خطت أوروبا خطوة جديدة لتعزيز أمن الطاقة وتأمين احتياجاتها من الوقود، بعدما أبرمت ألمانيا صفقة غاز مسال جديدة مع كندا لتوريد ما يصل إلى مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، في تحرك يستهدف تقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية ومواجهة التقلبات الحادة في أسواق الطاقة العالمية.
وتأتي الصفقة الجديدة في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية تغيرات جذرية في سياسات الطاقة، منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، التي دفعت الحكومات الأوروبية إلى البحث عن موردين جدد قادرين على توفير إمدادات مستقرة بعقود طويلة الأجل.
وبحسب البيانات الصادرة حول الاتفاق، ستأتي الشحنات من مشروع "كيه إس آي ليسيمز إل إن جي" المقرر تطويره على الساحل الغربي لكندا بالقرب من لسان ألاسكا، باستثمارات ضخمة تقترب من 10 مليارات دولار كندي، أي ما يعادل نحو 7.2 مليار دولار أميركي.
ألمانيا تؤمّن مليون طن سنويًا من الغاز الكندي
بموجب الصفقة، ستشتري ألمانيا ما يصل إلى مليون طن متري سنويًا من الغاز الطبيعي المسال الكندي، وهي كميات كافية لتوفير الكهرباء لمدينة ضخمة بحجم نيويورك لأكثر من شهر.
ومن المنتظر أن تكون شركة SEFE، الذراع السابقة التابعة لشركة غازبروم الروسية والتي وضعتها الحكومة الألمانية تحت السيطرة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، هي المشتري الرئيسي للغاز بموجب الاتفاق الجديد.
ويمثل هذا التوجه امتدادًا لاستراتيجية ألمانية واسعة تهدف إلى بناء شبكة إمدادات أكثر استقرارًا، بعد سنوات طويلة من الاعتماد المكثف على الغاز الروسي، وهو الاعتماد الذي تسبب في اضطرابات كبيرة بأسواق الطاقة عقب الأزمة الجيوسياسية الأخيرة.
وتعكس الصفقة أيضًا تحولًا مهمًا في سياسة الطاقة الكندية، التي واجهت لسنوات عراقيل في تطوير مشروعات تصدير الغاز الطبيعي المسال بسبب محدودية البنية التحتية على الساحل الغربي للبلاد.
مشروع كندي عملاق بقيمة مليارات الدولارات
رغم أن المطورين لم يتخذوا قرار الاستثمار النهائي حتى الآن، فإن مشروع Ksi Lisims LNG حصل بالفعل على الموافقات التنظيمية اللازمة، ما يضعه بين أكبر مشروعات الغاز المسال المرتقبة في كندا.
ويستهدف المشروع إنتاج نحو 12 مليون طن سنويًا من الغاز الطبيعي المسال، مع الاعتماد على احتياطيات الغاز الوفيرة في غرب كندا، والتي كانت تُوجَّه تاريخيًا إلى الولايات المتحدة عبر خطوط الأنابيب.
ويضم تحالف تطوير المشروع عدة جهات رئيسية، تشمل شركة Western LNG المدعومة من Blackstone، إضافة إلى Rockies LNG Partners، وكذلك جماعة Nisga’a Nation من السكان الأصليين المالكة للأراضي المقام عليها المشروع.
لماذا تتجه أوروبا إلى الغاز الكندي؟
تسعى أوروبا بصورة متسارعة إلى تنويع مصادر الطاقة، في ظل استمرار تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق إنتاج الطاقة الرئيسية.
وفي هذا السياق، أكد وزير الطاقة الكندي أن الدول الأوروبية تبحث بشكل متزايد عن موردين موثوقين للغاز الطبيعي، قادرين على توفير الإمدادات بعيدًا عن الضغوط السياسية أو استخدام الطاقة أداة للنفوذ الجيوسياسي.
ويرى مراقبون أن الغاز الكندي قد يتحول إلى بديل إستراتيجي مهم للإمدادات الروسية وحتى الأميركية، خاصة مع تزايد رغبة الحكومات الأوروبية في تقليل الاعتماد على مورد واحد.
كما يُتوقع أن تصل الشحنات الكندية إلى أوروبا عبر أكثر من مسار، سواء من خلال قناة بنما أو عبر عمليات تبادل الشحنات مع مشترين آخرين في الأسواق العالمية.
ارتفاع واردات أوروبا من الغاز المسال خلال 2026
تزامنت الصفقة الجديدة مع قفزة واضحة في واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال خلال الربع الأول من عام 2026.
فقد ارتفعت الواردات بنسبة 11.3% على أساس سنوي، بزيادة تُقدَّر بنحو 4 ملايين طن، ليصل إجمالي الواردات الأوروبية إلى نحو 39.95 مليون طن خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، مقارنة بنحو 35.89 مليون طن خلال الفترة نفسها من 2025.
كما سجلت الواردات زيادة فصلية بلغت 15% مقارنة بالربع الأخير من عام 2025، في مؤشر على استمرار الدول الأوروبية في تعزيز المخزونات الاستراتيجية استعدادًا لفصل الشتاء.
وشهد ترتيب أكبر الدول الأوروبية المستوردة للغاز المسال تغيرًا لافتًا، بعدما تقدمت تركيا إلى المركز الأول متجاوزة فرنسا.
توقعات قياسية لواردات أوروبا من الغاز المسال
تشير توقعات وكالة الطاقة الدولية إلى إمكانية تسجيل أوروبا مستوى قياسيًا جديدًا في واردات الغاز المسال خلال 2026، مع استمرار الحاجة إلى تعويض الإمدادات الروسية وإعادة ملء المخزونات.
وتُظهر التقديرات احتمال ارتفاع الواردات الأوروبية بنسبة 7% خلال العام الجاري لتتجاوز 185 مليار متر مكعب، رغم توقعات انخفاض الطلب الأوروبي على الغاز بنحو 2% بالتزامن مع توسع الاستثمارات في الطاقة المتجددة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض