نزيف مالي بمليارات الدولارات.. كيف يهرب أثرياء الصين أموالهم إلى الخارج؟


الجريدة العقارية الاحد 14 يونية 2026 | 09:00 صباحاً
نزيف مالي بمليارات الدولارات.. كيف يهرب أثرياء الصين أموالهم إلى الخارج؟
نزيف مالي بمليارات الدولارات.. كيف يهرب أثرياء الصين أموالهم إلى الخارج؟
وكالات

تواجه السلطات الصينية تحدياً متزايداً في السيطرة على حركة تدفق الأموال عابرة الحدود، حيث كشفت التقديرات الأخيرة الصادرة عن معهد التمويل الدولي أن الأسر والمؤسسات والشركات الصينية نجحت في نقل مبلغ قياسي قُدّر بنحو 807 مليارات دولار إلى الخارج خلال العام الماضي وحده.

 ويأتي هذا النزيف المالي الضخم في وقت تصاعدت فيه المخاوف بشأن آفاق الاقتصاد الصيني، بالتزامن مع مساعي بكين لكبح عدم المساواة، مما دفع العديد من العائلات الثرية للبحث عن موطئ قدم مالي آمن في الأسواق الدولية.

وتصطدم هذه الرغبة المتزايدة بضوابط رأس مال تعد من بين الأكثر صرامة في العالم، إذ تفرض القوانين الصينية سقفاً لتحويلات الأفراد لا يتجاوز 50 ألف دولار سنوياً، في حين يُمنح المهاجرون فرصة واحدة فقط لنقل أصولهم. 

ونتيجة لهذه القيود المشددة، نمت صناعة سرية واسعة النطاق تعتمد على شبكات متشعبة للتحايل على القوانين، مما دفع بكين إلى شن حملات رقابية صارمة وتكثيف التدقيق على الوسطاء الخارجيين لضمان الامتثال الضريبي ومراقبة حركة رؤوس الأموال العابرة للحدود.

أساليب تقليدية وحيل مبتكرة لتجاوز القيود

تمثل طرق تهريب الأموال نقداً عبر الحدود واحدة من أقدم الوسائل التي عرفها قطاع الظل المالي في الصين، حيث كانت المبالغ تُخفى داخل حقائب السفر أو السيارات والقوارب المتجهة إلى هونغ كونغ أو ماكاو. 

ورغم أن تشديد الرقابة الأمنية جعل هذه الطريقة عالية المخاطر وأقل كفاءة، إلا أنها لم تتوقف تماماً؛ وتؤكد سجلات الإنفاذ ذلك، ومنها توقيف امرأة ستينية عند أحد المعابر الحدودية وبحوزتها نحو 42 ألف دولار أميركي مخبأة داخل سترة صُمّمت خصيصاً لهذا الغرض.

وفي المقابل، ظهرت طرق تنظيمية تعتمد على التجزئة، حيث يعمد الوسطاء إلى تجنيد أعداد كبيرة من المواطنين الذين لم يستغلوا حصتهم السنوية القانونية البالغة 50 ألف دولار. ويقوم هؤلاء الأفراد بتحويل مبالغ صغيرة تبدو في ظاهرها مشروعة، لتجتمع في النهاية لدى حساب واحد في الخارج.

 وتكشف التحقيقات الرسمية عن اتساع نطاق هذه الممارسة، حيث أظهرت وسائل إعلام حكومية قيام شخص بتجنيد 102 فرد لتحويل ما يقرب من 5 ملايين دولار أميركي إلى خارج البلاد خلال عام واحد.

المصارف السرية والشبكات الموازية

تتصدر "المصارف السرية" قائمة الوسائل الأكثر شيوعاً وعمقاً في تهريب الثروات الصينية، مستندة إلى نظام "الحوالة" التقليدي غير الرسمي.

 وتعتمد هذه الآلية على قيام العميل في البر الرئيسي بتسليم الأموال بالعملة المحلية لوسيط داخل الصين، وبدلاً من نقلها فعلياً عبر الحدود، يقوم أعضاء الشبكة في الخارج بدفع مبلغ معادل بالعملة الأجنبية إلى حساب يسيطر عليه العميل، وهي عملية تقوم بالكامل على الثقة المتبادلة بين الأطراف.

ووفقاً للتقارير الأمنية الدولية، ومنها تقرير الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في المملكة المتحدة، فإن هذه الشبكات السرية ترتبط في كثير من الأحيان بأموال ناتجة عن أنشطة غير مشروعة مثل التهريب والاتجار بالبشر، حيث تتم تسوية المعاملات المالية بين أطراف الجريمة المنظمة وأصحاب الثروات عبر قنوات متبادلة بين المدن الصينية والعواصم الغربية. 

وتعمل هذه الكيانات غير الرسمية بأرقام فلكية، إذ كشفت السلطات في مقاطعة قانسو عن تفكيك عملية مصرفية سرية واحدة بلغت أصولها نحو 11.2 مليار دولار أميركي.

التلاعب بالتجارة ومخططات استرداد الأموال

تعد ساحة التجارة الدولية ثغرة بارزة يستغلها بعض الأثرياء والشركات عبر تضخيم فواتير الاستيراد والمعاملات الوهمية. وتتلخص هذه الحيلة في الاتفاق مع مورد خارجي على رفع قيمة السلع المستوردة بشكل مبالغ فيه، لتقوم الشركة الصينية بتحويل المبلغ كاملاً عبر القنوات الرسمية، ثم يتولى المورد تحويل الفارق "المضخم" إلى حساب خارجي خاص بالعميل الصيني. 

وتلجأ هذه المخططات غالباً إلى السلع مرتفعة القيمة وسهلة التقييم الزائف مثل الألماس والزمرد والمنتجات الإلكترونية.

وعلى صعيد آخر، برزت "مخططات استرداد الأموال" كبوابة خلفية مدعومة بقطاع التجزئة الفاخرة والمقامرة، لا سيما في ماكاو.

 وتعتمد الفكرة على استخدام بطاقات مصرفية صادرة من البر الرئيسي لشراء مجوهرات أو ساعات ثمينة من متاجر في الخارج، ثم إلغاء المعاملة أو إعادة بيع السلع فوراً للحصول على النقد الأجنبي وإيداعه في حسابات خارجية. ورغم الحملات الحكومية الصارمة التي بدأت منذ عام 2014 لتنظيم أجهزة الدفع الإلكتروني في منتجعات الكازينوهات، فإن هذه المسارات ما زالت تجتذب الباحثين عن سيولة خارجية.

العملات المشفرة.. الملاذ الرقمي الخفي

رغم الحظر الشامل والمستمر الذي تفرضه بكين على منصات العملات الرقمية وتعدينها، والذي توّج بتجريم استخدامها في أنشطة جمع التمويل، لا تزال العملات المشفرة تمثل ملاذاً تكنولوجياً بارزاً لتهريب الأموال. 

ويتغلب المستخدمون على الحظر الحكومي بالاعتماد على شبكات من الوسطاء غير الرسميين الذين يشترون اليوان محلياً ويحولونه إلى أصول رقمية يمكن تسييلها في أي مكان حول العالم دون قيود.

وفي حين تفرض الطبيعة اللامركزية لهذه الأصول صعوبة في تحديد الحجم الدقيق للأموال الهاربة عبرها، تشير تقديرات شركات تحليلات البلوكتشين المتخصصة إلى أن شبكات غسل الأموال الناطقة بالصينية تعاملت مع معاملات مشفرة غير مشروعة تقدر بنحو 16.1 مليار دولار، مما يبرز الدور المحوري والآخذ في الاتساع الذي باتت تلعبه التكنولوجيا الرقمية كقناة رئيسية لهروب الرساميل الصينية إلى الخارج.