تُمثل بطولة كأس العالم لكرة القدم فرصة اقتصادية مؤقتة تتجاوز أبعادها مجرد التنافس الرياضي، حيث تتحول المدن المضيفة على مدار شهر كامل إلى مسارح للنشاط التجاري الذي يجذب الفنادق، والمطاعم، وشبكات النقل، ووسائل الإعلام.
ورغم النظرة السائدة للبطولة كمصدر للربح، إلا أن إطارها المالي ينقسم إلى جزأين هما نظام الإيرادات العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، والاقتصاد الإقليمي للمدن المضيفة، وهي معادلة غالبًا ما تشهد تفاوتًا حادًا في النتائج بين الطرفين.
مكاسب مركزية للفيفا
يعتمد نموذج أعمال الفيفا على تحقيق عوائد مباشرة ومضمونة الأرباح عبر قنوات تجارية متعددة تشمل حقوق البث التلفزيوني والإذاعي، حقوق التسويق والرعاية، مبيعات التذاكر والضيافة، والترخيص.
وخلال الدورة المالية 2019-2022 التي اختتمت بمونديال قطر، حقق الاتحاد رقمًا قياسيًا بإجمالي إيرادات بلغ 7.568 مليار دولار، شكلت حقوق البث منها الحصة الأكبر بنسبة 45.3% أي ما يعادل 3.426 مليار دولار، تلتها حقوق التسويق بنسبة 23.7% أي ما يعادل 1.795 مليار دولار، ثم مبيعات التذاكر والضيافة بـ 12.5% أي ما يعادل 949 مليون دولار، والترخيص بنسبة 10.2% أي ما يعادل 769 مليون دولار، إلى جانب إيرادات أخرى بقيمة 629 مليون دولار بنسبة 8.3%.
وبرر الاتحاد، النمو التجاري بإعادة توزيع العوائد لتطوير الرياضة عالميًا عبر برنامج "فيفا فورورد"، والذي قدم في نسخته الثالثة للدورة 2023-2026 ما يصل إلى 8 ملايين دولار لكل اتحاد وطني عضو لدعم نفقات التشغيل والبنية التحتية.
ويواجه هذا النظام انتقادات من بعض المراقبين الذين يشيرون إلى تعقيدات سياسية تتمثل في كون الاتحادات المستفيدة من التمويل هي ذاتها التي تمتلك حق التصويت في انتخابات رئاسة الفيفا.
كأس العالم 2026
تحديات وأزمات هيكلية
ولم تخلُ المسيرة التجارية للفيفا من أزمات أثرت على سمعتها، أبرزها فضيحة الفساد "فيفاجيت" عام 2015، عندما وجهت وزارة العدل الأمريكية اتهامات لـ 9 مسؤولين في الاتحاد و5 مسؤولين تنفيذيين بتهم الابتزاز، وغسيل الأموال، والاحتيال الإلكتروني عبر مخطط امتد لـ 24 عامًا، وتضمن دفع رشى تجاوزت 150 مليون دولار لتوجيه عقود البث والتسويق لشركات محددة بدلاً من أفضل مقدمي العروض.
كما واجهت البطولة تداعيات تاريخية سابقة مثل فضيحة شركة التسويق الرياضي (ISL) التي تورط فيها رئيس الفيفا السابق جواو هافيلانج وصهره ريكاردو تيكسيرا بتهمة تلقي رشى.
وفي السياق ذاته، واجهت بطولة قطر 2022 انتقادات حقوقية وصفتها بـ تبييض السمعة عبر الرياضة، حيث أنفقت الدولة ما يقدر بـ 220 مليار دولار لبناء بنية تحتية كاملة من نقطة الصفر، مما جعلها النسخة الأغلى تاريخيًا.
وامتدت التحديات إلى مونديال 2026 مع بدء استخدام نظام التسعير الديناميكي للتذاكر، مما أثار استياء الجماهير بشأن الشفافية والقدرة المادية على تحمل التكاليف.
ضغوط المدن المضيفة
في مقابل عوائد الفيفا المركزية، تتحمل الحكومات المحلية والمدن المضيفة التكاليف التشغيلية الأكثر وضوحًا والاضطرابات اللوجستية قبل فترة طويلة من تحقق العوائد، حيث تلتزم الملاكين بالموقع النظيف للفيفا الذي يفرض إزالة أي علامات تجارية غير مصرح بها لحماية الرعاة الرسميين، إلى جانب إعادة تنظيم المرور وتوسيع توظيف الأمن والطوارئ.
وتشير الدراسات الاقتصادية إلى أن المكاسب المحلية غالبًا ما تكون مبالغًا فيها، فعلى الرغم من نجاح مونديال أمريكا 1994 في استقطاب 3.5 ملايين متفرج وتأسيس الدوري الأمريكي لكرة القدم، إلا أن دراسة للاقتصاديين روبرت باد وفيكتور ماثيسون أظهرت أن الأثر الاقتصادي الفعلي كان أقل مما تم توقعه بما يتراوح بين 5.5 و9.3 مليارات دولار.
وتبرز بطولة البرازيل 2014 كنموذج تحذيري، إذ أنفقت البلاد 11.5 مليار دولار، 85% منها أموال عامة، لبناء ملاعب وصفت لاحقًا بالمشاريع الضخمة غير المجدية لضعف ربحيتها، وتزامن ذلك مع ركود اقتصادي وأزمة سياسية بلغت ذروتها خلال الاستعداد لأولمبياد ريو 2016.
كأس العالم 2026
نموذج مونديال 2026
يقدم مونديال 2026 نموذجًا جغرافيًا واقتصاديًا جديدًا عبر الامتداد لأول مرة في ثلاث دول الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، وزيادة المنتخبات إلى 48 فريقًا، مما يسمح بتوزيع الضغوط اللوجستية.
ويتميز هذا النهج بالاعتماد على الملاعب الكبرى القائمة مسبقًا، مما يقلص مخاطر البناء، وإن كانت الملاعب تتطلب تعديلات مكلفة مثل تركيب العشب الطبيعي وتعديل الأبعاد للتوافق مع معايير الفيفا.
وتظل التكاليف البلدية باهظة، حيث خصصت الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ الأمريكية، 625 مليون دولار للأمن في 11 مدينة مضيفة، بينما جمعت بلدة فوكسبورو الصغيرة في ماساتشوستس 7.8 ملايين دولار للأمن بدعم من شركات خاصة لتجنيب دافعي الضرائب التكلفة.
وفي كندا، قفزت تقديرات تكلفة استضافة تورنتو إلى نحو 380 مليون دولار، في حين شهدت المكسيك قفزات في أسعار الفنادق وصلت إلى 1000% في بعض المدن مع اقتراب البطولة.
إرث الأحداث الضخمة
تدرج بطولة كأس العالم ضمن الأحداث الضخمة مثل الألعاب الأولمبية والمعارض الدولية، والتي يُبرر الإنفاق عليها ببناء إرث دائم للبلدان، مثل برج إيفل الذي شُيد كبناء مؤقت لمعرض باريس 1889 وأصبح معلمًا عالميًا، أو أولمبياد برشلونة 1992 ولوس أنجلوس 1984.
وقد يتحول الإرث إلى عبء مالي طويل الأجل إذا ظلت المنشآت عالية الصيانة وغير مستغلة، مما يؤكد أن صافرة النهاية للمباريات لا تعني إغلاق الدفاتر المالية للمدن التي تواجه واقعًا اقتصاديًا يختلف عن ميزانية الفيفا الرابحة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض