تشهد الولايات المتحدة الأمريكية واحدة من أكثر موجات الضغط الائتماني حدة منذ الأزمة المالية العالمية، مع وصول إجمالي ديون بطاقات الائتمان إلى نحو 1.25 تريليون دولار خلال الربع الأول من العام الجاري، في ظل تزايد معدلات التخلف عن السداد إلى مستويات قياسية لم تُسجل منذ 15 عاماً.
وتكشف البيانات الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي عن تصاعد غير مسبوق في الضغوط المالية على الأسر الأمريكية، نتيجة تداخل عاملين رئيسيين: استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، وارتفاع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود.
قفزة تاريخية في معدلات التعثر عن السداد
تشير الإحصاءات إلى أن نسبة أرصدة بطاقات الائتمان المتأخرة عن السداد لمدة 90 يوماً أو أكثر ارتفعت إلى 13.12% خلال الربع الأول من العام، وهو أعلى مستوى منذ ما بعد الأزمة المالية العالمية في 2008.
ويعكس هذا الارتفاع اتساع الفجوة بين الدخول الشهرية للمواطنين الأمريكيين والتزاماتهم الأساسية، في وقت تتزايد فيه الاعتماد على الائتمان لتغطية النفقات اليومية.
ديون قياسية تتجاوز تريليون دولار لأول مرة في التاريخ الحديث
سجل إجمالي ديون بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة نحو 1.25 تريليون دولار، مقارنة بـ 1.18 تريليون دولار في نفس الفترة من العام الماضي، وهو أعلى مستوى ربع سنوي منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1999.
هذا الارتفاع المستمر يسلط الضوء على تحول الديون الاستهلاكية إلى عبء هيكلي طويل الأمد، وليس مجرد ضغوط مؤقتة مرتبطة بدورات اقتصادية قصيرة.
أسعار الفائدة تشتعل.. والقروض تصبح أكثر تكلفة
وفقاً لبيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ارتفع متوسط سعر الفائدة على بطاقات الائتمان إلى نحو 21%، مقارنة بـ 14.6% قبل أربع سنوات فقط، بينما تجاوزت بعض البطاقات في حالات فردية 26% إلى 29%.
هذا الارتفاع الحاد جعل الحد الأدنى للسداد الشهري غير كافٍ لتقليص أصل الدين، حيث يذهب جزء كبير من المدفوعات لتغطية الفوائد فقط، ما يطيل عمر الدين لسنوات طويلة.
قصص فردية تعكس الأزمة
تقول كاثرين كلارك، وهي موظفة بدخل سنوي يبلغ 194 ألف دولار، إن رصيد بطاقتها الائتمانية وصل إلى 15 ألف دولار، رغم التزامها بدفع الحد الأدنى الشهري البالغ 572 دولاراً.
وتوضح أن معدل الفائدة البالغ 26% يجعل معظم ما تسدده يذهب إلى الفوائد دون تقليل فعلي في أصل الدين، في ظل ضغوط متزايدة من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
اتساع نطاق الأزمة ليشمل جميع فئات الدخل
تشير بيانات "المعهد الحضري للأبحاث" إلى أن نسبة المتأخرين عن السداد لمدة 60 يوماً أو أكثر وصلت إلى 5.6% خلال العام الماضي، متجاوزة مستويات ما قبل الجائحة.
كما يوضح التحليل أن معدلات التعثر ارتفعت خلال العامين الأخيرين لتسجل أعلى مستوياتها منذ عام 2018، لتشمل شرائح الدخل المنخفض والمتوسط والمرتفع على حد سواء.
ارتفاع الطلب على الاستشارات الائتمانية
في ظل تفاقم الأزمة، ارتفع الإقبال على خدمات الاستشارات المالية، حيث أعلنت "المؤسسة الوطنية للاستشارات الائتمانية" عن زيادة عدد العملاء بنسبة 24% في يناير مقارنة بالعام الماضي، مع نمو إجمالي العملاء الشهري بنسبة 60% مقارنة بعام 2018.
ويعكس هذا الاتجاه تصاعد الحاجة إلى إعادة هيكلة الديون لدى الأسر الأمريكية التي تواجه صعوبة متزايدة في إدارة التزاماتها المالية.
ديون متوسطة لكنها ضاغطة على الطبقة الوسطى
تشير التقديرات إلى أن متوسط ديون بطاقات الائتمان في الولايات المتحدة يتراوح بين 6,500 و6,700 دولار للفرد، لكن نسبة حاملي البطاقات الذين تتجاوز ديونهم 10,000 دولار في تزايد مستمر منذ عام 2018.
ويرى خبراء الاقتصاد أن الطبقة الوسطى هي الأكثر تأثراً بهذه الأزمة، نتيجة اعتمادها المتزايد على الائتمان لتغطية الفجوة بين الدخل والإنفاق.
تحذيرات اقتصادية من استمرار الدوامة
يؤكد خبراء الاقتصاد أن استمرار الاعتماد على الحد الأدنى للسداد في بيئة أسعار فائدة مرتفعة قد يؤدي إلى “دوامة ديون طويلة الأجل”، تجعل سداد الالتزامات أمراً بالغ الصعوبة على مدى سنوات.
ويشير سكوت شو، الخبير الاقتصادي بجامعة فيرجينيا الغربية، إلى أن العديد من المستهلكين قد لا يتمكنون من سداد ديون بطاقات الائتمان بالكامل إذا اقتصروا على الحد الأدنى فقط، خاصة مع استمرار ارتفاع الفائدة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض