعة المحلية من المنافسة غير العادلة ودعم المصانع العاملة بالسوق المصرية.
كما تم خلال أبريل 2026 تمديد العمل بالرسوم النهائية لمكافحة الإغراق على واردات الفيروسيليكون (أحد مدخلات صناعة الحديد والصلب) القادمة من الصين والهند وروسيا في إطار استمرار سياسة حماية الصناعة الوطنية من الواردات منخفضة الأسعار.
وقال خالد الدجوي عضو شعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية إن هذه القرارات عززت من قدرة المصانع المحلية على الحفاظ على مستويات التشغيل والإنتاج كما ساهمت في تقليل الضغوط الناتجة عن المنافسة الخارجية.
وأشار إلى أن شركات الحديد ومواد البناء اتجهت إلى تعزيز وجودها الخارجي خلال 2026 مستفيدة من زيادة الطلب في عدد من الأسواق العربية والأفريقية خاصة في أسواق إعادة الإعمار بالمنطقة العربية، مؤكدًا في تصريحات خاصة لـ«العقارية» أن التصدير أصبح عنصرًا أساسيًا في استراتيجيات التشغيل خصوصًا في ظل امتلاك القطاع طاقات إنتاجيــة تفـــوق احتياجات السوق المحلية في بعض الفترات.
وتتجه التوقعات إلى استمرار حالة الاستقرار النسبي في سوق الحديد خــلال المـــدى القصير مدعومة بتوافر المعروض وتوازن مستويات الطلب مع احتمالات حدوث تحركات سعرية محدودة وفقًا لتطورات الأسواق العالمية وتكاليف الإنتاج.
ويرى الدجوي أن أداء السوق خلال النصف الثاني من 2026 سيعتمد بصورة كبيرة على ثلاثة عوامل رئيسية تتمثل في تطورات الأوضاع الإقليمية ومستويات النشاط العقاري واتجاهات أسعار الطاقة والخامات عالميًا وفي ظل استمرار المشروعات العمرانية الكبرى وخطط التنمية التي تنفذها الدولة والقطاع الخاص يظل سوق الحديد أحد القطاعات المرتبطة بشكل وثيق بأداء السوق العقاري بما يجعله مرآة مباشرة لحركة الاستثمار والتشييد في الاقتصاد المصري.
أسعار الحديد.. ارتفاع محدود
منذ بداية العام
وأشار محمد السويفي، أحد تجار مواد البناء في مصر، إلى أن متوسط سعر طن الحديد الاستثماري سجل نحو 36.4 ألف جنيه في بداية يناير 2026 بينما بلغ ســعر حديـــد عــــز قرابة 37.8 ألف جنيه للطن للمستهلك ومع نهاية النصف الأول من العام ارتفع متوسط سعر الحديد الاستثماري إلى نحو 38.8 ألف جنيه للطن، بزيادة تقارب 2.4 ألف جنيه مقارنة بمستويات بداية العام.
ورغم تسجيل زيادات متفرقة خلال بعض الأسابيع فإن السوق لم يشهد قفزات سعرية كبيرة حيث ساهم ضعف الطلب النسبي في الحد من انتقال الزيادات العالمية في أسعار بعض مدخلات الإنتاج إلى السوق المحلية بشكل كامل.
حركة الطلب.. المشروعات
القومية تتصدر
وأكد السويفي في تصريحات خاصة لـ«العقارية» أن المشروعات الحكومية والقومية ما زالت تمثل المحرك الرئيسي لاستهلاك الحديد في مصر خاصة مشروعات البنية التحتية والطرق والمرافق والمدن الجديدة وفي المقابل شهدت حركة البناء الفردي والمشروعات السكنية الصغيرة للأهالي معدلات نمو أقل مقارنة بفترات سابقة نتيجة ارتفاع تكلفة البناء وتزايد أسعار مواد التشييد بصورة عامة.
وتابع: أما المطورون العقاريون فقد اتجهوا خلال النصف الأول من العام إلى إدارة عمليات الشراء بصورة أكثر حذرًا مع الاعتماد على جداول تنفيذ طويلة الأجل وتجزئة المشتريات وفق مراحل التنفيذ وهو ما حد من حدوث قفزات مفاجئة في الطلب.
ولفت إلى ارتباط أداء سوق الحديد بصورة وثيقة بحركة القطاع العقاري حيث يؤثر حجم الطروحات الجديدة ومعدلات تنفيذ المشروعات السكنية والتجارية على حجم الاستهلاك المحلي، موضحًا أن استمرار نشاط الشركات العقارية الكبرى في المدن الجديدة ساهم في الحفاظ على مستويات الطلب خلال النصف الأول من العام في الوقت الذي شهدت فيه بعض الشرائح السكنية التقليدية تباطؤًا نسبيًا نتيجة ارتفاع تكلفة التمويل والإنشاء.
الصادرات.. فرصة لتعويض
تباطؤ السوق المحلية
واوضح أنه خلال الفترة الأخيرة واصل عدد من المنتجين التركيز على الأسواق الخارجية باعتبارها أحد المنافذ المهمة لتصريف الإنتاج في ظل امتلاك المصانع المصرية طاقات إنتاجية كبيرة مقارنة بمعدلات الاستهلاك المحلي خاصةً وأن التوسع في التصدير أصبح ضرورة استراتيجية للحفاظ على معدلات التشغيل والاستفادة من تحسن الطلب في بعض الأسواق الإقليمية والأفريقية مع استمرار المنافسة القوية في الأسواق العالمية.
وأكد السويفي أن الصناعة المصرية تمتلك قدرات إنتاجية قادرة على تغطية جانب كبير من احتياجات السوق المحلية وهو ما يجعل الحفاظ على التوازن بين الواردات والإنتاج المحلي عنصرًا أساسيًا لاستقرار السوق.
ورغم استمرار ارتفاع بعض عناصر التكلفة عالميًا فإن السوق المحلية لم تشهد قفزات كبيرة في أسعار الحديد خلال النصف الأول من العام وأرجع السويفي هذا إلى عدة أسباب أبرزها تراجع القوة الشرائية في بعض القطاعات واتباع المطورين العقاريين سياسات شراء أكثر حذرًا إلى جانب توافر الإنتاج المحلي بكميات كافية لتغطية الاحتياجات وكذلك ساهمت المنافسة بين المنتجين في الحفاظ على استقرار نسبي للأسعار ومنع حدوث زيادات متتالية كما كان يحدث خلال فترات نقص المعروض.
وأضاف أن السوق يترقب خلال النصف الثاني من 2026 مؤشرات أكثر وضوحًا بشأن نشاط التطوير العقاري وحجم الطروحات الجديدة باعتبارها العامل القادر على إعادة تنشيط الطلب ودعم حركة التداول، وتابع: «في المجمل نجح سوق الحديد خلال النصف الأول من 2026 في تجاوز مرحلة شديدة الحساسية دون اضطرابات كبيرة في الأسعار أو نقص في المعروض».
وأوضح أنه رغم استمرار الضغوط على تكلفة الإنتاج فإن تراجع الطلب الفردي واتباع الشركات العقارية سياسات شراء أكثر انضباطًا ساهما في تحقيق قدر من الاستقرار ومع استمرار المشروعات القومية والتوسع في التصدير توقع أن يظل السوق قادر على الحفاظ على توازنه خلال الأشهر المقبلة إلا أن اتجاهات القطاع العقاري ستظل العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الأسعار والطلب حتى نهاية العام، متابعًا: « أداء القطاع العقاري يبقى العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل سوق الحديد خلال ما تبقى من العام 2026 فكلما زادت معدلات تنفيذ المشروعات الجديدة وتحسنت المبيعات العقارية ارتفع استهلاك الحديد بصورة مباشرة، والعكس صحيح»
سوق الأسمنت في مصر خلال النصف الأول من 2026.. طلب متماسك وزيادات سعرية محدودة والمشروعات القومية تواصل قيادة الاستهلاك
رغم الضغوط المتصاعدة التي فرضتها تكاليف الطاقة والوقود والنقل على الصناعة المصرية، نجح سوق الأسمنت في عبور النصف الأول من عام 2026 بأقل الخسائر،
محافظًا على حالة من الاستقرار النسبي في وقت شهدت فيه قطاعات عديدة من مواد البناء تغيرات متسارعة في الأسعار والطلب، وبين وفرة إنتاجية تتجاوز احتياجات السوق المحلية، ومشروعات قومية عملاقة تواصل ضخ طلب قوي على المنتج، استطاعت المصانع الحفاظ على معدلات تشغيل مستقرة وتوفير احتياجات السوق دون أزمات إمداد أو قفزات سعرية مفاجئة.
وخلال الأشهر الستة الأولى من العام، ظلت المشروعات الحكومية والبنية التحتية اللاعب الأبرز في معادلة الطلب، مدعومة باستمرار تنفيذ شبكات الطرق والمحاور والمدن الجديدة ومشروعات الإسكان، فيما حافظ المطورون العقاريون على وتيرة تنفيذ مشروعاتهم القائمة رغم التحديات التمويلية وارتفاع تكاليف البناء، وفي المقابل، بدأت حركة بناء الافراد في استعادة جزء من نشاطها المفقود، وإن ظلت أقل بكثير من مستوياتها التاريخية.
ورغم تسجيل الأسعار زيادات مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فإن السوق بدت أكثر توازنًا من أي وقت مضى، مستفيدة من فائض إنتاجي كبير وقدرة تصنيعية تجعل مصر من أكبر أسواق الأسمنت في المنطقة، وبينما تتجه الشركات إلى تعزيز الصادرات كأحد الحلول الرئيسية لاستيعاب المعروض الزائد، يبقى التحدي الأهم هو تحقيق معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على الربحية واستمرار المنافسة داخل سوق مزدحم بالطاقات الإنتاجية.
وفي ظل هذه المعطيات، يدخل قطاع الأسمنت النصف الثاني من عام 2026 مدعومًا باستقرار الإنتاج وتوافر المعروض، لكنه يواجه في الوقت نفسه اختبارًا حقيقيًا يتعلق بقدرته على مواصلة النمو وسط تغيرات مستمرة في هيكل الطلب وتكلفة التشغيل، ما يجعل أداء السوق خلال الشهور المقبلة محل متابعة من المستثمرين والمطورين والمنتجين على حد سواء.
ورغم استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل والخامات فإن الزيادات السعرية التي شهدها الأسمنت خلال النصف الأول من العام جاءت أقل حدة من بعض الفترات السابقة مدعومة بوفرة المعروض وقدرة المصانع على تلبية احتياجات السوق المحلية.
المشروعات القومية تحتفظ بالنصيب الأكبر من الطلب
وقال فاروق مصطفى عضو مجلس إدارة شركة بني سويف للأسمنت وعضو المجلس التصديري لمواد البناء إن المشروعات القومية والبنية التحتية واصلت خلال النصف الأول من 2026 لعب الدور الرئيسي في دعم الطلب على الأسمنت خاصة مع استمرار العمل في عدد من مشروعات الطرق والمحاور وشبكات المرافق وتطوير المناطق العمرانية الجديدة ومشروعات الإسكان بمختلف فئاتها.
وأشار إلى أن المشروعات الحكومية والقومية استحوذت على الحصة الأكبر من استهلاك الأسمنت خلال الفترة محل الرصد، مستفيدة من انتظام تنفيذ الأعمال الإنشائية وتوافر التمويل اللازم لاستكمال المشروعات الجاري تنفيذها.
وأوضح أن هذا الاتجاه يأتي في وقت ما زال فيه القطاع الخاص العقاري يتعامل بحذر مع المتغيرات الاقتصادية وسعر الفائدة وتكلفة التمويل، ما جعل وتيرة تنفيذ بعض المشروعات العقارية أقل من معدلاتها السابقة واقتصرت على الشركات الجادة والملتزمة التي لها سابقة أعمال وتحافظ على سمعتها بالسوق وإن ظلت مستقرة مقارنة بعام 2025.
المطورون العقاريون يحافظون
على وتيرة تنفيذ المشروعات
ونوه إلى أن المطورون العقاريون ساهموا في الحفاظ على جزء مهم من الطلب على الأسمنت خلال النصف الأول من العام خاصة الشركات التي تمتلك مشروعات قيد التنفيذ وتلتزم بجداول تسليمات للعملاء.
وأضاف مصطفى في تصريحات خاصة لـ«العقارية» أن بعض المدن الجديدة شهدت استمرار أعمال الإنشاءات بمشروعات سكنية وتجارية وإدارية الأمر الذي حافظ على مستويات استهلاك جيدة للأسمنت وإن كانت أقل من حجم الطلب الناتج عن المشروعات الحكومية الكبرى.
وأوضح أن شركات التطوير العقاري أصبحت أكثر حرصًا على إدارة تكاليف البناء خلال الفترة الأخيرة ما دفع بعضها إلى إعادة جدولة بعض مراحل التنفيذ أو التركيز على المشروعات ذات الأولوية، وهو ما انعكس على وتيرة استهلاك مواد البناء بشكل عام.
الأفراد يعود تدريجيًا لكنه
لا يزال دون مستوياته التاريخية
وبشأن بناء الأفراد فكشف مصطفى أنه شهد تحسنًا محدودًا مقارنة ببعض الفترات السابقة، مدفوعًا بزيادة الطلب على استكمال المباني القائمة وتنفيذ أعمال التشطيب والإنشاء بالمناطق التي تسمح بالترخيص والبناء.
ولفت إلى أنه رغم هذا التحسن لا يزال استهلاك بناء الأفراد أقل من المستويات التي كان يحققها قبل عدة سنوات في ظل استمرار تأثير ارتفاع تكاليف البناء وأسعار الأراضي والخدمات المرتبطة بالتشييد.
ويؤكد تجار وموزعون وهما يسوف حلمي وهشام علي يوسف أن جزءًا كبيرًا من المبيعات خلال النصف الأول من 2026 جاء من مشروعات قائمة بالفعل، بينما ظلت معدلات بدء مشروعات أهلية جديدة أقل من المستويات التقليدية التي اعتاد عليها السوق.
أسعار الأسمنت ترتفع مقارنة
بالنصف الأول من 2025
على صعيد الأسعار سجل الأسمنت خلال النصف الأول من 2026 زيادات مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025 مدفوعة بارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل، خاصة ما يتعلق بالطاقة والنقل والصيانة وقطع الغيار وتراوحت الزيادة السنوية في متوسط أسعار الأسمنت بين مستويات مختلفة بحسب الشركة والمنطقة الجغرافية وطبيعة شبكة التوزيع، إلا أن الاتجاه العام للسوق عكس ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي حسب يوسف حلمي وهشام علي يوسف.
سجلت أسعار الأسمنت خلال يونيو 2026 متوسطًا يقترب من 3820 جنيهًا للطن تسليم أرض المصنع، بينما تراوح سعر البيع للمستهلك حول 4200 جنيه للطن بحسب المنطقة وتكاليف النقل وهوامش التداول.
وبالمقارنة مع النصف الأول من 2025 ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت بين 15 و25 % وفقًا لنوع الأسمنت والشركة المنتجة، مدفوعة بزيادة تكاليف الطاقة والنقل والوقود، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية على مدخلات الإنتاج، ويرا أن ارتفاع تكاليف التشغيل كان العامل الرئيسي وراء زيادة الأسعار رغم استمرار وجود فائض إنتاجي لدى السوق المحلية.
ورغم هذه الزيادة، فإن السوق لم يشهد قفزات سعرية حادة أو اضطرابات كبيرة في الإمدادات حيث ساعدت الطاقة الإنتاجية المتاحة لدى المصانع في الحفاظ على توازن السوق وتوفير الكميات المطلوبة.
المعروض يفوق الطلب في العديد
من الفترات
أحد أبرز ملامح سوق الأسمنت خلال السنوات الأخيرة هو استمرار وجود طاقات إنتاجية كبيرة داخل السوق المصرية وهو ما انعكس خلال النصف الأول من 2026 في صورة وفرة بالمعروض وقدرة المصانع على تلبية احتياجات السوق المحلية دون ضغوط تذكر.
ويرى خبراء الصناعة على رأسهم أحمد شيرين كُريم نائب الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة سابقًا وعضو مجلس إدارة الاتحاد العربي للأسمنت أن استمرار الفجوة بين الطاقة الإنتاجية المتاحة والاستهلاك الفعلي يمنح السوق درجة من الاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات على بعض الشركات فيما يتعلق بمعدلات التشغيل والربحية.
كما ساهمت الصادرات في تخفيف جزء من الضغوط الناتجة عن زيادة المعروض حيث واصلت الشركات المصرية التوسع في عدد من الأسواق الخارجية مستفيدة من القدرة التنافسية للمنتج المصري في عدد من الدول المستوردة.
وأكد أن الطاقة الإنتاجية المتاحة ما تزال أعلى من حجم الاستهلاك المحلي، ما يدفع الشركات إلى زيادة الاعتماد على التصدير لتعزيز الإيرادات وتحسين معدلات التشغيل
وبشأن منح رخص جديدة لمصانع الأسمنت كشف شيرين أن النصف الأول من عام 2026 لم يشهد الإعلان عن رخص جديدة لإنشاء مصانع أسمنت متكاملة، في ظل استمرار امتلاك السوق المحلية طاقات إنتاجية تفوق حجم الطلب الفعلي.
وأوضح أن السياسات الصناعية تتجه خلال الفترة الحالية إلى تعظيم الاستفادة من القدرات الإنتاجية القائمة وتحسين كفاءة التشغيل وزيادة الصادرات، بدلاً من التوسع الكبير في منح تراخيص جديدة قد تزيد من حدة المنافسة داخل سوق يعاني بالفعل من فائض إنتاجي نسبي.
ونوه إلى ان بعض الشركات استمرت في تنفيذ خطط تطوير ورفع كفاءة خطوط الإنتاج القائمة وتحسين معدلات استهلاك الطاقة وخفض التكلفة التشغيلية بما يدعم قدرتها التنافسية.
23 مصنعًا تعمل بالسوق المصرية
ويضم قطاع الأسمنت المصري نحو 23 شركة ومصنعًا رئيسيًا تعمل من خلال عشرات خطوط الإنتاج المنتشرة في مختلف المحافظات بطاقة إنتاجية تتجاوز احتياجات السوق المحلية وهو ما يجعل مصر من الدول التي تمتلك فائضًا إنتاجيًا واضحًا في هذه الصناعة.
الصعيد يتصدر الطلب الإنتاجي.. والقاهرة الكبرى تقود الاستهلاك
وقال شيرين إنه جغرافيًا تركزت الكميات الأكبر من استهلاك الأسمنت خلال النصف الأول من 2026 في القاهرة الكبرى ومحافظات الجيزة والقليوبية نتيجة الكثافة السكانية الضخمة وتعدد المشروعات العقارية.
وجاءت محافظات الصعيد في مرتبة متقدمة من حيث معدلات الطلب مدفوعة بتنفيذ مشروعات البنية التحتية والإسكان والتنمية العمرانية خاصة في بني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج.
أما محافظات الدلتا فحافظت على معدلات استهلاك مستقرة مدعومة بالمشروعات السكنية الخاصة ومشروعات الخدمات لكنها جاءت أقل من القاهرة الكبرى والصعيد من حيث إجمالي الكميات المستهلكة خلال الفترة محل الرصد.
توقعات النصف الثاني من 2026
يتوقع متعاملون بالسوق على رأسهم تامر مجدي رئيس مجلس إدارة شركة اسمنت سيناء استمرار حالة الاستقرار النسبي خلال النصف الثاني من العام، مع بقاء المشروعات القومية والمشروعات العقارية الجاري تنفيذها المحرك الرئيسي للطلب على الأسمنت.
كما يرجح مجدي أن تظل الأسعار مرتبطة بشكل مباشر بتطورات تكلفة الإنتاج والطاقة والنقل، إلى جانب حركة الطلب الفعلية داخل السوق المحلية ومعدلات التصدير.
وتابع: بشكل عام يدخل قطاع الأسمنت المصري النصف الثاني من 2026 وهو يتمتع بتوافر المعروض واستقرار الإنتاج بينما يظل التحدي الرئيسي أمام الشركات هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الربحية والاستجابة لمتطلبات سوق تشهد منافسة قوية وتغيرات مستمرة في هيكل الطلب.
وتوقع مجدي استمرار استقرار الطلب خلال النصف الثاني من 2026 مع احتمالات محدودة لزيادات سعرية جديدة إذا استمرت الضغوط المرتبطة بتكاليف الطاقة والوقود، وفي المقابل، قد يسهم دخول طاقات إنتاجية إضافية وزيادة الصادرات في تحقيق قدر أكبر من التوازن بين العرض والطلب داخل السوق.
وأكمل: رغم التحديات يبقى قطاع الأسمنت أحد أكثر القطاعات الصناعية قدرة على الاستفادة من الطفرة العمرانية التي تشهدها مصر، خاصة مع استمرار تنفيذ المشروعات السكنية والتنموية في مختلف المحافظات.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض