تتجه أسعار النفط العالمية إلى تسجيل واحدة من أكبر خسائرها الأسبوعية خلال الأشهر الأخيرة، في ظل تزايد رهانات الأسواق على إمكانية استمرار وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، رغم عودة الاشتباكات العسكرية في محيط مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لنقل الطاقة في العالم.
ورغم أن التوترات العسكرية لا تزال حاضرة بقوة في المنطقة، فإن المستثمرين باتوا يراهنون بشكل أكبر على المسار الدبلوماسي، وهو ما حدّ من موجة الارتفاعات القوية التي دفعت النفط إلى تجاوز مستويات تاريخية خلال الأسابيع الماضية.
خام برنت يفقد الزخم رغم بقائه فوق 100 دولار
فشل خام "برنت" في الحفاظ على مكاسبه القوية التي سجلها مع بداية التصعيد العسكري، ليستقر فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بينما يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية تتجاوز 7%، في مؤشر واضح على تغير مزاج الأسواق العالمية.
وفي أحدث التعاملات، ارتفعت العقود الآجلة لمزيج برنت تسليم يوليو بنسبة طفيفة بلغت 0.2% لتسجل 100.27 دولار للبرميل، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.1% إلى 94.70 دولار للبرميل.
ويرى محللون أن الأسواق بدأت تستوعب احتمالات احتواء الأزمة وعدم تحولها إلى مواجهة مفتوحة طويلة الأمد تهدد الإمدادات العالمية بشكل كامل.
اشتباكات جديدة في مضيق هرمز ترفع مستوى القلق
التوترات عادت مجدداً إلى واجهة المشهد بعد إعلان القيادة المركزية الأميركية أن القوات الأميركية استهدفت مواقع عسكرية داخل إيران، رداً على إطلاق طهران النار باتجاه ثلاث مدمرات أميركية أثناء عبورها مضيق هرمز.
وأكدت القيادة الأميركية أن العملية جاءت في إطار الدفاع عن القوات البحرية، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنها "لا تسعى إلى التصعيد"، في محاولة لطمأنة الأسواق ومنع تفاقم المخاوف من اندلاع حرب إقليمية واسعة.
من جانبه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المدمرات الأميركية غادرت المضيق بسلام دون تعرضها لأي أضرار، مؤكداً أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يزال قائماً رغم تبادل الهجمات العسكرية.
مضيق هرمز يواصل السيطرة على حركة الأسواق العالمية
لا يزال مضيق هرمز يمثل العامل الأكثر تأثيراً في حركة أسعار النفط العالمية، خاصة بعد أن أصبح الممر الحيوي شبه مغلق فعلياً منذ اندلاع الحرب في نهاية فبراير الماضي.
وأدى تعطل الملاحة في المضيق إلى اضطرابات غير مسبوقة في تدفقات النفط الخام، مع تراجع الإمدادات القادمة من الخليج وإغلاق عدد من الآبار النفطية في المنطقة.
ويواجه المضيق حالياً ضغوطاً مزدوجة، إذ تفرض إيران قيوداً على حركة العبور، بينما تمنع الولايات المتحدة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية من المرور بحرية، ما يضاعف حالة عدم اليقين في الأسواق.
وقالت شارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في "ساكسو ماركتس"، إن سوق النفط يتحرك حالياً بين احتمالين متناقضين، يتمثلان في نجاح المسار الدبلوماسي أو عودة التصعيد العسكري بشكل أكبر.
وأضافت أن الأسواق لا تزال تمنح فرصاً لاستمرار التهدئة، لكن تلك الفرص لم تصل بعد إلى مستوى يسمح بإزالة علاوة المخاطر الجيوسياسية من أسعار النفط.
الإمارات تعلن اعتراض صواريخ ومسيرات قرب الخليج
وفي تطور جديد يعكس اتساع رقعة التوتر في المنطقة، أعلنت الإمارات اعتراض عدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة بواسطة أنظمة الدفاع الجوي.
وتقع الإمارات على الضفة المقابلة لمضيق هرمز، وكانت قد تعرضت خلال الأيام الماضية لمحاولات استهداف متكررة، من بينها هجوم استهدف مدينة الفجيرة الساحلية في وقت سابق من الأسبوع الجاري.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي اتساع دائرة الهجمات إلى تهديد البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهو ما قد يدفع أسعار النفط إلى موجة صعود جديدة إذا تعطلت الإمدادات بشكل أوسع.
وكالة الطاقة الدولية تحذر من فقدان ملايين البراميل يومياً
حذرت وكالة الطاقة الدولية من استمرار التداعيات الخطيرة للحرب على أسواق الطاقة، مؤكدة أن العالم يخسر حالياً نحو 14 مليون برميل نفط يومياً نتيجة تعطل الإمدادات.
وأوضح فاتح بيرول، رئيس الوكالة، أن أي زيادة مستقبلية في الإنتاج ستكون تدريجية ولن تتمكن من تعويض النقص سريعاً، ما يعني بقاء الأسواق تحت ضغط خلال الفترة المقبلة.
وأشار إلى أن وكالة الطاقة الدولية مستعدة لاتخاذ خطوات إضافية لدعم استقرار الأسواق، بعد موافقة الدول الأعضاء سابقاً على الإفراج الطارئ عن 400 مليون برميل من الاحتياطي النفطي.
الأسواق تراهن على احتواء الأزمة وعدم انفلاتها
يرى خبراء الاستثمار والطاقة أن رد فعل سوق النفط خلال الأيام الأخيرة يعكس اقتناعاً متزايداً بإمكانية السيطرة على الأزمة الحالية، مقارنة بما حدث في بدايات التصعيد.
وقال راي داليو، مؤسس شركة "بريدجووتر أسوشيتس"، إن مستقبل الصراع الأميركي الإيراني سيتحدد وفق الجهة التي ستفرض سيطرتها على مضيق هرمز، باعتباره نقطة النفوذ الأهم في معادلة الطاقة العالمية.
في المقابل، أكد هاريس خورشيد، كبير مسؤولي الاستثمار في "كاروبار كابيتال"، أن محدودية تفاعل الأسواق مع التصعيد الأخير تشير إلى أن المستثمرين لا يزالون يعتبرون الوضع "قابلاً للإدارة" حتى الآن.
وأضاف أن كل تصعيد عسكري في بداية الأزمة كان يؤدي إلى قفزات حادة في الأسعار، بينما أصبحت الأسواق الآن أكثر هدوءاً في التعامل مع التطورات المتلاحقة.
كيف تؤثر أزمة مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي؟
يمثل مضيق هرمز شرياناً رئيسياً لتجارة النفط العالمية، إذ تمر عبره نسبة ضخمة من صادرات الخام القادمة من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية.
وأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر قد يؤدي إلى:
ارتفاع أسعار الوقود عالمياً
زيادة معدلات التضخم
ارتفاع تكاليف النقل والشحن
تراجع النمو الاقتصادي العالمي
ضغوط إضافية على البنوك المركزية وأسعار الفائدة
ولهذا تتابع الأسواق المالية تطورات المنطقة لحظة بلحظة، في ظل حساسية شديدة تجاه أي مؤشرات مرتبطة بالإمدادات أو الملاحة البحرية.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض