بدأت منذ قليل فعاليات اليوم الثاني والأخير من مؤتمر «من الشمول المالي إلى النمو الشامل: آفاق وسياسات مستقبلية»، وسط حضور واسع من قيادات القطاع المصرفي والخبراء والمتخصصين، حيث تصدرت قضايا الأمن المالي ومواجهة الاحتيال قائمة أولويات النقاش، في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي فتحت المجال أمام أنماط جديدة ومعقدة من الجرائم المالية، ما يفرض تحديات متزايدة على المؤسسات المالية والجهات التنظيمية.
وجاءت الجلسة الأولى من اليوم الثاني تحت عنوان «من الثقافة المالية إلى الصحة المالية»، لتسلط الضوء على أهمية رفع وعي الأفراد وتعزيز قدرتهم على التعامل الآمن مع الخدمات المالية، خاصة مع انتشار الأدوات الرقمية والتوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، وهو ما يجعل حماية العملاء مسؤولية مشتركة بين المؤسسات المالية والمجتمع.
وفي هذا السياق، أكد العميد مصطفى خضر، مدير عام الإدارة المركزية لمكافحة الاحتيال والجرائم المالية بالبنك المركزي المصري، أن الاحتيال المالي لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى «صناعة عالمية» متطورة تسبق الحكومات بخطوة، مستفيدًا من التطور التكنولوجي السريع، وعلى رأسه تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تُستخدم في تنفيذ عمليات احتيال أكثر تعقيدًا واحترافية.
الاحتيال المالي.. «صناعة عالمية» تسبق الحكومات
وأوضح مصطفى خضر خلال كلمته أن حجم التحديات التي تفرضها جرائم الاحتيال المالي بات كبيرًا للغاية، مشيرًا إلى أن هذه الجرائم تتطور بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على مواجهتها، وهو ما يعكس فجوة واضحة تتطلب تكاتف الجهود الدولية لسدها، من خلال تطوير أدوات رقابية وتشريعية أكثر مرونة وفعالية.
وأشار إلى مشاركته في مؤتمر دولي لمواجهة جرائم الاحتيال المالي عُقد ضمن فعاليات الأمم المتحدة، بحضور نحو 1400 مشارك من 114 دولة، مؤكدًا أن مصر كان لها حضور متميز خلال هذا الحدث، حيث استعرضت جهودها في التصدي لهذه الظاهرة، وهو ما يعكس التقدم الذي أحرزته الدولة في هذا الملف الحيوي.
وأضاف أن الاحتيال المالي ليس ظاهرة حديثة، بل يمتد وجوده عبر التاريخ، مستشهدًا بقصة «أصحاب السبت» التي وردت في القرآن الكريم، والتي تعكس محاولات التحايل بطرق مختلفة، وهو ما يؤكد أن طبيعة الاحتيال تتغير مع الزمن، لكنها لا تختفي، بل تتطور مع تطور الأدوات والوسائل.
الذكاء الاصطناعي يدخل على خط الجرائم المالية
وشدد خضر على أن أخطر ما يشهده العالم حاليًا هو استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات الاحتيال، حيث أصبح المحتالون قادرين على تطوير أساليب أكثر تعقيدًا تستهدف الأفراد والمؤسسات على حد سواء، ما يزيد من صعوبة اكتشاف هذه الجرائم والتصدي لها.
وأوضح أن هذا التطور يفرض تحديات غير مسبوقة على الأنظمة المصرفية، التي باتت مطالبة بتطوير أنظمة حماية أكثر ذكاءً، تعتمد على تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر، إلى جانب الاستثمار في تدريب الكوادر البشرية لمواكبة هذه التغيرات المتسارعة.
التثقيف المالي خط الدفاع الأول لحماية العملاء
وأكد مدير عام الإدارة المركزية لمكافحة الاحتيال والجرائم المالية بالبنك المركزي المصري أن التثقيف المالي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الاحتيال، مشددًا على أهمية توعية العملاء بضرورة الحفاظ على بياناتهم المالية وعدم مشاركتها مع أي جهة غير موثوقة، إلى جانب ضرورة توخي الحذر في التعامل مع الرسائل والعروض غير الموثوقة.
وأشار إلى أن مسؤولية مواجهة الاحتيال لا تقع فقط على عاتق البنوك أو الجهات التنظيمية، بل تمتد لتشمل العملاء أنفسهم، الذين يجب أن يكونوا على دراية كافية بأساليب الاحتيال المختلفة، وكيفية التصدي لها، بما يضمن حماية مدخراتهم والحفاظ على استقرارهم المالي.
دعوة لتعزيز الوعي وبناء منظومة حماية متكاملة
واختتم خضر تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب تكثيف الجهود لتعزيز الوعي المالي لدى مختلف فئات المجتمع، إلى جانب تطوير منظومة متكاملة لمكافحة الاحتيال تعتمد على التعاون بين المؤسسات المالية والجهات الرقابية، بما يسهم في بناء بيئة مالية آمنة تدعم جهود الشمول المالي والتحول الرقمي.
وأكد أن نجاح هذه الجهود يعتمد بشكل كبير على تحقيق التوازن بين التوسع في الخدمات المالية الرقمية وبين ضمان أعلى مستويات الأمان، بما يعزز ثقة العملاء في النظام المصرفي ويدعم استدامة النمو الاقتصادي في ظل التحولات العالمية المتسارعة.
تابعوا آخر أخبار العقارية على نبض